الثلاثاء 30-مارس-1976
الجزء الأول من منشورات جمعية علماء الاجتماع الإسلاميين
أصدرت جمعية علماء الاجتماع الإسلاميين في الولايات المتحدة وكندا كتابها السنوي باللغة الإنجليزية.. واختارت له عنوان «حركية المسلم». يقع الكتاب في ٧٠ صفحة من الحجم المتوسط والورق المصقول، وقامت بطباعته «شركة الطباعة العالمية» في واشنطن في شهر آب من عام ١٩٧٥.
وقبل التعريف بمحتوى الكتاب، فلا بد لنا من وقفة حول المعنى المقصود «بحركية المسلم» وعلاقة ذلك بعلم الاجتماع.. فقد كان علماء الاجتماع الإسلاميون في أمريكا منذ فترة يفكرون بتجديد ملامح حركة التغير الاجتماعي التي تحتاج إليها الأمة الإسلامية في حاضرها.. وكان تعبير «الحركية» هو التعبير الذي يمكن أن يتسع للمضمون الفكري للتغيير الاجتماعي الإسلامي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بتفاعل حركي مع المجتمع، مهما كانت مادة هذا المجتمع: مسلمين أو غير مسلمين. وأن هذه «الحركية» لا بد وأن تكون «إيجابية مؤثرة» وليست «سلبية انطوائية».. ومن هذا المنطلق فإن المسلم الحركي هو «إسلامي» ولن يكون المسلم «إسلاميًّا» ما لم يكن «حركيًّا».. وكان هدف المؤتمر السنوي لعام ١٩٧٥ للجمعية والذي قدم فيه ما يزيد على ٢٠ بحثًا في مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية من وجهة نظر إسلامية، هو تعميق هذا المفهوم الحركي.
يتضمن الكتاب ٦ أبحاث:
• العلوم الاجتماعية الإسلامية: معناها.. وتصوراتها: الدكتور جعفر شيخ إدريس.
• العالم الاجتماعي الإسلامي: مشكلاته وتطلعاته: الدكتور فريد أحمد.
• الانسجام: منطلق إسلامي: الدكتور حموده عبد العاطي.
• الأقليات في البوتقة: ومستقبل الأقلية المسلمة في أمريكا الشمالية للدكتور إلياس بايونس.
• تصورات الشخصية الإسلامية المتوازنة للأستاذ خورشید أحمد.
• الإسلام والتربية من أجل التطور: للأستاذ عزت جرادات.
يركز الدكتور جعفر شيخ إدريس في بحثه على دور العالم الاجتماعي المسلم في تثبيت التوحيد ليس كعقيدة فحسب بل كحقيقة علمية يسهل إثباتها.. إذ أن العلماء المسلمين اليوم يعانون من مشكلة ممارسة علوم ترتكز على تجاهل المعتقدات الإسلامية.. أو ينبغي عليهم أن يبرهنوا أن العلوم الاجتماعية الإسلامية ترتكز على أسس ثابتة وحقائق مثبتة عقليًّا ومنطقيًّا في حين أن العلوم الاجتماعية الغربية ترتكز على فرضيات لم يسبق لها أن نوقشت عقليًّا ومنطقيًّا.
وإذا ما أثبت العلماء المسلمون ذلك، فإنه باستطاعتهم حينئذ أن يفسروا التاريخ تفسيرًا مرتبطًا بمبادئ «سنة الله في الكون» وليس مجرد أحداث متتالية بلا أهداف ويؤدي هذا الفهم أو التفسير إلى تزويد العالم الاجتماعي الإسلامي بما يفتقر إليه من فهم للأفكار والمشكلات المعاصرة العالمية.
وينتهي الدكتور إدريس بتأكيد مفهوم حركي «للدين»، وأن كل دين لا يستطيع أن يعطي سوی ادعاءات غير مثبتة فلن يكون «دينًا حقًا»، وأن العلم الذي لا يستطيع أن يعطي سوى ادعاءات غير مثبتة في حقيقة الدين.. فلن يكون علمًا أيضًا.
