العنوان حزب العمل الإسرائيلي هل يكفي العرب شر القتال؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1981
مشاهدات 53
نشر في العدد 511
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 13-يناير-1981
• حزب العمل أسس دولة إسرائيل وزعماؤه معظمهم صقور.
• صقور العمال كانوا وراء حرب ١٩٤٨و١٩٥٦و١٩٦٧.
• شيمون بيرز دخل العمل السياسي من باب التطرف ويعود إليه من نفس الباب.
• بيرز خطط للعدوان الثلاثي وهزيمة عام ١٩٦٧.
• برنامج حزب العمل يرفض الدولة الفلسطينية ويتنازل عن المناطق الآهلة بالسكان.
• لا لمنظمة التحرير ونعم لممثلين عن الضفة والقطاع أو الأردن!
• السياسة الإسرائيلية لا يغيرها الحزب ولا الأفراد صقورًا كانوا أو حمائمًا!
• ريغان وبيرز يلتقيان عند الخيار الأردني ومقاومة التطرف الإسلامي ومواجهة الاتحاد السوفياتي.
• النفوس والعقول المهزومة هي التي تغيرت عند بعض الساسة والقادة العرب وليس السياسة الإسرائيلية.
حزب العمل الإسرائيلي هل يكفي العرب شر القتال؟!
قد يكون هذا العنوان غريبًا ومثيرًا ولكن التأمل في كثير مما تنقله وسائل الإعلام العربي يزيل هذه الغرابة والإثارة، فمنذ أجمع حزب العمل الإسرائيلي في منتصف الشهر الماضي على انتخاب شيمون بيرز رئيسًا للحزب وكثير من وسائل الإعلام العربي تبرز هذا الحدث وكأنها توحي بأن تغيرًا لصالح القضية العربية سيطرأ على السياسة الإسرائيلية، إذا ما قدر لحزب العمل الفوز بانتخابات الكنيست العاشرة في شهر نوفمبر القادم أو ربما قبل ذلك. يخفى أن بعض السياسيين العرب قد فرحوا في سرهم لهذا الحدث على أمل أن اللقاء بين برنامج حزب العمل وتصور الإدارة الأميركية الجديدة سيعيد الأراضي العربية المحتلة ويكفيهم شر القتال، كما ستنضاف إلى مجموعة الدول العربية دولة جديدة هي الدولة الفلسطينية التي ما فتئ ياسر عرفات يبشر بساعة ولادتها، فهل تختلف سياسة حزب العمل عن سياسة تجمع الليكود؟ وهل يختلف شيمون بيرز عن مناحيم بيغن؟ وهل الرهان على تغير السياسة الإسرائيلية رهان رابح؟
ومع أن مثل هذه الأسئلة ما كان ينبغي لها أن تدور في أذهان العرب والمسلمين وأن الإجابة عليها بالنفي القاطع بدهية أساسية فإن تقلب الظروف وضعف صلة المسلمين بالقرآن وآياته البينات التي فضحت نفسية اليهود تجعل من التنبيه والتأكيد على البدهيات أمرًا لا مفر منه لكل مصلح أو مراقب.
خلفية حزب العمل
وعند التأمل في موضوع الرهان على تغيير السياسة الإسرائيلية بقيادة شيمون بيرز المتوقعة لا بد من إلقاء الضوء على حزب العمل الذي ينتمي إليه بيرز، ثم معالم شخصيته الفردية وآرائه السياسية.
وأول حقيقة ينبغي علينا كعرب ومسلمين تذكّرها أن دولة إسرائيل منذ قيامها عام ١٩٤٨ إنما قامت على أكتاف حزب العمل، وأن سياسة إسرائيل التوسعية والاستيطانية والعدوانية منذ ذلك الحين وإلى عام ۱۹۷۷ فقط كان رجالات حزب العمل هم المسؤولون عنها.
