; حزب الأمة والتجمع السوداني المعارض انسحاب مؤقت أم انسلاخ كلي؟ | مجلة المجتمع

العنوان حزب الأمة والتجمع السوداني المعارض انسحاب مؤقت أم انسلاخ كلي؟

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-2000

مشاهدات 82

نشر في العدد 1394

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 04-أبريل-2000

فاجأ «حزب الأمة» الشعب السوداني بإعلان تجميد عضويته في التجمع المعارض بالخارج، وذلك بعد عقد من الزمان هو عمر ثورة الإنقاذ، وبعد أربع سنوات من خروج السيد الصادق المهدي من السودان في عملية (تهتدون)، وبعد أن مرت مواقف الحزب من الجهاد المدني -كما كان يسميه المهدي- إلى تكوين جيش الأمة بقيادة ابنه البكر الملازم أول (م) عبد الرحمن ليقاتل نظام الإنقاذ جنبًا إلى جنب وتحت قيادة الجناح العسكري لتجمع جون جارانج.

هذا التجميد للعضوية أحدث دويًا هائلًا في الساحة السودانية، استبشر به الوطنيون الحاديون على مصلحة الوطن ومستقبل المصالحة الوطنية ومسيرة الوفاق، وابتأست له قبائل اليسار وهم الشيوعيون والبعثيون والناصريون، وكلهم بلا وزن جماهيري ولا عسكري يذكر غير الطنين الإعلامي كعادتهم، ولكنهم في تحالف عضوي إستراتيجي مع حركة التمرد بقيادة جون جارانج الذي قلل من شأن حزب الأمة ووصف خروجه بأنه ورم سرطاني تم إزالته.

السؤال: هل التجميد انسحاب مؤقت لحين عقد المؤتمر العام للتجمع في يونيو المقبل، أم هو انسلاخ كلي وفراق أبدي؟

الذين يقولون بأنه انسلاخ كلي وطلاق بائن يعتمدون على التكوين النفسي والفكري لكلا الفريقين، فهناك تباين فكري ومنهجي، فضلًا عن المواقف التاريخية بين حزب الأمة والأحزاب المكونة للتجمع المعارض، ليست فقط أحزاب اليسار المعادية للدين الإسلامي وحركة التمرد التي حاربت المهدي طوال فترة حكمه، ولكن حتى مع رئيس التجمع السيد محمد عثمان الميرغني، وليس غريبًا أن ينسحب وينسلخ حزب الأمة من التجمع المعارض، فإن الزواج بين الطرفين كان زواج المكره، ولم يكن زواج متعة، فكان لا بد من فراق وطلاق بعد وفاق ظاهري ومثل هذا الوفاق لا يدوم بطبيعة الحال.

ولكن ماذا يعني ترك حزب الأمة للتجمع، وما الآثار المترتبة على الأطراف كلها؟ 

  1.  يتوقع المراقبون بالطبع شللًا نصفيًا على الأقل للتجمع، وكساحًا يقعده عن العمل الحيوي خارجيًا، فحزب الأمة في التجمع كان يمثل ثقلًا شماليًا كبيرًا بكل المقاييس، فهو صاحب الوزن العسكري الأكثر أثرًا شماليًا، وصاحب الثقل الجماهيري إطلاقًا بين فصائل التجمع. 

  2.  ويتوقع للتجمع الانهيار التام إذا تشجع السيد محمد عثمان الميرغني في تقصي أثر الصادق المهدي بالانسحاب من التجمع، ولا سيما أن الشطر الأكبر من الحزب الاتحادي بزعامة الشريف الهندي وقطاعات اتحادية مقدرة منسحبة أصلًا من التجمع، وقطاعات أخرى غير راضية عن مواقف الميرغني، وينادونه إئتنا حالًا تاركًا التجمع للقوى المعادية للإسلام والعرب.

  3.  إذا انسلخ حزب الاتحاديين كما انسلخ حزب الأمة، فإن حركة التمرد ستتحول إلى مجرد عصابات مسلحة، وجماعات إرهابية تروع الآمنين في الشمال والجنوب، خاصة بعد التصريحات التي أطلقها جارانج عقب الهجوم على همشكوريب مدينة القرآن بشرق السودان، وقتل القراء والحفاظ في تلك المدينة القابعة على حدود السودان مع أريتريا.

لقد هدد جون جارانج أن كوادره في الخرطوم ستمارس نشاطها بطريقة كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، أو بأسلوب الجيش الجمهوري الأيرلندي الجناح العسكري لحركة (شين فين). 

من نافلة القول أن نقول إن المقارنة بين حركة حماس وحركة التمرد التي يقودها جون جارانج مع حلفائه اليساريين غير واردة أصلًا لا من قريب ولا من بعيد، فكتائب القسام تقاوم اليهود الذين جاؤوا من بلاد بعيدة، واغتصبوا أرض الفلسطينيين وديارهم وأموالهم، أما السودان فهو بلد السودانيين يتعايش فيه الجميع في أمن وتمازج قبلي وتداخل سكاني منذ قرون طويلة، والدليل أن الجنوبيين يعيشون مع الشماليين من حلفا في أقصى الشمال إلى بورسودان في أقصى الشرق، وهذا التمرد لا يمثل كل الجنوبيين ولا حتى غالبيتهم الآمنة، علمًا بأن كثيرًا من الجنوبيين يقاتلون جون جاراني، ويؤمنون بأنه مجرد عميل للقوى الأجنبية من اليهود والصليبية العالمية.

أسبابه والتجميد:

ولا بد أن نسأل عن الأسباب التي أدت إلى تجميد حزب الأمة لعضويته في تجمع المعارض:

في اعتقاد الكثيرين أن الأسباب حقيقة، وأنها تمثل انسلاخًا لا رجعة فيه، فمن هذه الأسباب:

  1.  قناعة حزب الأمة أن المهيمن الأول للتجمع هو جون جارانج، وقناعته أن رئاسة السيد الميرغني للتجمع ما هي إلا رئاسة شرفية ليس إلا.

     لقد حاول السيد الصادق مرارًا وتكرارًا ومنذ خروجه من السودان أن يعيد هيكلة التجمع، وإصلاح العطب الواضح فيه؛ حيث لاحظ أن حركة التمرد تفرض أجندتها على التجمع، وتتحكم في أجهزته بواسطة حلفائها من الشيوعيين مستغلين عجز الميرغني الواضح فكريًا وحركيًا وسياسيًا، وهو عجز مكن لجارانج أن يتقدم بالمبادرة دائمًا مما أثار حفيظة المهدي وحزبه.

  1.  عجز التجمع عن الاستجابة للمستجدات المتتالية على الساحة السودانية والإقليمية والعالمية، فحركة التمرد تريد التحرك في إطار الإيقاد التي تتكون من دول إفريقية صرفة تتعاطف معها، في حين أن في الساحة مبادرة أخرى هي المبادرة الليبية المصرية التي تجد الدعم القوي الكامل من حزب الأمة والسيد الصادق شخصيًا؛ لأنها مبادرة أشمل من مبادرة الإيقاد.

  2. كانت حركة التمرد والشيوعيون ضد أي اتجاهات إصلاحية في هيكل التجمع؛ إذ إنهم دائمًا يفضلون السيد الميرغني غير المبادر على السيد الصادق المهدي المعروف بالمبادرات والأطروحات السياسية والفكرية منذ ولوجه الحياة السياسية في أوائل الستينيات.

  3.  التباين الواضح في الأهداف الإستراتيجية والتكتيكية، فحركة التمرد واليسار هدفها إسقاط النظام للقضاء المبرم على الاتجاه الإسلامي والعربي، وقيام نظام علماني لا ديني يرأسه نصراني غير عربي، كما يبشر به دائمًا منصور خالد المستشار السياسي الجارانج، هذا يعني فرض دكتاتورية الأقلية النصرانية التي لا تتعدى الخمسة بالمائة في كل السودان على الأغلبية المسلمة، كما هو الحال في غالب دول إفريقيا حيث الأقليات النصرانية تتحكم في الأغلبيات المسلمة.

  4.  حركة التمرد ومن والاها واتبع نهجها لا يريدون ديمقراطية وتعددية تحتكم إلى صناديق الانتخابات لتداول السلطة سلميًا؛ إذ لا أمل لهم في الفوز، لذلك فهم عكس حزب الأمة الذي يميل إلى الحل السلمي والوفاق مع الحكومة القائمة؛ مما جعل السيد الصادق المهدي يبادر بالاجتماع مع د. حسن الترابي الأمين العام للمؤتمر الوطني في جنيف في الصيف الماضي، ويلتقي البشير في جيبوتي، ويوقع نداء الوطن، مما أنشأ هاجسًا وقلقًا لدى التجمع، وتسبب في توسيع شقة الخلافات.

مستقبل العلاقة بين الحكومة وحزب الأمة بعد الانسلاخ:

      المتوقع هو أن يكون هناك تحالف وربما مشاركة في الحكم يسبقه تنسيق ومباحثات ولقاءات على ضوء لقاء جنيف ونداء الوطن الموقع بين الحكومة وحزب الأمة، وسيصحب هذا العمل تعديل للدستور، وقانون تنظيم الأحزاب ومدى الحريات المتاحة للعمل السياسي.

هذا التوقع يؤيده وجود مساحات واسعة ووجهات نظر متوافقة بين الحكومة وحزب الأمة في كثير من الأمور المهمة، مثل: السلام، والوفاق، والحل السلمي المشكلات السودان، ووحدة السودان، ولكن هناك من يعيد إلى الأذهان فشل تحالف الإسلاميين مع حزب الأمة في الماضي وخاصة حكومة الوفاق، بين حزب الأمة والجبهة الإسلامية التي أطيح بها إثر مذكرة الجيش الشهيرة التي بموجبها أخرجت الجبهة من الحكومة، فهل يعيد الفشل نفسه أم يتحقق النجاح هذه المرة؟

«الساعة» التي فجرت الجرح:

أسعدني أن أرى «الشيشان» و«الروس والداغستانيين»، وغيرهم من مسلمي دول الاتحاد السوفييتي، البائد، ودول «البلقان» وقد جاءوا رجالًا ونساء وشبابًا لأداء «مناسك الحج».

رأيت بعضهم وأنا في طريقي إلى رمي الجمرات بــ«منى» يتاجرون في المناظير وأجهزة التصوير والخناجر والسيوف والأصواف والأدواتب الطبية، والعصي والساعات وغير ذلك) ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (سورة الحج: 28).

ولولا خوفي على نفسي وأبنائي من تهمة الإرهاب، لاقتنيت سيفًا، له لمعان العزة، وحدة الإباء، وصليل الإيمان، ذلك الذي رأيته في وجوه الكثير منهم، وبالأخص النساء، إذ لم يفلح القهر الشيوعي، والحقد الصليبي -على مدى سبعين عامًا من حكم الحديد والنار- في أن ينسي هؤلاء أنهم مسلمون لحمًا ودمًا، دينًا وعقيدة، برغم ما عانوه من كبت وإذلال، وفقر وحرمان ولا يزالون في ظل التخطيط اليهودي الماكر، والحقد الأوروبي الأعمى، والهجوم الصليبي الشرس، والدعم الأمريكي الخبيث لطمس معالم الوعي الإسلامي الصامد، وإزهاق ما تفجر من روحه الجهادية والوثابة على أرض الشيشان، والبوسنة وكوسوفا، وفلسطين، وكشمير وجنوبي لبنان والفلبين.

ورغم أن حاجز اللغة كان حائلًا -بيننا- دون الحوار والتفاهم، إلا أن الدماء المسلمة كانت تتجاذبها العواطف المؤمنة، لمجرد علمي أنهم مسلمون مما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي سابقًا ودول الاتحاد اليوغسلافي، فإذا بقلبي يبكي، وأنا أنظر إليهم وهم يتاجرون بشموخ وكبرياء، واعتزاز وأنفة، وكأنهم جزء مني وأنا جزء منهم.

 رأيت شابًا عربيًا في «منى» يرفع صوته على أحدهم بشكل قاس ومهين، متهددًا ومتوعدًا إياه بإحضار الشرطة بسبب ساعة يد اشتراها منه ثم أعادها إليه في اليوم التالي؛ لأن الماء تسرب إليها حال الوضوء ويريد استبدالها -عنوة- أو استرداد ثمنها، وإما الشرطة، وكأنه ارتكب جناية أو وقع في جريمة.

وكان لا بد من لجم اندفاع ذلك الشاب، وتذكيره بقضية هؤلاء، وبالحسنى دخلت معه في حوار لين وهادئ، وعرضت عليه أن يقبل ثمن «ساعته» من معي على ألا يتصرف بهذا الشكل لأمر تافه لا يستحق، وانضم جمهور الواقفين إلى جانبي وانبرى كل واحد منهم بكلام عبر فيه عن استيائه مما رأى وسمع.

وكان في الشاب العربي نزوعًا إلى الخير، فتأثر بكل ما سمع، ولم يكابر، وبدا أمامنا على استحياء وخجل من موقفه، وسرعان ما التفت إلى البائع المحزون معتذرًا إليه مصافحًا إياه، ثم انصرف الشاب بساعته المبللة، اهتز قلبي، واقشعر بدني، وذرفت عيناي الدموع، لتلك النهاية الجميلة التي سطرها هذا الشاب العربي المسلم بتواضعه الجميل للحق؛ فطيب خاطر البائع، وأسعد قلوبنا بإنصافه.

تمنيت أن يتعامل حجاج العرب مع أولئك القادمين من دول الاتحاد السوفييتي ودول البلقان بشكل لائق وحساس، فهم أحق بالرعاية والتقدير، وأجدر بالإحسان والرفق، في ظل ما حاق بهم على يد الآلة العسكرية الروسية واليوغسلافية من خراب وتدمير وتشريد، وفقر وحرمان وتجويع، وسحق وحريق وظلام.  

عبد السميع محمد راضي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 100

119

الثلاثاء 16-مايو-1972

مواقف خالدة.. فارس حطين

نشر في العدد 393

100

الثلاثاء 04-أبريل-1978

وثائق