; رسالة من أمريكا - قراءة متأنية :حرية التفكير | مجلة المجتمع

العنوان رسالة من أمريكا - قراءة متأنية :حرية التفكير

الكاتب أمين رمضان

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-2000

مشاهدات 104

نشر في العدد 1407

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 04-يوليو-2000

كنت أعتقد أنني فرغت من رسالة صديقي بعد أن كتبتها وأرسلتها، لكن بعد نشرها في المجتمع العدد «١٣٩٥» وجدتني أعود لقراءتها، فقد ظلت تشدني إليها، أقرؤها مرة وأتأمل واقعنا الذي نعيشه مرة، وهكذا وجدت إلحاح الكتابة عنها مرة ثانية أقوى من الانتهاء منها.

لا شك أن هنري برن الأمريكي، مؤلف كتاب دراسات عالمية حضارات الماضي والحاضر عام ۱۹۹۸م، كان صادقًا مع نفسه حين اعترف بفضل الحضارة الإسلامية على العالم أجمع.

ومع أن هذه الحقيقة ليست جديدة إلا أن هذا الاعتراف دليل على جو الحرية الذي كتب فيه ما توصل إليه، وعلى الرغم من من أن الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون ألف كتابًا يدعو فيه الغرب إلى القضاء على الإسلام تحت عنوان انتهزوا الفرصة Seize the Moment أي انتهزوا فرصة سقوط الاتحاد السوفييتي واقضوا على الإسلام، إلا أن المجتمع الأمريكي حفظ حق الإنسان في التفكير وحقه في النشر أيضًا، هذا الحق كفلته الشريعة الإسلامية مع الحقوق الأخرى وهي المال والعرض والدين والنفس، والعقل، وأسمتها بالكليات الخمس، وما جاءت الشريعة إلا لحفظ تلك الكليات الخمس فهل حق الإنسان في التفكير والنشر مكفول في عالمنا الإسلامي لقد عبر الشاعر عن الإجابة أصدق تعبير حين قال:

صرخت لا من شدة الألم***لكن صدى صوتي

خاف من الموت***فارتد لي نعم

أرأيتم كيف أن الخوف امتد إلى صدى الصوت فأبى أن يقول لا، فالخوف يغتال المواهب، ويقبر الإبداع، ويمسخ الإنسان، ولذلك ألف عباس العقاد كتابًا أسماه «التفكير فريضة إسلامية»، بل إنه اعتبر الضرر الجسدي الذي يصيب الإنسان أهون من الضرر الأدبي الذي يسببه الخوف ويؤدي إلى شلل التفكير.

ويقول الشيخ محمد الغزالي: «أنا لا أخشى على الإنسان الذي يفكر وإن ضل، لأنه سيعود إلى الحق، ولكني أخشى على الإنسان الذي لا يفكر وإن اهتدى لأنه سيكون كالقشة في مهب الريح ولذلك حين عين الشيخ محمد الغزالي في وزارة الأوقاف المصرية، فرض على خطباء المساجد قراءة كتاب العقاد «التفكير فريضة إسلامية».

ويعجب الإنسان حين يقرأ في القرآن قول الحق تبارك وتعالى مخاطبًا الكفار ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (الأنبياء: 24)، ألم يعط الخالق العظيم الفرصة لمن يجحدون به، وهو القادر على قهرهم على الإيمان، ليفكروا ويأتوا ببرهانهم؟

كذلك حين نزلت هذه الآية على الرسول ﷺ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 164)، قال: ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، والإمام ابن تيمية يطلب من المرء المسلم حين يصل إلى سن التكليف أن يفكر في إيمانه وإلا فإنه لا يكون من كسب يده بل إنه مما استوقفني أن تسمى كتب أصول الفقه سن التكليف بسن رفع الوصاية، أي رفع وصاية البشر على بعضهم البعض، وإلا كان الرسل أولى بها، فهم موصولون بالله ومعصومون من الخطأ، لكن الله سبحانه وتعالى يخاطب النبي ﷺ فيقول له: ﴿فَإِن حَاجُّوكَ فَقُل أسلمت وَجهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّـنَ ءَأَسلَمتُم فَإِن أَسلَمُواْ فَقَدِ ٱهتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّواْ فَإِنَّمَا عَلَيكَ ٱلبَلَٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرُ بِٱلعِبَادِ ﴾ (آل عمران: 20)، نعم البلاغ فقط البلاغ المبين، ليس أكثر.

إن إبراهيم عليه السلام حين خلا بنفسه وأطلق العنان لتفكيره، وأخذ يتأمل صفحة الكون اهتدى إلى الله ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 75:79).

بقيت نقطة مهمة، وهي أن العقل كما يقولون مطية أو وسيلة توصلك إلى السلطان ولكن لا تدخل معك عليه، أما بعد الإيمان فهنالك التكاليف.

وهكذا يحيا الإنسان بين الفكر والذكر حينما يكون إنسانًا حقًا !!

(*) جامعة الملك فهد للبترول والمعادن - الظهران

الرابط المختصر :