لقد كان حزب العمل هو أول من بنى المستعمرات في فلسطين، وفي عام ١٩٤٨ خاضت قوات «الهاغاناه»- التي أسسها الحزب وكان وراءها بن غوريون- الحرب ضد الجيوش العربية، وفي نفس الوقت أسس الحزب قوات «ناحال»- أي الحراس الطلائعيون- وكانت مهمتهم عرقلة تقدم الجيوش العربية، وبسبب فلسفة الحزب التي تزاوج بين الاشتراكية والصهيونية وجد له أنصارًا بين العمال واليهود الشرقيين، وكان أول مؤسسة إسرائيلية قامت ببناء المزارع الجماعية «أكليبوتسيم».
دولة يهودية نقية
وحزب العمل يحذو خطوات بن غوريون ويؤمن بأن إسرائيل لدواعٍ أمنية وفكرية وسياسية يجب أن تبقى يهودية نقية، بمعنى أن يظل العنصر اليهودي فيها هو الغالب والمسيطر. ومن هذا المنطلق قامت حكومات إسرائيل العمالية المتوالية على تطبيق سياسة طرد السكان العرب من أراضيهم وتهجيرهم إلى الدول العربية الأخرى أو تقتيلهم جماعيًّا.
لقد قال موشى دايان يومًا قبل أن يستقيل من حزب العمل: «عندما أتجول في حيفا ويافا وتل أبيب ثم في نابلس والقدس والخليل، وبعد مضي سنوات على الاحتلال أجد أن الناس لازالوا مختلفين فالناس في الضفة الغربية لازالوا كما هم، ولعله أراد لازالوا مسلمين والعداوة لليهود في نفوسهم.
وإيمانًا بهذه النظرية تبنى حزب العمل مشاريع سياسية لحل الإشكال الذي حصل بعد احتلال الضفة الغربية والجولان وقطاع غزة وسيناء عام ١٩٦٧. وقد كان أشهر هذه المشاريع مشروع «ألون» الذي يتلخص بانسحاب إسرائيل من المناطق الآهلة بالسكان كنابلس والخليل وغزة والإبقاء على القدس موحدة، مع الاحتفاظ بهضبة الجولان وشريط حدودي على طول نهر الأردن يتراوح عرضه ما بين ١٠-١٥ كيلو مترًا.
أما المناطق المأهولة والتي دعا «ألون» للانسحاب منها فقد شجع أن تقوم فيها قيادات سياسية تسهر على برامج التنمية والإعمار.
الإدارة الذاتية
ومن بين المشاريع الأخرى التي طرحها حزب العمل هو مشروع زعيمه الجديد شيمون بيرز بالتعاون مع موشى دايان، والذي سمي بمشروع الإدارة الذاتية. وطبقًا لهذا المشروع فقد اقترح بيرز أن تقسم إسرائيل إلى إدارات محلية ولها برلمانات خاصة، على أن تظل قضايا الأمن والنقد والمواصلات بيد الحكومة المركزية، ولتنفيذ هذا المشروع يرى بيرز أنه لابد من التفاوض مع زعامات محلية، وإذا تعذر ذلك فلا بد من اللجوء للأردن، ويمكن تلخيص هذا المشروع بعبارة بيرز «قطعة أرض مقابل قطعة سلام» وهذه هي النقطة الوحيدة التي يختلف فيها عن بيغن الذي يريد الأرض والسلام معًا.
إلى جانب هذه المشاريع كان حزب العمل قد تبنى مشروعًا عرف باسم إسرائيل جاليلي، والذي كان سيخوض الانتخابات عام ۱۹۷۷ على أساسه. وهذا المشروع كالمشاريع السابقة مع قليل من الاختلافات التي أملتها الظروف السياسية العربية والدولية.
على أن أهم وثيقة يعتمد عليها في معرفة برامج حزب العمل السياسية هي وثيقة أعدها إسرائيل جاليلي من جديد، وتمت الموافقة عليها كبرنامج للحزب في مؤتمره الأخير الذي انتخب فيه بيرز رئيسًا. وسيخوض الحزب انتخابات دورة الكنيست العاشرة في نوفمبر القادم على أساس هذا البرنامج.
القدس موحدة ولا دولة فلسطينية
وقد تكلمت هذه الوثيقة كثيرًا عن السلام وانتقدت سياسة تجمع الليكود القائلة «ولا شبر من الأرض»، ولكن السلام الذي تحدثت عنه الوثيقة يمكن تلخيصه على الشكل التالي:
١- الاستعداد للانسحاب من بعض الأراضي الآهلة بالسكان في الضفة الغربية مع الاحتفاظ بالقدس موحدة وضم جنوب الجولان.
٢- الموافقة على قيام دولة فلسطينية- أردنية يعبر فيها الفلسطينيون عن هويتهم الذاتية.
٣- إقرار الإدارة الذاتية والدعوة للتفاوض مع ممثلين معتمدين في الضفة والقطاع، سواء وافقت الأردن على ذلك أم لا.
٤- عدم السماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة وعدم التفاوض مع منظمة التحرير، وعدم القبول بأية قوات في المناطق التي يتم الانسحاب منها.
٥- تثبيت الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية- الأردنية المقترحة بشكل نهائي.
٦- إذا رفض ممثلون محليون والأردن التفاوض فإن إسرائيل ستمارس صلاحياتها الكاملة على الأراضي التي تحتلها منذ عام ١٩٦٧، ويطبق نفس المبدأ على الجولان.
٧- تأكيد احترام اتفاقيات كامب ديفيد وتطبيق ما هو ممكن منها.
وواضح من بنود هذا البرنامج أنه قد وضع شروطًا عديدة لإتمام أية عملية سلام، في حين أنه نص على أن التعارض يجب أن يجري دون شروط مسبقة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما جاء في البند السادس وغيره يتضح أن برنامج حزب العمل ما هو إلا حلقة في سلسلة تنازلات إسرائيلية، إلى أن تتم التسوية النهائية طبقًا للتصور اليهودي.
فحزب العمل إضافة إلى أنه يؤمن بفلسفة «النقاء اليهودي» فهو يؤمن كبن غوريون بأن إسرائيل ستزول ما لم يعترف بها جيرانها؛ وهو لذلك حريص وجاد في التوصل إلى سلام مع دول المنطقة على أساس الاعتراف المتبادل وتطبيع العلاقات سياسيًا وفكريًا واقتصاديًا.
بطل السلام
هذا هو إذن موقف حزب العمل باختصار تجاه تسوية أزمة الشرق الأوسط، وهو بهذا التصور اختار شیمون بیرز ليكون بطل السلام، فهل بعد ذلك يكون قادرًا على تجاوز برنامج الحزب ويكفي ساسة العرب «شر الفلسطينيين» وشر القتال؟!
اللقب الذي ظل ملازمًا لبيرز هو صقر من صقور حزب العمل، مع أن الفرق بين الصقر والحمامة لدى اليهود هو كالفرق بين الصقر والبازي، وشيمون بيرز عاصر العمل اليهودي والحركة الصهيونية قبل قيام دولة إسرائيل، ويبدأ تاريخ بيرز السياسي منذ عام ١٩٤٢، وذلك بعدما رجع بن غوريون من مدينة بال بسويسرا بعد حضوره المؤتمر الصهيوني الذي تنازعه جناحان في العمل الصهيوني، الجناح الأول كان يمثله حاييم وايزمن الذي قبِلَ مشروع هربرت موريون الذي يقضي بتقسيم فلسطين إلى قسمين مستقلين ذاتيًّا، واحد للعرب والآخر لليهود، وكان كانتون اليهود يمتد من تل أبيب إلى حيفا، إضافة إلى السهل الساحلي ويبلغ عرضه ما بين ۲۰- ۳۰ كيلو مترًا، أما الأماكن المقدسة في القدس وبيت لحم والناصرة فقد اقترح أن تظل تحت إشراف بريطانيا، أما الجناح الآخر الذي رفض هذا المشروع فكان جناح بن غوريون الذي يضم المتطرفين في حزب العمل، إضافة إلى مناحيم بيغن رئيس جماعة شيترن آنذاك، وجابوتنسكي مؤسس الحزب الإصلاحي وغيرهم.
وقد اشترط بن غوريون للموافقة على هذا المشروع أن يتحول إلى دولة مستقلة استقلالًا تامًّا ومنفصلًا عن بريطانيا. ولكنه لم يُجَب إلى هذا الشرط فرجع إلى فلسطين وانضم إليه شيمون بيرز وموشی دایان؛ مما مهد الطريق لإقرار العمل لإيجاد دولة يهودية في مؤتمر بالتيمور عام ١٩٤٣.
وبعد قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ أصبح بيرز من المقربين لبن غوريون، ولا ننسى أنه عمل قبل ذلك كضابط في قوات الهاغاناه التي خاضت حرب عام ١٩٤٨.
لقد عهد بن غوريون إلى بيرز بالإشراف على برنامج إسرائيل الذري كما شغل مناصب وكيل وزارة الدفاع ثم وزير الدفاع لفترة طويلة.
لقد كان بيرز مبعوث إسرائيل السري إلى فرنسا عام ١٩٥٦ لتدبير العدوان الثلاثي.
وكان له دور بارز في التهيئة لعدوان عام ١٩٦٧، إذ تمكن بالتعاون مع زعماء آخرين من الضغط على ليفي أشكول لقبول موشى دايان وزيرًا للدفاع ومناحيم بيغن وزيرًا بلا وزارة، وكان من نتيجة حكومة الاتحاد الوطني أن خاض أشكول الحرب عام ١٩٦٧ التي انتهت بنصر إسرائيلي كاسح.
وبسبب هذا النصر وضعف بن غوريون دعا بيرز لعودة حزب رافي المنشق عن حزب العمل إلى الحزب الأم، وذلك بعد أن أصبحت غولدا مائير رئيسة للوزراء، وقد تمت الموافقة على اقتراح بيرز بالإجماع وظل بيرز نجمًا حكوميًّا وسياسيًّا حتى عام ١٩٧٤. ومنذ ذلك الحين أخذ التنافس يشتد بينه وبين إسحق رابين الذي حسمه الحزب في منتصف الشهر الماضي لصالح بيرز.
والحقيقة أن بيرز منذ مطلع العام الماضي وهو يتصرف بروح الزعيم ورئيس الوزراء، فقام بزيارة أميركا وأوروبا وأقام علاقات جيدة مع إدارة ريغان والاشتراكية الدولية حين حضر مؤتمر مدريد.
بيرز وريغان
وعندما فاز ريغان بانتخابات الرئاسة الأميركية رحب به بيرز قائلًا: «يجب على إسرائيل أن تسعى منذ الآن لإيجاد تفاهم عميق مع الحكم الجديد حول السياسة الإقليمية الواسعة التي سينهجها في المنطقة، خصوصًا أن بعض أصدقاء إسرائيل وكيسينجر وهنري جاكسون قد يكونون في الطاقم السياسي الجديد للإدارة الأميركية».
وبعد تصريحات ريغان حول ما سمي «بالخيار الأردني» مع التمسك بروح اتفاقيات كامب ديفيد ورفض اعترافه بمنظمة التحرير الفلسطينية والتفاوض معها، إضافة إلى الاعتراف بالقدس مدينة موحدة، تكون وجهات نظر إسرائيل بيرز وأميركا ريغان متقاربة جدًّا.
وإذا كانت السياسة الأميركية الجديدة تحسب ألف حساب لما أسماه بيرز «بالتطرف الإسلامي» والاتحاد السوفييتي فإن إسرائيل بيرز مستعدة لتقديم خدماتها في هذا الباب وما أكثرها!
على أن التطرف الذي يقوده حزب العمل بزعامة بيرز قد يتطور إذا قام كل من دايان ووايزمان وشارون بتشكيل حزب جديد والحصول على مقاعد في الكنيست تمكنهم من الائتلاف مع حزب العمل.
ومعنى هذا أن السياسة الإسرائيلية لن تتغير إذا جاء حزب العمل للحكم وهذا ما هو مرجح، وإنما الذي تغير هو النفوس والعقول المهزومة عند بعض القادة والسياسيين العرب، ممن أمَّلوا في الحلول الدولية وجعلوها هي الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.. فمتى يفيق هؤلاء من غفلتهم؟ ومتى تفيق الأمة من الغفلة عنهم؟