العنوان حركة النهضة.. والخطاب السياسي المعاصر في تونس
الكاتب هشام أبو محمود
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 930
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 29-أغسطس-1989
- على الرئيس زين العابدين
أن يكرس جهوده لإشاعة التعددية السياسية وأن يتغلب على الاتجاهات الرجعية
والارتدادية.
-
حركة النهضة التونسية حركة تتميز بالوعي العميق والمنهج
السلمي ومقارعة الاستبداد
في الذكرى الثانية والثلاثين للعيد
الوطني التونسي جاء في معرض خطاب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ما نصه: لا
مبرر لقيام أي تنظيم سياسي ما لم يحدد نمط المجتمع الذي يدعو إليه، وما لم يبين
موقفه من جملة القضايا الحضارية والمصيرية، ويتعهد باحترام تساوي المواطنين
والمواطنات في الحقوق والواجبات وبمبدأ التسامح وحرية المعتقد.
عبر العديد من المراقبين عن اعتقادهم بأن هذا النص يشير
إلى حركة النهضة، والتي تعتبر نبض الشارع الإسلامي التونسي، ولعل العديد من هؤلاء
المراقبين يستند في رأيه إلى الزخم الذي صاحب الانتخابات التشريعية في أبريل
الماضي، وإلى إرهاصات قانون العفو التشريعي العام والذي صدر في الحادي عشر من
يوليو الماضي بعد إقراره من مجلس النواب التونسي في 27/ 6 من هذا العام، وقد تمكن
نتيجة لهذا العفو حوالي ٥٤١٦ مواطنًا تونسيًا من استرجاع حقوقهم السياسية
والمدنية، وتلك كانت الذريعة لعدم منح حركة النهضة تأشيرة الممارسة الحزبية، لتأثر
أوضاع قيادييها بالحرمان السياسي والمدني الذي تمت إزالته بهذا العفو التشريعي
العام.
-
أطروحة التعددية السياسية
في زمان الحكم البورقيبي تشوهت
العديد من أوجه الحياة خاصة السياسي منها؛ إذ إنه استطاع طيلة فترة حكمه أن يعيش
الوعي الجماهيري ويزين الإرادة السياسية ويكبت التعددية بأشكالها المختلفة إلى أن
وصل الغليان ذروته وكادت أن تنفجر تونس الخضراء فتأتي على الأخضر واليابس لولا أن
تداركها زين العابدين ابن علي بـ«بيان السابع من نوفمبر» المشهور، والذي تولى فيه
زمام الحكم ووعد الأمة بإتاحة الحريات العامة وإشاعة التعددية السياسية، ووعد
أيضًا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية كان أهمها الإعلان عن إجراء الانتخابات
التشريعية في الثاني من أبريل ۱۹۸۹.
لم تتمكن حركة الاتجاه الإسلامي من
دخول هذه الانتخابات تحت لافتة حركة النهضة، وذلك لسبب واحد وهو عدم تمتع قيادات
الحركة بالحقوق المدنية والسياسية التي تتيح لهم الحصول على التأشيرة القانونية
للحزب، إلا أن الحركة استطاعت من خلال الدخول مع العناصر المستقلة أن تدخل
الانتخابات التشريعية والتي أفرزت القوى الإسلامية كمنافس وحيد لحزب السلطة رغم
التجاوزات التي صاحبت الحملة الانتخابية كاعتماد المنافسة بالقوائم ووجوب فوزها،
والعدد الفلكي لتزكية المرشحين «75 مزكيًا» وأيضًا الاستفزازات التي واكبت العملية
الاقتراعية، فعلى الرغم من جملة هذه المعوقات إلا أن القوى الإسلامية استطاعت أن
تحرز ٢٥٪ من عدد الأصوات (حوالي ١٠٠ ألف صوت انتخابي)، وكان لنتيجة الانتخابات
التشريعية صدى طيبًا في نفوس المسلمين وعضوية الحركة الإسلامية بتونس؛ إلا أن هذه
النتيجة أوغرت صدور المتربصين من اليساريين والعلمانيين الذين بدأوا في شن هجوم
إعلامي مكثف على حركة النهضة في محاولات مستميتة للضغط على الرئيس زين العابدين
لعدم منح الحركة التأشيرة القانونية لقيام الحركة.
