العنوان حرية الأمة مرهونة بكفايتها من الغذاء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
مشاهدات 79
نشر في العدد 784
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
- تناقض صارخ بين إمكانيات
الدول العربية وضعف إنتاجها الزراعي.
- أميركا تخنق العالم الثالث
من خلال الرغيف.
- علينا أن نتدارك أمرنا
ونوظف قدراتنا لتأمين غذائنا في المستقبل.
يحتار المواطن العربي عندما يسمع المختصين في شؤون الزراعة يقولون
أن البلاد العربية لا تنقصها الموارد المالية لاستثمارها في القطاع الزراعي بل إنها
تشكو أحيانًا من وجود فوائض مالية دون استثمار حقيقي وأن المنطقة العربية تتمتع بمناخ
وتضاريس وأنواع من التربة تناسب مختلف المواسم وشتى أنواع المحاصيل، ثم إن هناك تقاليد
وتراثًا فلاحيًّا في أكثر من دولة عربية كمصر والعراق وسوريا وبلدان شمال إفريقيا تونس والمغرب والجزائر وأن البلاد العربية تتوافر
لها أراض زراعية شاسعة توفي بحاجتها من الغذاء ويشير في هذه النقطة البعض إلى إمكانات
السودان في أن يصبح بمفرده سلة العالم العربي من الغذاء ومخزنه من كل أنواعه.
نعم يحتار المواطن العربي عندما يسمع مثل هذا الكلام وهو يعلم أنه
مازال يستورد نسبًا عالية من غذائه وقوت يومه من وراء البحار مع ما في ذلك من محاذير
اقتصادية وسياسية ومع ما يرتبط به من خطر الهيمنة على المصير ككل وقد جاء على لسان
وزير الزراعة الأردني المهندس أحمد دفقان في «ندوة التنسيق والتكامل الزراعي العربي
» وهو يتحدث عن نقص الغذاء في وطننا العربي: «لا نبالغ إذا ما أشرنا إلى أن حجم المخاطر
أكبر بكثير مما نقول أو نسمع عبر وسائل الإعلام فالمعاناة المتولدة عن أزمة الغذاء
لا تقتصر المأساة الناتجة عنها على القلق المشروع عن مستقبل أفضل ولكنها تسلب أجيالًا
متتابعة حقها في العيش». وقال الوزير كذلك: «إن بلداننا العربية ليست بعيدة عن هذا
الخطر المحيق بالبشرية» (خطر المجاعة).
وكان وزير الفلاحة التونسي الأسعد بن عصمان قد رسم صورة واضحة رغم
قتامتها لمخاطر الاعتماد على توريد الغذاء وذلك في خطاب ألقاه في افتتاح الدورة الخامسة
والعشرين للمكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين العرب. فقد أوضح الوزير التونسي
أن الإنتاج الزراعي العربي ظل ينمو بمعدلات ضعيفة لم تتجاوز 2% فيما زاد استهلاك المواد
الغذائية بنسبة 5% سنويًّا ونتج عن ذلك أن انخفضت نسبة الاكتفاء الذاتي على صعيد معظم
المنتوجات الزراعية ولاسيما منها الحبوب حيث تدنى مستوى الاكتفاء فيها من ٥٧% في السبعينيات
إلى ٣٦% في أوائل الثمانينيات وكذلك الشأن بالنسبة للزيوت التي انخفض الاكتفاء الذاتي
منها إلى مستوى 38% وقد ترتب على ذلك أن كلفة الواردات الغذائية إلى الدول العربية
ارتفعت من ۱٫۸ بليون دولار أميركي في مطلع السبعينيات
إلى ٢٢ بليون دولار سنة ۱۹۸۱ فيما بلغت عام ١٩٨٥ (٣٥) بليون دولار أما
الصادرات العربية من الأغذية فهي هزيلة ولم تتجاوز ما مقداره ۳٫۸ بليون دولار سنة ۱۹۸۲.
ومن الملفت للنظر أن منطقتنا العربية لا تضم سوى 4% فقط من سكان
العالم وهي تستهلك ما مقداره ١٥% من التجارة العالمية للغذاء و20% من تجارة القمح في العالم
وتكتمل الصورة إذا ما أضفنا إلى هذه الأرقام أنه لا يستغل من الموارد المائية العربية
سوى ٦٢% منها فقط ولا يستغل من اراضيها الزراعية التي تقدر بـ۲۰۰ ملیون هكتار سوى الربع.
ماذا تعني هذه الأرقام؟ إنها تعني ببساطة أن السياسات الزراعية العربية
لم تحقق ما كان مرجوًّا منها تحقيقه وهو سد فجوة التخلف الزراعي والتقليل من الاعتماد
على دول مثل أميركا وأستراليا ودول السوق الأوروبية المشتركة في مجال الغذاء وهي تعني
صرف المزيد من الموارد التي كان يمكن أن توظف وتستثمر في قطاعات أخرى.. لو أننا استطعنا
تلبية حاجاتنا الغذائية بجهدنا ومن أراضينا وليت الأمر يقف عند هذا الحد ولكنه يخرج
من نطاق التبادل التجاري ليدخل حلقة التبعية الاقتصادية والسياسية ويمس حريتنا وحتى
استقلالنا.
لقد صار الغذاء وفي مقدمته القمح سلاحًا رهيبًا تشهره أميركا بالذات
والدول الإمبريالية الأخرى في وجه من يحاول التملص من نفوذها، فبعد بذر بذور الحروب
والفتن من لبنان إلى أفغانستان إلى تشاد إلى جنوب إفريقيا ونيكاراغوا من أجل امتصاص
خيرات الشعوب مقابل الأسلحة المدمرة التي تقدمها الدول الاستعمارية للشعوب الفقيرة
الجائعة عمدت تلك الدول إلى سلاح جديد هو سلاح الغذاء ليخدم أهدافها مثله مثل أسلحة
الدمار الأخرى، وقد يظن البعض أن رفع هذا السلاح هو بسبب ندرة المواد الغذائية وعدم
كفايتها للجميع والحقيقة مخالفة لذلك تمامًا، ففي حين سمعنا كثيرًا في السنوات القليلة
الماضية عن المجاعة التي ضربت بلدان الساحل الإفريقي وبعض بلدان وسط إفريقيا كالسودان
وإثيوبيا مازالت المشكلة الأساسية أمام المزارعين الأميركيين هي التخلص من الفائض الكبير
من القمح، وجاء في تقرير المنظمة الأغذية والزراعة الدولية «الفاو» أن بلدان السوق
الأوروبية تعاني هي الأخرى من وفرة الإنتاج الغذائي، وقد كادت مشكلة التخلص من بحيرة
الحليب وجبال الجبن والزبدة تعصف بوحدة السوق في صيف عام ١٩٨٤، ومن أغرب ما ورد في
ذلك التقرير أيضًا أن حوالي ٤٠٪ من إنتاج الحبوب في العالم يخصص لإطعام الماشية وحوالي
٦٥% من الفواكه والخضروات المنتجة في أميركا الوسطى تلقى في القمامة. لكن أميركا وأوروبا
لا تهب بدون مقابل وبدون شروط مجحفة رغم ما يقال عن المعونات والصدقات.. إن أميركا
المتحكمة في تجارة القمح بالدرجة الأولى تفرض شروطها من خلال صندوق النقد الدولي الذي
كرر النداء في الآونة الأخيرة بوجوب إلغاء القيود والعوائق من أجل التوسع في التجارة
الدولية حتى يقضي على الحماية التي توفرها بعض الدول لمنتجاتها الزراعية كما يشترط
صندوق النقد الدولي على من يطلب منه قروضًا رفع الدعم عن المواد الغذائية الأساسية
وعدم تدخل الدولة ومؤسساتها بأي شكل من الأشكال سواء فيما يتعلق بالإنتاج أو التوزيع
أو التجارة ومغزى ذلك إفساح المجال للكبار في مجال الزراعة ليحكموا قبضتهم ويسيطروا
على مصير الفقراء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن الغذائي القومي كدعامة لتحرير القرار
السياسي.
ونحن نتساءل: لماذا تصر أميركا على رفع الدعم عن المواد الغذائية
الأساسية في حين تقدم هي الدعم بسخاء إلى مزارعيها حيث تشتري منهم القمح بسعر يزيد
على ثلاثة أضعاف سعره العالمي؟
إن أميركا تعرقل كل الخطوات الجادة للنهوض بالفلاحة في بلدان العالم
الثالث ولا أدل على ذلك إلا ما أفتى به خبراؤها سنة ۱۹۸۲ من أن زراعة القمح في السعودية
ليست ذات جدوى اقتصادية وإن إنتاج الطن الواحد يكلف ضعف ثمنه في السوق ولكن السعوديين
لم يأخذوا بنصائحهم واستطاعوا أن ينتجوا كميات كبيرة من القمح تقدر بـ1.7 مليون طن سنويًّا تفي بأكثر
من حاجتهم. إن الاعتماد على المستوردات من الأغذية حتى لو توافرت الأموال لذلك محفوف
بمحذورين: المحذور الأول فقدان البلد المستورد لثقله السياسي ودوره فضلًا عن إمكانية
تعرضه وقت الأزمات إلى حصار اقتصادي يقطع عليه ما تعوده من إمدادات غذائية أما المحذور
الثاني هو اضمحلال وزوال الفلاحة المحلية بفعل منافسية المنتجات الموردة بغزارة وكثرة
وبأثمان رخيصة وإذا لم تتمكن الدولة الموردة ذات يوم ولأي سبب من الأسباب من الحصول
على ما كانت تستورده فإنها عندئذ لن تجد البديل في الزراعة المحلية التي تكون قد تلاشت.
إن العالم الثالث بما فيه الدول العربية يعاني من مصاعب اقتصادية جمة مع تدهور إنتاجها الغذائي المحلي معرضة خلال السنوات التي تفصلنا عن عام ٢٠٠٠ إلى تهديدات وضغوطات قد لا يكون بمقدورها تحملها وبالتالي ليس أمامنا من سبيل سوى الشروع في تنفيذ مشاريع زراعية جادة وملائمة لظروفنا لكي تكفل لنا الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء وعلى المنظمات المختصة وبالخصوص مجلس الوحدة الاقتصادية العربية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والمنظمة العربية للتنمية الزراعية أن تبذل كل جهدها للتنسيق فيما بين الدول العربية للخلاص من مأزق التبعية الغذائية المهينة في آجال معقولة ومطمئنة، وقبل أن يتألب علينا الأعداء وفي مقدمتهم إسرائيل التي تطمح لسرقة مياهنا لتحقق التفوق الزراعي وتسيطر به علينا كسلاح ضمن الأسلحة التي في جعبتها فيصدق علينا ما جاء في بروتوكولات حكماء صهيون: «الجوع يؤدي إلى العبودية».