أما الدكتور فريد أحمد فإنه يلخص مشكلات العالم الاجتماعي الإسلامي بافتقاره للتأقلم الديني والتصور الإسلامي السليم، كما أنه يعاني من الاتجاهات السائدة في العالم الإسلامي في الوقت الحاضر.. فإن معظم الأقطار الإسلامية، في سعيها وراء التطور التكنولوجي مهما كان الثمن، قد جعلت العلوم الاجتماعية عاجزة عن معالجتها لمشكلات المجتمع الخلقية والروحية، وما يسود المجتمعات المسلمة من تقبل صامت لانتشار الكحول، والجريمة، والترف، والمخدرات، والشذوذ الجنسي وغير ذلك.. ولا بد من قيام «مؤسسة إسلامية اجتماعية» في القارة الأمريكية تعنى بالبحث الموضوعي والعلمي لمثل هذه المشكلات؛ لتقديم المعالجات والحلول التي تتناسب وطبيعة التركيب الاجتماعي لكل بلد في العالم الإسلامي.. ويؤكد الدكتور فريد أحمد بأن دور العالم الاجتماعي الإسلامي يتزايد كلما أوغل المجتمع الغربي في الضياع.
وينبغي أن يصاحب هذا الدور دعم مالي للأبحاث الاجتماعية في الأقطار الإسلامية، تؤدي إلى تعريف أهمية علم الاجتماع الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، والعلوم السياسية الإسلامية، والتاريخ الإسلامي، وعلم الأنثربولوجي الإسلامي «علم أصول الإنسان».. كما يعري الدكتور فريد أحمد مبدأ «العلوم الاجتماعية اللاملتزمة بالقيم».. وأن «المجتمع» لا يمكن أن يدرس دراسة موضوعية تحت ذلك الشعار.. وأن الحل للمشكلة هو «العلوم الاجتماعية الملتزمة بالقيم» واعتبارها المنطلق الفكري للبحث.
وفي الفصل الثالث يناقش الدكتور حمودة عبد العاطي مبدأ «الانسجام» كمنطلق للتفاعل الإسلامي مع المجتمع.. إسلامي أو غير إسلامي، ويتوصل إلى «معالم واضحة» لعملية الانسجام يمكن تلخيصها بما يلي:
- الأصل الإباحة، ما لم يرد نص أو تحريم، ولا داعي للتعقيدات.
- الضرورات تبيح المحظورات بقدر.
- مسؤولية المسلم: فردية وجماعية نحو خالقه.
- مسؤولية الفرد نسبية بقدراته... وأعماله مرتبطة بأهدافه.
- كل عمل المسلم حرام ما لم يقصد به وجه الله.
- إن الروح الإسلامية ترتكز على الاعتدال، الانسجام، الواقعية، والتكامل.
- لقد قدم القرآن للمسلمين القدوة الحسنة في شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
- الاحتفاظ بالذات الإنسانية والطهر والنمو.. هي مقومات الحياة الإسلامية للفرد.
وفي معالجته لموقع الأقلية المسلمة في أمريكا الشمالية، يعالج الدكتور بايونس الاحتمالات الثلاثة أمام تلك الأقلية: إمَّا التحاقها بالمجتمع الأمريكي وهو ما يسميه «بالضياع»، أو انسلاخها عن المجتمع الأميركي وهو ما يسميه بالعزلة، أو إبراز الكيان الإسلامي والشخصية الإسلامية وسط قيم المجتمع الأميركي: برفض سلبياته وقبول إيجابياته، وبالتالي فذلكة انطلاقة إسلامية بقيمها المتميزة عن سائر الأقليات، خصوصًا وأن طبيعة المجتمع الأمريكي تسمح للأقليات بإثبات وجودها وتحقيق ذاتها.. وتسخير طاقاتها ومنجزاتها في خير الأقلية وازدهار مستقبلها.
أما الأستاذ خورشيد أحمد فينتهي في بحثه القيم في تعريف الشخصية إلى القول بأن الشخصية الإنسانية المنتجة لا بد وأن تكون إسلامية: فالتفسير السيكولوجي الغربي قد أهمل التركيب الفطري الروحي للإنسان؛ مما سيؤدي بلا شك إلى «لا إنسانية» الإنسان، وهبوطه بحيث تصبح قيمته مرتكزة على مدى ما يمكنه أن يتأقلم في خضم النتاج التكنولوجي، الذي قد يجعل من الإنسان «آلة» ثانوية.. بجانب مخترعات الإنسان نفسه.