وبالفعل فقد تم رفض التأشيرة للحركة
بتاريخ 7/ 6/ 89 بدعوى عدم تمتع قيادات الحزب بالحقوق المدنية والسياسية، وقد كان
رد الحركة متعقلًا؛ إذ إن الحركة في خطابها الحضاري لا تقارع الحجة إلا بالحجة،
وقد صرح الشيخ عبدالفتاح مورو أحد مؤسسي حركة النهضة بأن حاجة السلطة لحركة النهضة
بعدم استرداد الحقوق السياسية والمدنية لبعض مؤسسي الحركة، ومن ثم رفض طلب
التأشيرة تعني تستر النظام وراء تعليلات قانونية لتبرير موقف سياسي، وهذا يوضح بما
لا يدع مجالًا للشك أن الحركة بوعيها العميق بإشكاليات وجدليات الواقع استطاعت أن
تكرس مفهوم السلمية في الحوار وردود الأفعال بعكس التوجهات الرجعية داخل السلطة
الحاكمة، والتي تكرس لعودة السياسة البورقيبية وتحتمي بالحزب الدستوري لتمرير
مخططاتها وتكريس أوجه الخلاف بين حركة النهضة والنظام إلا أن قادة حركة النهضة
يعولون كثيرًا على مصداقية الرئيس زين العابدين ويلتمسون التقدم لتونس؛ رهانًا على
إيفاء ابن علي بجملة الوعود التي قطعها على نظامه في أن يتيح الحريات ويشيع
الديمقراطية والتعددية، لذلك لم يكن مستغربًا أن يبرق الأستاذ راشد الغنوشي مهنئًا
الرئيس ابن علي بوفائه بوعده عندما صادق على العفو التشريعي العام والذي بموجبه
استردت طائفة من المناضلين السياسيين الحقوق المدنية والسياسية المقررة لكل مواطن
حر على أرض تونس، وعندما سئل الأستاذ راشد في مؤتمر صحفي أجراه في رحاب مجلة
المجتمع الكويتية عن إمكانية التصريح لحركة النهضة بالعمل، أجاب مؤكدًا: إنه لا
يوجد مبرر بعد صدور العفو التشريعي العام في أن تنال حركة النهضة نصيبها من
الشرعية.
كما وطالب الأستاذ راشد التوجهات
العاقلة في السلطة وعلى رأسها الرئيس زين العابدين بن علي أن تتغلب على التوجهات
الرجعية الارتدادية، والتي تمثل امتداد النهج البورقيبي المستغرب والعلماني.
إلا أن النص الذي أوردناه في مقدمة
هذا البحث- إن صح ما توقعه المراقبون- فإن ذلك يعني رجوعًا عن الوعد الذي قطعه زين
العابدين ويعكس بصورة واضحة تأثير التيار الرجعي الارتدادي، سيما وأن تصريحًا
للدكتور حمودة بن محمد بن سلامة وزير الشباب التونسي يفصح عن توجسات النظام الحاكم
تجاه المد الإسلامي الشعبي مثلًا في الحركة الإسلامية وحركة النهضة؛ إذ إنه يقول
بشأن الديمقراطية: إن الديمقراطية تتصل بالمناخ العام؛ إذ ليس بإمكاننا أن نقف
وحدنا في وسط مشبع بتلك المشاعر، وما نريده لتجربتنا الديمقراطية هو «الحركية
والحذر».
ويستمر الدكتور قائلًا: وعلى من
يقتحم الديمقراطية أن يضع في اعتباره وجود قوى مدعومة من الداخل والخارج، علنًا
وفي الخفاء، يكون همها استغلال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية و«توظيف عقائد
الناس» بحيث لا تتعدى علاقتها مع الديمقراطية مجرد إطار تخدم من خلاله تنظيماتها
وأغراضها.
إن هذا التوهم لمعوقات التعددية
والديمقراطية ورمي الخصوم بالعمالة يعكس تصورًا مخلوطًا لحقيقة الأوضاع بالنسبة
لكافة المعارضين السياسيين داخل تونس، وعلى وجه الخصوص الحركة الإسلامية التونسية.
- المرتكزات الفكرية والحركية
للحركة الإسلامية:
من أهم المؤشرات التي تعكس مدى جدية
الحركات السياسية في المرتكزات الفكرية والثقافية التي تستند إليها حركات التغيير
الحضاري، وليس ثمة حركة سياسية قابلت صنوفًا من الأذى والعداء مثلما واجهت الحركة
الإسلامية بصفة عامة، وبطبيعة الحال لا تشذ عن هذه القاعدة الحركة الإسلامية
التونسية.
المراقب لسير الحركة الإسلامية
التونسية خلال العشرين عامًا من تاريخها يجد أن أهم المرتكزات الفكرية التي تستند
عليها الحركة هي وضوح الرؤية الأصولية والسياسية وكذا السلمية والديمقراطية في
إطارها الحركي.
ولعل الشواهد على ذلك هو الخطاب
الإسلامي المنفتح على المجتمع وأقضيته وحاجياته والتي بقرائن الأحوال استطاعت أن
تجذب الشباب التونسي والذي يمثل أكثر من 75% من المجتمع التونسي إلى رحاب الحركة
الإسلامية.
ويعتبر تصريح الأستاذ راشد الغنوشي
بضرورة محاربة الجمود ومحاولات التخلص من موروثات عصر الانحطاط وانتهاج مبدأ
السلمية وعدم التنافي والإقصاء يعتبر هذا ردًا إيجابيًا على دعاوى المرجفين الذين
يصمون حركة النهضة بجمود الخطاب الديني وعدم وضوح الرؤية وغياب المنهج والوسيلة.
فالحركة الإسلامية التونسية في سعيها
لممارسة الديمقراطية، إنما تنطلق من مبدأ التغيير السلمي للشعب التونسي، أو
بالأحرى رد الشعب التونسي إلى ينابيع الأصالة والحضارة الإسلامية؛ لا الارتهان
للسياسات الغربية والثقافة المادية التي جلبها المستعمر الفرنسي، على عكس ما تسعى
إليه الأحزاب الأخرى والتي تعتبر أن التغيير لا يتأتى إلا بحيازة السلطة، كما يؤمن
بذلك زعيم حزب الديمقراطيين الاشتراكيين.
وبدهي أن مثل هذا الطرح تأذى منه
العلمانيون فأعملوا أبواقهم الإعلامية تجريحًا وتنفيرًا وتحريضًا ضد الحركة
الإسلامية حتى لا تنال الشرعية، وينطلق هؤلاء المرجفون من إحساسهم بالخطر المحدق
من قبل الحركة الإسلامية خاصة بعد زوال الحكم البورقيبي الذي كان يتبنى علانية
تنفيذ المشروع العلماني، والذي أضحى الآن في خطر في ظل طروحات زين العابدين
الديمقراطية وإتاحته الفرصة لتنامي الحركة الإسلامية من جديد بعد العفو التشريعي
العام.
إن خطاب الحركة الإسلامية التونسية
خطاب يتميز بالأصالة والقومية، كما أنه يستوعب مقتضيات العصر وجدليات المجتمع، لذا
فهو ينتهج السلمية في دعوته ويسعى لمحاربة الاستبداد بشتى صنوفه وضروبه، وحري بهذا
الخطاب أن يجد له موطأ قدم في الخارطة السياسية التونسية، سيما وأن المجتمع
التونسي بزعامة زين العابدين قد فتح منافذ الهواء الإسلامي والعربي في بيان السابع
من نوفمبر، وحتى تستطيع حركة النهضة أن تقابل المد الصليبي والإباحي الذي يغزو
تونس اليوم عبر البث التلفزيوني المباشر من طرف فرنسا، والذي هو محاولة واضحة لعزل
الشعب التونسي المسلم عن محيطه الإسلامي.
إن التجارب المعاصرة في محاولات كبت
الصوت الإسلامي لم تنجح في ذلك، بل زادت من كراهية الشعوب للظلم والاستبداد
وازدادت تمسكًا بأهداب الدين الإسلامي الذي هو الخلاص الحتمي للشعوب المسلمة من
ربقة الاستعمار الثقافي والاقتصادي والسياسي، فهل نعول على حكمة الرئيس زين
العابدين في تجاوز شروط الاختلاف والتنافي والإقصاء!