; حرية.. ولكن بدون أحرار! | مجلة المجتمع

العنوان حرية.. ولكن بدون أحرار!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000

مشاهدات 93

نشر في العدد 1400

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 16-مايو-2000

مهما تكن من قوانين للحريات، ودساتير لحقوق الإنسان، ونصوص وأقوال لحفظ الكرامات الإنسانية، فلن تكون هنا أو هناك حريات أو حقوق أو كرامات للإنسان بدون شعب يحرس هذه القوانين، وأمة لها أظفار وأنياب تنهش من يتطاول عليها أو يحاول المساس بها، فالحريات لا تنال بالمسكنة أو بالاستجداء.

وصدق شوقي:

والحرية الحمراء باب                                   بكل يد مضرجة يدق.

وللأوطان في دم كل حر                            يد سلفت ودين مستحق.

ومن يسقى ويشرب بالمنايا                      إذا الأحرار لم يسقوا ويسقوا.

ولا يبني الممالك كالضحايا                       ولا يدني الحقوق ولا يحق.

 بلاد مات فتيتها لتحيا                                وزالوا دون قومهم ليبقوا.

وحررت الشعوب على قناها                     فكيف على قناها تسترق؟

فبقدر ما تكون الشعوب حية وواعية وفاعلة بقدر ما تنال من حرية وحقوق وكرامة، ولقد وقفت كثيرًا عند حديث عمر بن الخطاب مع صحبه؛ إذ وقف فيهم خطيبًا، فقال: ماذا تفعلون إن ملت برأسي هكذا، وأمال رأسه، كناية عن ميله عن الحق، فقال القوم بدون تردد أو رؤية: نقومها بسيوفنا هكذا، كناية عن دفاعهم عن الحق ومقاومة الاعتداء عليه بالسيوف وليس بالكلمة ولا بالاستجداء، وإن كان عمر بن الخطاب.

فقلت: كم كان الشعب حيًّا، وكم كانت الأمة قادرة ويقظة، وكما كان عمر ابن الخطاب عظيمًا؛ إذ قال: الحمد لله الذي جعل في الأمة من يقوم عمر بحد السيف إذا اعوج، فرح عمر بأمة قوية ورجال عظام، يفدون كرامتهم وحقوقهم بدمائهم، ويجاهدون في سبيلها بسيوفهم ورماحهم، والأمة الأبية العظيمة، والعقول الحرة الكريمة هي التي تحفظ الحقوق، وتقود مسيرة النصر وركب المعالي والحاكم الذي يعتز بتقويم أمته له وتسديدها لخطاه يعرف أنه منصور، وأنه قد تجاوز الخطر، وتخطى الخطأ، أما الذين لا يسمعون من شعوبهم إلا أمين ويتبعونها بالثناء والمديح، ويشبعونها بزخم النفاق والتعلق، فهؤلاء هم الذين يقتلون أنفسهم، وينسفون شعوبهم ويقضون على صوابهم وحكمتهم.

 إن أمتنا بنيت أساسًا على رفع الإصر والأغلال، وشيدت على الحريات، ودربت علي مسألة سلطاتها وقادتها في النقير والقطمير، تجد هذا في كثير من تراثها الغالي النفيس، فحينما وقف عمر - رضي الله عنه - على المنبر ليقول: «أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، فقالوا: لا سمع ولا طاعة يا عمر، فقال: عمر؟ ولم؟ قالوا: لأنك تلبس ثوبًا طويلًا ونحن نلبس ثيابًا قصارًا»، ومعنى هذا أنك قد ميزت نفسك علينا، فقال عمر - رضي الله عنه -: أفي الناس عبد الله بن عمر، قالوا: نعم، فقال لابنه أجب القوم، فقال عبد الله بن عمرك لقد أعطيت أبي ثوبي ليكمل به ثوبه هذه النوبة، وكان عمر رجلًا طويلًا، وسيعطيني ثوبه في نوبة أخرى عندما تأتي الثياب، وهنا اتضح الأمر، فقال الناس: الآن نسمع ونطيع يا عمر»، حرية ما تزال الدنيا تتقاصر عن بلوغها، وتتقاعس عن اللحاق بها، في زمن يدعي الناس فيه أنهم بلغوا شأوا بعيدًا في الديمقراطيات والدساتير العصرية، شعب يحاسب الخليفة على كل شيء حتى على ثوبه الذي يلبسه، وطعامه الذي يأكله؛ لأنه كان يعتبر الحاكم أجيرًا عند الأمة؛ ليرعى شؤونها ويقوم على خدمتها، لا لينهب أموالها، ويسرق مقدراتها، ويبدد ثرواتها، واستمر هذا الشعب أبيًّا وحرًّا عصورا متطاولة.

 يحكي التاريخ أن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما -  أراد أن يمتحن يقظة الناس وجرأتهم في الحق، فقال في خطبة: «أيها الناس، إنما المال مالنا، والفيء فيؤنا، من شئنا أعطيناه، ومن شئنا منعناه»، فتعجب الناس من هذا القول، وقام إليه أعرابي، فقال: كلا! إنما المال مالنا، والفيء فيؤنا، فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا، فنزل معاوية - رضي الله عنه -، فأرسل إلى الرجل، فأدخله عليه، وأجلسه على سريره، وقال معاوية للناس: إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون بعدي أمراء يقولون ولا يرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة، وإني خشيت أن أكون منهم، فلما قام هذا الرجل فرد علي أحياني أحياه الله».

تاريخ أمة مليء بالرجولة والحرية، وتراث حضارة مفعم بالفاعلية واليقظة، أنار السبيل للضالين، وأرشد الحياري والتائهين، وعلم الأميين والجاهلين، وأقام العدالة وأنصف المظلومين، هذا التراث الضخم في الحريات، وهذه الأسفار العظيمة في الحقوق، والتحرر من العبوديات، تزخر بها الصحائف والمكتبات، وتتردد في المساجد والمعاهد والمنتديات اليوم وتلوكها الأفواه، وتمضغها الألسن في الأمة صباح مساء، ولكن بدون أحرار، ولا مواقف ولا كرامات لأحد.

لأن هذا التاريخ قد مات أصحابه، وهذه التعاليم أصبحت لا تخاطب إلا جثثًا هامدة لا حراك بها، ولا روح فيها، وهذا التراث الكبير الضخم لم يصادف الرجال الذين كانوا يدفعون أنفسهم ويبذلون أرواحهم ثمنًا للدفاع عنه

ما يستطيع إنسان أن يتصور اليوم أن أمتنا هذه يعيش في رحابها هذا التراث ولا تتحرك، وتساكنها هذه التعاليم ولا تتحرر، أو يكون لها شخصية فاعلة، إن الحالة التي تمر بها الأمة هذه الأيام تصيب أي إنسان بالدوار، وتحير أي مخلص، وتذهل أي مفكر، وأمتنا اليوم غاية ما تبلغه من تراثها هذا، أن تعيش به في أحلام اليقظة، أو ترويه لتفخر به وهو يلعنها ويتبرأ منها؛ لأنها خنعت فاستذلت، وآثرت السلامة فاسترقت وصدق القائل:

 إذا رمت السلامة من طريق                            أنت من دونه للموت طرق.

فهل سيأتي اليوم الذي يتعانق فيه هذا التراث مع هذه الأمة، ويتفاعل هذا التاريخ مع هذا الموات، ويتحرك هذا الجسد الهامد؟، وهل هذه التعاليم ستستطيع نفخ الروح في هذه الجثث؟.

نعم.. إن شاء الله، وإن غدًا لناظره قريب، وسيفرح المؤمنون قريبًا بنصر الله نسأل الله..آمين .

الرابط المختصر :