كما يعرض عرضًا شيقًا المنطلقين السيوكولوجي الإسلامي والغربي في تحليلهما للإنسان، وحتمية التوازن في النفس الإنسانية كشرط أساسي من شروط الفعالية والإيجابية في الإنسان.. ولا يقر بذلك سوى التفسير الإسلامي للشخصية الإنسانية.
وفي البحث الأخير في التربية الإسلامية وأهميتها للتطور في المجتمعات الإسلامية، يبرز الكاتب نظرية الإسلام التربوية: مميزاتها، تحدياتها وعلاقتها بمقومات التطور بشكل عام. فهي تمتاز عن سائر النظريات التربوية بهدفها الواسع في تطور الكائن البشري بما يفوق معنى «المواطنة الصالحة» التي تقتصر عليها النظريات الأخرى.. وإلى جانب شمول النظرية التربوية الإسلامية في تطور ونمو الكائن البشري، فإنها ترتكز على «عالمية» و«مجانية» و«استمرارية» التربية في المجتمع، وتسخيرها نحو خير المجتمع وسعادته، ثم يعرض الكاتب أصالة نظرية التربية الإسلامية ومقدرتها على تحدي الأعاصير التي حاولت اقتلاع جذورها من المجتمع الإسلامي.. وكيف باءت تلك الأعاصير بالفشل.. وفي تحليله لعلاقتها بمقومات التطور يوازن بين نتائج بحث تربوي في مظاهر التطور في ٧٥ بلدًا صناعيًّا وناميًا، واشتمال النظرية التربوية الإسلامية على تلك المظاهر.
وفي الفصل الثاني من البحث يتقصى الكاتب تطلعات وتأملات وتصورات التربويين الإسلاميين ويناقش إمكانية مقدرة النظام الإسلامي التربوي على تلبية الاحتياجات القائمة والمنتظرة للمجتمعات المسلمة.. كما يعرض آراء مختلف التربويين الإسلاميين في مختلف الأقطار الإسلامية في التخطيط التربوي وأبعاده وارتباطه بمتطلبات المجتمع واحتياجاته، وفي تحقيق المساواة في الفرص التعليمية، وتحديد الحد الأدنى لعالمية التعليم ومجانيته.. ومن ثم تقصٍّ عميق لأولويات التطور التربوي في العالم الإسلامي.
وفي الفصل الثالث والأخير من البحث يناقش الكاتب التربية الإسلامية في حيز التطبيق في الأقطار الإسلامية.. ويبين إلى أي مدى ترتكز أنظمة التربية والتعليم في العالم الإسلامي على أسس إسلامية، كما يتعرض بالأرقام والإحصائيات لحجم المشكلات التربوية في العالم الإسلامي والتي تتعلق بنفقات التعليم، ومجانية التعليم الإلزامي ونسبة التزايد الطلابي في المرحلة الثانوية وتعليم البنات والتعليم المهني، والتسرب واقتصاديات التعليم. وفي تحديد المشكلات العامة المعاصرة للعالم الإسلامي والتي تواجه أنظمته التربوية.. فإن الكاتب يلخصها:
۱ – بتحليل الوضع السياسي في العالم الإسلامي وانعدام الشورى فيه بشكل عام.
۲- تحليل الوضع الاقتصادي بسوء توزيع ثروات العالم الإسلامي، وافتقاره للتخطيط الشامل المتكامل.
٣ ـ تحليل المفاهيم السائدة في العالم الإسلامي وضيق الأفق في فهم الثقافة الإسلامية ومعطياتها فيما يتعلق بالمرأة، والحياة القبلية، والانتماء والولاء في المجتمع.
٤ ـ تحليل للأزمة الروحية التي تسيطر على العالم الإسلامي، وتجاهل الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي لأهمية هذا الدافع الحيوي في نشاط الأمية وبعث كيانها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل