العنوان حزب البعث.. رأس الحربة لتحطيم القيم السياسية والأخلاقية
الكاتب مصطفى محمد طحان
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2011
مشاهدات 58
نشر في العدد 1953
نشر في الصفحة 28
السبت 21-مايو-2011
● انقلاب حسني الزعيم دبرته المخابرات المركزية الأمريكية وأيده حزب البعث بمؤتمراته ومظاهراته الكبرى !
● هل يحافظ بشار الأسد. على حكمه الموروث ؟
● بعد نجاح انقلاب حسني الزعيم زج بقادة البعث إلى السجن وتوسل إليه ميشيل عفلق في رسالة كشفت تنكر قادة البعث لكل شيء !
ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن قياس جدية الرئيس السوري فيما يعد به من إصلاحات يكون من خلال تحركه لمواجهة النفوذ الاقتصادي والسياسي لعائلته في السلطة، وقالت الصحيفة إن السؤال الآن هو: هل سيبقى «آل أسد » موحدين وراء «بشار»، أم أنهم سيغرقون في صراع دموي داخلي؟ والمعرفة مدى إمكانية محاسبة المتورطين في أعمال القتل، يمكن تطبيق أحداث درعا ، على سبيل المثال لا الحصر، فقد أمر الرئيس السوري بتشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث التي وقعت بها ، دون تقديم معلومات حول صلاحيات تلك اللجنة، وقدرتها على الخروج بنتائج مستقلة يمكن أن تؤدي إلى محاسبة المتهمين وعلى رأسهم
1 - العميد الركن «ماهر أسد»: قائد الحرس الخاص بالقصر الجمهوري وقائد الفرقة الرابعة، حيث وقع الاعتداء على أهل «درعا» في ظل تطويق ألوية الفرقة الرابعة للمنطقة، وثبت تورط أفرادها في إطلاق النار على المتظاهرين.
۲- اللواء عبد الفتاح قدسية أحد أبرز المقربين من بشار أسد و «آل مخلوف»، رئيس شعبة المخابرات العسكرية منذ عام ٢٠٠٩م، وتفيد شهادات العيان أن مقار فروع الأمن العسكري كانت مصدر إطلاق النار على المتظاهرين.
٣- العميد عاطف نجيب ابن خالة بشار أسد»، مدير فرع الأمن السياسي في درعا، وكان إقدام عاطف على اعتقال بعض النساء والأطفال من أبناء درعا وتعذيبهم هو السبب الرئيس في اتساع حركة الاحتجاجات ويتهمه أهل المدينة وضواحيها بإطلاق الرصاص الحي على أبنائهم؛ مما أدى إلى مقتل نحو مائة وخمسين وإصابة المئات من أبناء مدينة درعا وعموم محافظة حوران فهل يجرؤ «بشار» على محاكمة شقيقه وابن خالته ورفيق دربه وغيرهم من ضباط الحرس الجمهوري والفرقة المدرعة الرابعة. هذه هي الحلقة الثالثة من البحث الذي كتبته حول الأحداث المأساوية التي تمر بها سورية في الوقت الحاضر.
● بثور في وجه البعث
استخدم حزب البعث في تاريخه السياسي الطويل كرأس حربة لتحطيم جميع القيم السياسية والأخلاقية التي تعارف عليها الناس ولم يعد أعداء حزب البعث هم الذين يتهمونه مثل هذا الاتهام، بل نفر من قادته وزعمائه هم الذين تولوا فضح أدواره المشينة.. كان الاستعمار يزعم أنه إذا حكم بلدا مائة عام، استطاع بعد استقلال ذلك البلد أن يحكمه مائة عام أخرى بالواسطة. وها هي سورية تتهيأ للاستقلال بفضل النضال الشعبي الذي يقوده المجاهدون في مختلف المدن، بينما تلعب فرنسا لعبتها السياسية مع الكتلة الوطنية تارة، حتى إذا أرادت أن تضربها أوحت للبعض أن ينشئ عصبة العمل القومي... فالفرنسيون أقلقهم نضال الكتلة الوطنية التي تخندق الشعب بأكثريته الساحقة حولها، ودعمها إلى أبعد الحدود وبلا تحفظ، فكان أن ارتاح الفرنسيون لقيام فئة تعمل في نتيجة الأمر على شق الصف وتمزيق الوحدة الوطنية، فكانت عصبة العمل القومي . في هذه الأثناء، كتب «صلاح البيطار» في جريدة البعث مقالاً بعنوان «وطدوا الاستقلال بالحرية» جاء فيه: «لقد قامت حركة البعث العربي على أساس احترام الحرية لدرجة التقديس؛ لأنها اعتبرت ضمان الحريات شرطا لبعث الأمة وأساساً لإنشاء الوطن العربي. فلننظر : كيف حافظ البعث على الحرية البرلمانية؟ وكيف قدسها في سورية بعد الاستقلال؟
كان الحكم في سورية بيد الكتلة الوطنية التي فازت بالانتخابات البرلمانية بأكثرية ساحقة وكان أمام الحكم منذ استقلال البلد عام ١٩٤٦م قضيتان: قضية «فلسطين»، وقضية «التابلاين».
أما في فلسطين، فقد كان الجيش السوري على ضعف بنيته وحداثة تكوينه من أفضل الجيوش العربية في مواجهة القوات اليهودية.
وأما اتفاقية «التابلاين»، التي عقدتها حكومة خالد العظم في فبراير ١٩٤٩م حول مرور أنابيب النفط الآتية من السعودية إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية، فقد امتنع البرلمان عن توقيعها لما فيها من ربط البلد بالقوى الخارجية.
ولقد كشف مايلز كوبلاند ، عميل المخابرات المركزية، في كتابه لعبة الأمم أن أمريكا أرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد.. تضرب الجيش السوري عن طريق الانقلاب فتشله للأبد، وتوقع اتفاقية التابلاين بدون برلمان فكان انقلاب حسني الزعيم، وقد وصف المؤرخ بيتر تومياني المحاولة به أول محاولة دبلوماسية أمريكية مستوردة في الشرق الأوسط...
● فمن الذي مهد للانقلاب؟
البعثيون حماة الحرية ومقدسوها هم الذين هيؤوا للانقلاب، ولتسمع إلى شهادة عضو اللجنة التنفيذية لحزب البعث قبل الانقلاب الذي قام به حسني الزعيم نشط حزب البعث نشاطا منقطع النظير، وقد اتخذ له إستراتيجية؛ إذ أصبح العمل على وتيرة واحدة في كل نواحي المدن التي للحزب فيها فرع. في كل يوم محاضرة تتبعها في اليوم التالي مظاهرة، واتضح أن يدا خارجية هي التي مهدت لمثل هذا الجو، وما لبث المناخ أن أصبح مهياً لعملية انقلاب عسكرية.
ولنسمع إلى شهادة عضو قيادي بعثي آخر يعطي مزيدا من التفصيلات منذ بدء عام ١٩٤٩م. أخذ الحزب يمهد لانقلاب عسكري، لم يكن بعيداً عما يحاك. وفي ۲۹ مارس من هذا العام أطاح الجيش بنظام شكري القوتلي البرلماني وحل محله حسني الزعيم..
تأييد الانقلاب ورد البعث القائد الانقلاب تحيته بأحسن منها، ففي ٧ أبريل نظموا مظاهرة ضخمة تأييدا للانقلاب، تكلم فيها عفلق، فقال: إننا نستبشر بهذا الحادث ونعلق عليه الآمال ... وأعلن أن الجيش هو الأداة الأمنية التي نفذت رغبة قومية وإرادة عامة..
وسار المخطط كما ينبغي له أن يسير .. حل البرلمان علق الدستور، ووقع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، كما أمر بانسحاب الجيش السوري من بعض مناطق شمال فلسطين التي كان الجيش قد حررها عام ١٩٤٨م من الاحتلال اليهودي، وصدق على اتفاقية التابلاين مع الأمريكان، كما وقع اتفاقية مماثلة مع شركة نفط العراق بغرض من أنابيب نفط أخرى. كما تم توقيع اتفاقية نقدية مع فرنسا، ووقع بالأحرف الأولى اتفاقية مع تركيا الإرسال فنيين لتدريب الجيش السوري وإعادة تأهيله، وأعلن أنه الزعيم المنتظر التي ساقته العناية الإلهية لإنقاذ البلد .. ولم يستطع البعثيون أن يفوزوا بالكثير في ظل مثل هذا الحاكم المتسلط، فوقع الصدام... وزج حسني الزعيم بقيادة البعث في المعتقل لمدة ثلاثة أسابيع.. وقد تعرض عفلق في معتقله إلى المضايقات التالية:
1- صدمة لم يكن يتوقعها من الإهانة والازدراء وحلق الشعر والحبس المنفرد.
٢- حرمان من التدخين
٣- حرب أعصاب مستمرة، وإرهاق ومنع النوم بدخول عساكر إلى الزنزانات بقصد الإخلال بالراحة.
٤- إطلاق الإشاعات والتحذيرات.
الأمر الذي جعله يكتب له حسني الزعيم الرسالة التالية بعد مرور عشرة أيام فقط على اعتقاله: «في هذه الرسالة يعترف عفلق بأخطائه وأخطاء حزبه إزاء نظام البناء والعمل الإيجابي ويعلن إنني قائع كل القناعة بأن هذا العهد الذي ترعونه وتنشئونه يمثل أعظم الآمال وإمكانيات التقدم والمجد لبلادنا، فإذا شئتم فتكون في عداد الجنود البنائين، وإذا رغبتم أن نلزم الحياد والصمت فنحن مستعدون لذلك. سيدي دولة الزعيم، لقد اخترت أن انسحب نهائيا من كل عمل سياسي، بعد أن انتبهت بمناسبة سجني إلى أخطاء في أورثتني إياها سنين طويلة من النضال القومي ضد الاستعمار والعهد السابق، وأعتقد أن مهمتي قد انتهت وأن أسلوبي لم يعد يصلح لعهد جديد، وأن بلادي لن تجد من عملي السياسي أي نفع بعد اليوم.
سيدي دولة الزعيم، أنتم اليوم بمكان الأب الأبناء البلاد، واتركوا لنا المجال كي نصحح أخطاءنا ونقدم لكم البرهان على وفائنا وولائنا.
والرسالة في حد ذاتها لا قيمة لها؛ فهي وثيقة كتبت تحت الضغط، ولكنها تعطينا الدليل على صلابة زعماء البعث الرواد الذين تنكروا لكل شيء بعد اعتقال دام عشرة أيام فقط.
● الانقلاب الثاني
لم يدم حكم حسني الزعيم غير سنة أشهر، سقط بعدها هو والسيد محسن البرازي رئيس وزرائه برصاص انقلاب آخر ومحاكمة، وكما حصل في الانقلاب الأول، فقد كثف حزب البعث وأكرم الحوراني اتصالاتهم بالضباط الشبان، وكان الانقلاب الثاني بتاريخ ١٤ أغسطس ١٩٤٩م بقيادة اللواء سامي الحناوي... وقد وصفه الصحفي اللبناني أدوار صعب على النحو التالي: الرجل.. ليس عنده بالفعل ما ينم عن شخصية بارزة ولا عن مزايا إنسان قوي ومصمم، فهو بدين ومترهل وأمي تقريبا، وهو أعجز من أن يصمد في مناقشة، وتراه باستمرار يغير من أفكاره وقناعته، إذا ما وجد نفسه أمام متحدث مقنع ومتحمس، وكان يقال في دمشق: إن «الحناوي ولد ليكون عميلا». وشكل الحناوي وزارة برئاسة «هاشم الأتاسي»، دخلها ميشيل عفلق وزيرا للتربية وأكرم الحوراني وزيرا للزراعة .. الأول ليرسل فيها جميع البعثيين في بعثات إلى الخارج والثاني ليصفي حساباته مع زعامات حماة التقليديين .
المصادر
١- شباب سورية، 2011/4/19م.
٢- البعث جلال السيد.
٣- «جريدة البعث»، 1946/2/9م.
٤- حزب البعث، سامي الجندي.
٥- النفط والعرب، «بيتر تومباتي» نقلاً عن كتاب «البعث»، د. قاسم سلام.
٦- نضال البعث الجزء الأول.
٧-حزب البعث، مصطفى دندشلي.
٨- الانقلاب في سورية، أدوار صعب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل