العنوان حركة النهضة.. عشرون عاماً من الجهاد دفاعاً عن هوية تونس الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2001
مشاهدات 66
نشر في العدد 1454
نشر في الصفحة 32
السبت 09-يونيو-2001
انطلقت لتجديد قيم الإسلام وسلطانه على الواقع وهدفت من خلال خطة متكاملة لـ: ترسيخ الهوية الإسلامية.. تحقيق الحرية كقيمة تجسد معنى تكريم الله للإنسان وتوفير الخدمات الاجتماعية بما يضمن الكفاية للجميع
المحصلة: أكثر من ٣٠ ألف معتقل.. عشرات الشهداء.. آلاف المشردين.. مزيد من الانتشار بين الشعب التونسي المسلم
ما إن بدت الحركة كصيغة إسلامية سياسية ثقافية واجتماعية متميزة، حتى سلطت عليها السلطة آلتها القمعية الرهيبة في أربع حملات متتالية
عندما جاء بن علي إلى السلطة بادر الإسلاميون كغيرهم إلى مساندة حكمه، وعبروا عن استعدادهم للتفاعل مع كل مبادرة باتجاه تحقيق المصالحة الوطنية
تلاءموا مع القوانين الجديدة المنظمة للحياة السياسية رغم ما لهم عليها من مؤاخذات وقدموا سلسلة من التنازلات حرصا على إطلاق بوادر للتعايش.. لكن دون جدوى
ما إن كشفت انتخابات عام ۱۹۸۹م التشريعية عن اتساع شعبية الحركة مقابل الفشل الذي مني به الحزب الحاكم، حتى انكبت السلطة على وضع مخطط إرهابي شامل لاستئصال الإسلاميين وإحكام السيطرة على المجتمع بعد تزييف الحياة السياسية.
تونس: خاص بـ المجتمع
نشأت الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس سنة ١٩٦٩م على يد مجموعة من الشباب المسلم المتحمسين على رأسهم الأستاذ راشد الغنوشي العائد لتوه من جولة علمية مشرقية غربية، والشيخ عبد الفتاح مورو.
انطلقت الحركة من المساجد ومؤسسات التعليم تجدد قيم الإسلام وسلطانه على الواقع المتفلت وظلت منذ نشأتها تتفاعل مع واقعها بروح إيجابية استيعاباً وتطويراً، واتخذت لنفسها أكثر من عنوان على حسب مقتضيات التطور الفكري والسياسي داخلها واستجابة لمطالب الواقع، فمن الجماعة الإسلامية خلال السبعينيات إلى حركة الاتجاه الإسلامي خلال - الثمانينيات إلى حركة النهضة مع بداية التسعينيات.
ونظراً لعوامل - داخلية - حداثة النشأة - وأخرى خارجية. عمق التأثير العلماني في بنية وثقافة المجتمع التونسي - فقد انطلقت الجماعة الإسلامية في تونس في عملها الإصلاحي والتغييري بأسلوب:
دعوي تبليغي يتجه إلى إحياء المساجد وتطهير تعاليم الإسلام.
ثقافي فكري يتجه لاستنقاذ الشباب من براثن الغزو الفكري ويجدد لديه الثقة في الإسلام عقيدةونظاماً للحياة.
وظل منهج الحركة يتطور تبعاً لنمو درجة النضج والوعي داخلها وتفاعلاً مع مقتضيات واقعها حتى استوت على سوقها حركة متعددة الأبعاد عقائدية ثقافية وسياسية، واجتماعية، وتبعاً لطبيعتها الربانية الشاملة ما لبثت الحركة أن تبنت قضايا المستضعفين الاجتماعية وانخرطت في النقابات العمالية والطلابية وفي النوادي والجمعيات الشبابية والثقافية.. ثم أعلنت عن نفسها حركة سياسية تناضل إلى جانب القوى السياسية الأخرى من أجل الديمقراطية والحريات السياسية واحترام حقوق الإنسان.. ولم تكن الحركة في كل ذلك معزولة عن هموم الأمة وقضايا المستضعفين في العالم، فاعتبرت منذ البداية قضية فلسطين قضيتها المركزية، وساندت قضايا التحرر في العالم.
لم تقبل العلمانية بالإسلام مكوناً من مكونات الثقافة والمجتمع فضلاً عن أن تقبل به منافساً جاداً على السلطة، وبالتالي ما إن ظهرت الحركة كصيغة إسلامية ثقافية وسياسية واجتماعية متميزة بأصالتها المعاصرة حتى سلطت عليها الدولة آلة القمع الرهيبة، فظلت تطاردها خلال العشرية الماضية كلها، وهي الآن أشد عليها من أي وقت مضى فتم استهدافها بعنف سنة ١٩٨١ م ثم سنة ١٩٨٧م وأخيراً سنة ۱۹۹۰م، ۱۹۹۱م. و ۱۹۹۲م، وبين تلك المحطات الكبرى لم تخل سجون تونس من الإسلاميين ولم تفرغ محاكمها من مقاضاتهم، ونال الحركة من أذى التعذيب ما جعل العشرات من أبنائها تفيض أرواحهم بين أيدي الجلادين أو برصاص الغدر والخيانة أو على حبال المشانق، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
منهج الحركة في التغيير
انطلقت الحركة في منهاجها التغييري من أصول الإسلام الثابتة ومطالب الواقع المتطورة، وهي تعمل على نشر الدعوة الإسلامية بين الناس وإعادة الاعتبار لقيم العدل والحرية والحق والفضيلة، بين أبناء المجتمع وتواصل جهود رواد الإصلاح في أمتنا مثل محمد بن عبد الوهاب والأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا وخير الدين التونسي وحسن البنا والثعالبي وابن عاشور وجمعية العلماء باتجاه تجديد الفكر الإسلامي وبلورة مشروع النهضة الشاملة، ومع ارتكاز مشروعها على الإسلام في أبعاده الشاملة لا تقدم الحركة نفسها ناطقاً باسمه وليس ذلك لأي أحد أو جماعة مهما كان مبلغها من العلم، وإنما هي فهوم بشرية للنص المقدس في تفاعلها مع الزمان والمكان تحتمل الخطأ والصواب، وعلى المستوى السياسي فإن الحركة طرف مكون للحياة السياسية في تونس، إلى جانب قوى سياسية أخرى تعتمد الديمقراطية منهجاً في التغيير والحكم والتعامل مع مختلف قضايا البلاد، وأسلوباً في حسم أي خلاف بين أبناء المجتمع الواحد، وهي تبعاً لذلك تناضل من أجل احترام حقوق الإنسان وكرامته وحرياته الأساسية وإقرار الجميع بمبدأ التداول على السلطة من خلال صناديق الاقتراع، واستقلال القضاء ودعم مؤسسات المجتمع المدني، وحق الأغلبية في الحكم والأقلية في المعارضة بالوسائل السلمية مثل: الضغط الشعبي وترفض الحركة اللجوء للوسائل العنيفة في عملية التغيير وتعتبر أن من أسباب تخلف أمتنا واستمرار أزماتها اعتماد نخبها على السلاح في حسم اختلافاتهم السياسية والفكرية، بدلاً من الحوار والتعايش وسائر وسائل العمل السياسي كالضغط الشعبي والنزول على إرادة الأغلبية. وهي لا ترى بحال أن من مهمة الجيش الانقلاب على إرادة الشعب واختياره وإنما الدفاع عنهما وعن الوطن. وتعتبر الحركة أي سلطة عارية من أي شرعية ما لم تعبر عن اختيار الشعب غير انتخابات حرة، فإنما الإجماع أساس الشرعية أو ما يقاربه كالأغلبية.. وتناضل الحركة من أجل التصدي لكل أشكال الغزو الحضاري لأمتنا ومناهضة بقايا الاستعمار فيها، كما تؤمن من جهة أخرى بضرورة الحوار الحضاري مع الأمم على أساس من الندية والاحترام المتبادل والتعاون المشترك..
انقلاب بن علي: بلغت تونس في آخر عهد بورقيبة مرحلة خطيرة من الاضطهاد والفوضى والتأزم والاستبداد، وكانت حركة الاتجاه الإسلامي هي المعارضة الرئيسة التي واجهتها وناضلت من أجل تغيير الوضع باتجاه الانفتاح على قوى المجتمع وتحكيم إرادة الشعب واحترام الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان. فلما جاء انقلاب٧ /۱۱/ ۱۹۸۷ م وتبنى في بيانه الرئيس جل شعارات ومطالب المعارضة والجماهير السياسية والثقافية والاجتماعية. ورغم ما كان لابن علي من مسؤولية في الجرائم التي ارتكبتها الدولة في حق الحركة الشعبية، إذ كان اليد اليمنى التي ضرب بها بورقيبة النقابيين والإسلاميين فقد بادر الإسلاميون كغيرهم بمساندة الحكم الجديد... وعبروا عن استعدادهم للتفاعل الإيجابي مع كل مبادرة باتجاه تحقيق المصالحة الوطنية، وإعادة الاعتبار لهوية البلاد وإرادة الشعب وحتى يتلاسوا مع القوانين المنظمة للحياة السياسية رغم ما لهم عليها من مؤاخذات مثل قانون الأحزاب والميثاق الوطني.
تنازلات الإسلاميين
وحرصاً منهم على توفير شروط التعايش والحوار البناء بين القوى الشعبية من أجل النهوض والتقدم، أقدم الإسلاميون على سلسلة من التنازلات مثل: مخل القبول بقانون الأحزاب على ما به من نقص القبول بالانسجام مع قانون الأحزاب الذي يمنع تكوين الأحزاب على أساس ديني بتغيير اسم الحركة من حركة الاتجاه الإسلامي إلى حركة النهضة.
الإمضاء على الميثاق الوطني رغم ما تضمنه من مفاهيم لا تنسجم وتصورات الحركة في العديد من المسائل على أمل تطوير ذلك وتجنباً للصدام وانسداد الوضع السياسي.
اكتفت الحركة بعرض الإسلام كمشروع حريات وهوية ثقافية على أن يتبلور مشروعها في مختلف أبعاده في مناخ الحريات عن طريق الحوار الشعبي.
قبلت الحركة بالمشاركة في الانتخابات التشريعية التي جرت في ٢ أبريل ۱۹۸۹م بطريقة غير مباشرة من خلال دعم قوائم مستقلة، لأن السلطة لم تسمح لها بالمشاركة الرسمية في الحياة السياسية وسمحت لأحزاب أخرى أقل أهمية ولكنها تفاعلت إيجابياً وقبلت المشاركة، وفي الوقت نفسه الذي كانت فيه الحركة الإسلامية تتعامل مع الواقع بعقلانية وتسعى لنزع كل فتيل يمكن أن يفضي إلى تفجير الوضع من جديد ويؤدي إلى تأبيد الأزمة، كانت السلطة تماطل في الإجابة عن مطالب المعارضة وتطبيق ما وعدت به من إصلاحات بل كانت تعد لاستئناف الحملة على الإسلاميين وإثر الانتخابات التشريعية، التي برهنت نتائجها على اتساع شعبية الحركة الإسلامية مقابل الفشل الذي مني به الحزب الحاكم قامت الأقلية الحاكمة بالانقلاب على إرادة الشعب فريضت نتيجة الانتخابات، وانكبت على وضع مخطط إرهابي شامل لاستئصال الحركة الإسلامية، وتزييف الحياة السياسية وإحكام السيطرة على المجتمع . وقد نشرت الصحافة نص تلك الخطة ومنذ ذلك الحين تسارعت وتيرة التدهور على كل المستويات.
- على المستوى السياسي:
رغم شعارات الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني التي رفعها الخطاب الرسمي للدولة فإن الأزمة السياسية زادت مع حكم ابن علي تعقيداً على ماكانت عليه آخر أيام بورقيبة، وفيما يلي بعض مظاهر التأزم على المستوى السياسي ظل حزب الدستور الحاكم محتكرة الحياة السياسية ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني ومقصياً كل القوى السياسية والاجتماعية الأخرى. قامت السلطة بعملية فرز في التعامل مع الأحزاب السياسية مصرة بذلك على اختيار معارضيها من بين من تقدر أنهم لا يمثلون منافساً جاداً لها، واعتماد أقصى أساليب العنف في إقصاء الآخرين، وحتى المعارضة المقبولة فقد ضاقت السلطة بأنشطتها الإعلامية والسياسية، فعطلت صحفها ومنعت اجتماعاتها وضيقت على تحرك أهداف الحركة المجتمع المدني وتحقيق مبدأ سلطة الشعب وترسيخ الشورى.
تحقيق الحرية باعتبارها قيمة محورية تجسد معنى تكريم الله للإنسان وذلك بدعم الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان، مثل: حرية الصحافة وتأسيس الأحزاب واحترام حق الأغلبية في الحكم والأقلية في المعارضة عبر مؤسسات منتخبة تنبثق منها الشرعية والتداول على السلطة عبر صناديق الاقتراع وتأكيد مبدأ استقلال القضاء وحياد الإدارة.
إقامة سياسة خارجية تنبني على عزة البلاد ووحدتها واستقلالها عن كل نفوذ استعماري وإقامة العلاقات الدولية وفق مباديء الاحترام المتبادل والتعاون وحق الشعوب في تقرير مصيرها والعدل والمساواة دعم التعاون والتعاضد بين الأقطار العربي، ما إن بدت الحركة كصيغة إسلامية سياسية ثقافية واجتماعية متميزة حتى سلطت عليها السلطة آلتها القمعية الرهيبة في أربع حملات متتالية معارضيها من بين من تقدر أنهم لا يمثلون منافساً جاداً لها واعتماد أقصى أساليب العنف في إقصاء الآخرين، وحتى المعارضة المقبولة فقد ضاقت السلطة بأنشطتها الإعلامية والسياسية فعطلت صحفها، ومنعت اجتماعاتها وضيقت على تحرك رموزها، واقتحمت وفتشت مقارها، ولا تمثل تلك الأحزاب بالنسبة لها أكثر من ديكور ديمقراطي يصلح لتسويق تونس إلى الغرب. تهميش الشخصيات الوطنية التي يمكن أن تمثل منافساً جاداً لابن علي.
تهميش أو حل مؤسسات المجتمع المدني ذات الوزن الشعبي مثل الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحادات الطلابية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والصحافة الحرة، والمساجد بالقمع أو بالاحتواء حتى لا يبقى في البلاد. إطار جاد يجمع الناس ويعارض خيارات نظام الأقلية.
تجميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية ومركزتها فعلياً بيد شخص الرئيس ليكون حاكماً مطلق النفوذ.
الانقلاب على إرادة الشعب بتزييف نتائج الانتخابات البرلمانية في الثاني من أبريل ۱۹۸۹م التي أعطى الشعب خلالها ثقته لحركة النهضة التي شاركت بطريقة غير مباشرة من خلال دعم قوائم مستقلة - وتنصيب برلمان بلون واحد مازال إلى الآن حجة ساطعة على تزييف الانتخابات وشاهداً لا يرد على زيف الحياة السياسية كلها. وهكذا ظل البرلمان وكذا المجالس البلدية طيلة أربعة عقود حكراً على الحزب الحاكم لم يدخلها معارض واحد. ولأن حركة النهضة تمثل حزب الأغلبية واقعاً وزعيمة المعارضة باعتراف النظام نفسه (حوالي ٢٠ من أصوات الناخبين في أبريل ۱۹۸۹م حسب النتائج المعلنة فقد استهدفت بمخطط شامل لإقصائها واستئصالها. السيطرة على وسائل الأعلام وتوظيفها في الدعاية لسياسة الدولة والحزب الحاكم وحظر أكثر من اثنتي عشرة دورية إعلامية، ومنع عدد كبير من الصحف والمجلات الأجنبية من دخول البلاد.
٢- على المستوى القانوني:
رغم أن التدهور لم يتجل سافراً إلا بعد تزييف الانتخابات إلا أن مؤشراته كانت قائمة منذ البداية ففي المجال القانوني مثلاً صاغ النظام جملة من القوانين الجائرة حتى تكون إطاراً مناسباً لتبرير كل ما يرتكبه من مظالم واعتداءات، ومن تلك القوانين منع الاعتراف بالأحزاب على أساس ديني أو قومي جعل أمر الأحزاب عامة - اعتماداً، وحظراً. ونشاطاً - بيد وزير الداخلية-
إخضاع المساجد والجامعات والصحافة، والجمعيات وتراتيب الانتخابات كل بنص قانوني
خاص لوزارة الداخلية أيضاً لتدخل في حرية اختيار اللباس بتقنين منع ارتداء الحجاب على النساء، وطرد الآلاف من المحجبات من الوظائف والتعليم وتشجيع العراء.
رغم أن دستور البلاد يقر مبدأ حرية التنقل فقد قيدها القانون بالإرادة المطلقة لوزير الداخلية
في المنع والعطاء فحرم عشرات الآلاف من السفر.
يقر الدستور أيضاً مبدأ حرية تكوين الجمعيات غير أن القانون يجعل ذلك أيضاً رهن رفض أو قبول وزير الداخلية، فحرمت عشرات من الجمعيات والصحف من حق الوجود وقد أصرت
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان على إعلان رفضها للتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان الذي أصبح ممارسة يومية في مخافر وزارة الداخلية.
على المستوى الثقافي:
إن عقلية الانفراد والإقصاء التي تحكم العمل السياسي والإعلامي هي نفسها التي تحكم العمل الثقافي في تونس، ورغم شعار الهوية العربية الإسلامية الذي ترفعه السلطة بحثاً عن شرعية دينية مفقودة ومغالطة للرأي العام، إلا أن المشروع اللاديني لنظام الأقلية الذي يهدف إلى تدمير الدين والأخلاق والقضاء على حركة النهضة الإسلامية غلب على البرامج العملية والممارسة اليومية لمصالح التربية والثقافة والدعاية والتوجيه في الدولة، ومن ذلك السيطرة على المساجد وعلى الإطار الديني واحتكار التكلم باسم الدين حتى بلغ الأمر حد إصدار الفتاوى بتكفير النهضة. وبالمقابل فإن أكبر تهمة توجهها السلطة لخصمها السياسي الرئيس - حركة النهضة - هي صفتها الإسلامية إصدار قانون يجعل كل المساجد خاضعة مباشرة لرقابة الدولة ومنع العلماء من توجيه الناس فيها، وإغلاق كل المساجد التابعة للمؤسسات العمومية والتربوية أكثر من ۱۰۰۰ مسجد). ومحاربة الهوية العربية والإسلامية من خلال جملة من الإجراءات العملية الخطيرة مثل: التفويت في مجال التعليم لبقايا نخبة يسارية فرانكفونية - من مخلفات التطور - مفلسة دولياً ومحلياً، ذات حقد دفين على الدين، لم يبق لها من رسالة في الوجود بعد انهيار الشيوعية إلا محاربة الإسلام والمسلمين. وقد عبرت عن حقدها التاريخي والأيديولوجي من خلال إعادة صياغة كل برامج التعليم، بما ينسجم مع عقيدتهم ويحقق هدفهم المذكور، ومن خلال طرد ألاف من الطلبة الإسلاميين من مستويات التعليم المختلفة وعشرات من المدرسين بتهمة الانتماء أو التعاطف مع الحركة الإسلامية.
وضع الحزب الحاكم خطة للمواجهة الثقافية مع الحركة الإسلامية بعنوان "تجفيف المنابع" وأوكل تنفيذها إلى العناصر اليسارية الفرانكفونية، فانطلقوا في وضع برنامجهم في مختلف أوجه النشاط الثقافي من عدائهم المبدئي للدين، ومن قناعتهم بأن السبب الرئيس الذي انتج الظاهرة الإسلامية هو الإسلام نفسه، وبالتالي فإن أنجع أسلوب لمواجهتها هو القضاء على الدين والثقافة العربية الإسلامية، فانقضوا على قيم المجتمع وهويته وروابطه يخربونها بما لم تشهد له البلاد مثيلاً من قبل حتى في زمن الاستعمار إنها حرب ثقافية شاملة، إنها سياسة الأرض المحروقة.
تنامي الوجود العلني للصهيونية في البلاد وتكرر بروزهم على الساحة الوطنية بشكل عدواني وسافر وذلك من خلال انتشار نواديهم في عديد من جهات البلاد، وتعدد الاعتداءات على القيادة الفلسطينية في تونس (۳) مرات على الأقل، وتورط كاتب الدولة لوزارة الداخلية في شبكة الموساد وما صاحب قضيته من وجود مؤشرات على تورط شخصيات أخرى أعلى منه في الدولة. وما نقلته جريدة لوموند الفرنسية من أن التقاط المكالمة الهاتفية بين ياسر عرفات وممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس تم عن طريق أجهزة الموساد في تونس. ولا غرابة بعد ذلك أن يتدخل النفوذ اليهودي للسيطرة على الإعلام والثقافة وغيرها، وقد بدا ذلك واضحاً في الإنتاج السينمائي الذي تبين مشاركة دوائر مالية صهيونية في تمويله، واتسم بنشر قيم العري والتفسخ والتحلل من القيم. ونشر الفساد والتهكم على الرسول الله وعلى الصحابة - رضي الله عنهم - وعلى الإسلام عامة في مقابل الإشادة بالشخصية اليهودية، وإشاعة التحلل، والإباحية والإلحاد.
تعطيل الدروس العلمية بجامع الزيتونة وغيره التي سمح بها ابن علي بعد توليه الحكم لكي يضفي على شعار الهوية الذي رفعه نوعاً من المصداقية، لما لجامع الزيتونة المعمور من دلالة رمزية على إسلامية الشعب والبلاد.
غلق مدرسة تجويد القرآن الكريم.
منع كل الدوريات الإعلامية الإسلامية الأجنبية من دخول البلاد مثل: الأزهر، والوعي الإسلامي، والمسلمون والعالم، والمنار الإسلامي.
منع الكتاب الإسلامي من دخول البلاد وغلق المكتبات التي تبيعه وتشكيل لجنة وطنية تضم عناصر ماركسية وأمنية مكلفة لتفتيش المكتبات العمومية وتنقيتها من الكتاب الإسلامي، وهي لجنة نشيطة ومدعومة دعماً خاصاً من وزارة الثقافة.
على المستوى الأمني:
لا يستند النظام القائم في تونس إلى شرعية جماهيرية، ولا إلى ثروات طائلة تغطي على فساده وجرائمه، ولا إلى برنامج اقتصادي واجتماعي متين، وإنما إلى ركيزتين أخريين وهما التبعية للخارج والجهاز البوليسي القمعي المسلط على أبناء الشعب في الداخل، ومن انعكاسات ذلك على سياسة البلاد تضخم ميزانية وزارة الداخلية وتجهيزاتها وأعوانها بما لا نظير له في أي وزارة أخرى، وتضخم دور وزير الداخلية ومصالح وزارته في القيمومة على الأحزاب والجمعيات والإعلام والمساجد والمؤسسات الشعبية عامة.
إطلاق يد أعوان الشرطة بمختلف تشكيلاتهم الاضطهاد أبناء الشعب تطارد المعارضين منهم وتسجن وتعذب وتقتل، ورغم شكاوى العائلات المتضررة من الاعتقالات والاحتجاجات المتكررة من الأحزاب والمنظمات الإنسانية داخل البلاد وخارجها حول انتهاكات حقوق الإنسان ورغم اعتراف السلطات - على استحياء - تحت الضغوط المذكورة بوجود حالات من التعذيب، فإنه لم تتم محاكمة جلاد واحد ممن تورطوا في عمليات تعذيب أو قتل أو ترويع، ولا غرابة في ذلك، إذ التعذيب يمارس بأمر وإشراف من أعلى مستويات السلطة. بلغ عدد المعتقلين الإسلاميين وحدهم بين سنة ۱۹۹۰ و۱۹۹۲م فقط أكثر من ٣٠ ألف معتقل واستمرت حملات الاعتقال والتفتيش بعد ذلك. بلغ عدد الشهداء الذين فاضت أرواحهم بين الجلادين أو بالرصاص في الشوارع والجامعات قرابة ٥٠ شهيداً دفن أغلبهم دون علم أهاليهم.
- إحكام القبضة البوليسية على الجامعات ومؤسسات التعليم الأخرى وفرض حصار متواصل أمني عليها، وانتهاك حرمتها بالمداهمات الليلية والاقتحامات المروعة، وتعنيف الطلبة والأساتذة وإطلاق الرصاص على الطلبة، وحل منظمتهم الاتحاد العام التونسي للطلبة.
تحويل المؤسسات المدنية مثل البلديات والعمد المسؤول عن أدنى وحدة في البلاد، وحراس المؤسسات والمتاجر والأحياء، وسائقي سيارات الأجرة، وأصحاب المقاهي، وأعضاء الشعب الدستورية خلايا الحزب الحاكم)، وغيرهم كثير.. إلى عيون ومخبرين ملحقين بأجهزة المخابرات.
أهداف الحركة
أولاً: المجال الثقافي:
ترسيخ الهوية العربية الإسلامية باعتبارها شرطاً من شروط النهضة واعتبار أن الإسلام قيم وحضارة وكذلك منهج حياة وأن اللغة العربية وعاء للثقافة الوطنية. توفير المناخ لإحداث نهضة فكرية وعلمية شاملة مقامة على الثابت من أصول الإسلام وعلى مقتضيات الحياة المتطورة. اعتماد اللغة العربية في مجالات التعليم والإدارة والثقافة تشجيع البحث العلمي والحث عليه وتوقير العلماء والباحثين والمخترعين.
تشجيع الآداب والفنون وممارسة الرياضة حتى تؤدي دورها في نشر الفضيلة والدعوة إلى التدبر وضمان سلامة الجسم والمساهمة في ترقي الروح ودعم أسس النهضة.
المجتمع المدني وتحقيق مبدأ سلطة الشعب وترسيخ الشورى.
تحقيق الحرية باعتبارها قيمة محورية تجسد معنى تكريم الله للإنسان وذلك بدعم الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان، مثل: حرية الصحافة وتأسيس الأحزاب واحترام حق الأغلبية في الحكم والأقلية في المعارضة عبر مؤسسات منتخبة تنبثق منها الشرعية والتداول على السلطة عبر صناديق الاقتراع وتأكيد مبدأ استقلال القضاء وحياد الإدارة.
إقامة سياسة خارجية تنبني على عزة البلاد ووحدتها واستقلالها عن كل نفوذ استعماري وإقامة العلاقات الدولية وفق مبادئ الاحترام المتبادل والتعاون وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والعدل والمساواة ودعم التعاون والتعاضد بين الأقطار العربية، تحقيق سياسة إعلامية قوامها احترام حرية التفكير والتعبير والنزاهة والاستقلالية بما يساهم في تقدم البلاد ودعم هويتها.
ثانياً: المجال السياسي:
دعم النظام الجمهوري وأسسه وصيانة والإسلامية والعمل من أجل وحدتها وتكافلها. إشاعة روح الوحدة العربية والإسلامية والتوعية بقضايا الأمة الأساسية حتى يوضع حد لحالة التنافر والتجزئة وإيلاء أهمية خاصة لوحدة أقطار المغرب العربي.
النضال من أجل تحرير فلسطين ودعم قضايا التحرر في المنطقة العربية والوطن الإسلامي والعالم كافة، والكفاح ضد سياسات الاستعمار والتمييز العنصري ومناهضة الأوضاع المؤسسة على الظلم والاضطهاد. تطوير التعاون مع البلدان الإفريقية واعتباره توجهاً استراتيجياً والعمل على تحييد حوض البحر الأبيض المتوسط عن صراع قوى الهيمنة الإزالة أسباب التوتر فيه والإسهام في إرساء علاقات تعارف وتعاون بين الشعوب من أجل دعم السلم العالمي المقام على العدل.
ثالثا: المجال الاقتصادي:
بناء اقتصاد وطني قوي مندمج يعتمد أساساً على الإمكانات، ويحقق الاكتفاء الذاتي، ويسد الحاجات الأساسية، ويقيم التوازن بين جهات البلاد، ويسهم في تحقيق التكامل والاندماج مغاربياً وعربياً وإسلامياً. إذ لا سبيل للتنمية إلا في إطار الأمة وقيمها، التأكيد على أن العمل هو أصل التكسب وشرط النهضة، وهو حق وواجب، وإطلاق حرية المبادرة ورفع القيود عن حركة الإنتاج، وإعطاء الأولوية للقطاع الفلاحي وضرورات الحياة ومنعة الأمة والسعي إلى بناء الحياة الاقتصادية على الجدوى والعدالة والإحسان وتوزيع الثروة بالبلاد وفق المبدأ الإسلامي الرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته، بما يعني حق كل فرد في التمتع بثمار جهده في حدود مصلحة الجماعة، وفي الحصول على حاجته في كل الأحوال، والقضاء على الفوارق المبنية على الاستغلال والاكتناز والاحتكار وغير ذلك من طرق غير مشروعة، وتحرير الحياة الاقتصادية من قيود التبعية، وأسباب الفساد والحرص على رفع المستوى الفني والخلقي للأداء الاقتصادي.
رابعاً: المجال الاجتماعي: توفير الخدمات الاجتماعية بما يضمن الكفاية للجميع ويوفر حقهم في الغذاء والصحة والعلم والسكن وغيرها من أساسيات الحياة الكريمة صوناً لتماسك المجتمع وتطوره وإطلاقاً الطاقات الروح والجمال والإبداع في تناسق ضمان الحق وأداء الواجب.
دعم كل المنظمات الجماهيرية وحماية وجودها ووحدتها وديمقراطية القرار داخلها و احترام استقلالها عن الدولة.
حفظ كيان الأسرة قوام المجتمع السليم، والعمل على أن تقوم العلاقات داخلها على المودة والرحمة والتكافل والاحترام، وتقديس الرباط الزوجي، وتوفير الظروف الملائمة لرعاية الطفولة تنشئة وإعداداً.
النهوض بواقع المرأة وتأكيد دورها الإيجابي في الساحات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية حتى تسهم بفاعلية في تنمية المجتمع.
رعاية الشباب قلب الأمة النابض وحسن إعداده لمهام النهضة والبناء وفق تربية صالحة وفتح أفاق مساهمته الفعالة في التنمية الشاملة وتيسير اندماجه في المجتمع وتوفير الشغل له وتشجيع الزواج وتيسيره، وبعث روح الفتوة والمغامرة والإبداع والفداء والإيثار إقامة العلاقات الاجتماعية على أساس القيم والأخلاق الفاضلة حتى تسود المجتمع روح التأخي والتراحم ويتحصن من الآفات.
فعلت بها المحن أفاعيلها.. سجنتها.. وشردتها.. لكن تونسيا لا يصدق.. أنها أصبحت حركة مهاجرة
الغنوشي: النهضة مازالت حاضرة بقوة
- أصبحت تونس حقل تجارب لاستئصال الإسلام والمشروع الإسلامي بتمويل دولي وصار التونسي كلاً مباحاً من طرف النظام البوليسي.
- كل القوى السياسية باتت متأكدة أن ضرب الإسلاميين لم يكن إلا لوأد الحرية وحقوق الإنسان، وأن دعم النظام كان خطأ فادحاً.
شعبان عبد الرحمن
المجتمع اتصلت بالشيخ راشد الغنوشي مؤسس حركة الاتجاه الإسلامي ووجهت إليه أسئلة عدة عن: رؤيته للحركة التي أسسها بعد عشرين عاماً.. ماذا فعلت بها المحن المتتالية وكيف يتحسس جروحها... هل نجح النظام التونسي في تحويلها من حركة فاعلة في المجتمع إلى حركة مهاجرة تعيش الغربة؟
ماذا عن المستقبل؟
وجاءت إجابة الشيخ راشد كذلك جملة واحدة كالتالي...
في الذكرى العشرين لولادة حركة الاتجاه الإسلامي، يبدو المشهد التونسي مختلفاً عما كان عليه في الفترة من ۱۹۹۰م - ١٩٩٥م، حيث عمت خطة الاستئصال على أن تجعل من النهضة مجرد قضية تاريخية، وكان تبشير السلطة كله قائماً على أن هؤلاء الإرهابيين، قد تم الحسم معهم نهائياً. وعمل النظام على تصدير هذا الاختراع إلى دول الجوار العربي، بل إلى العالم الإسلامي، حتى إنه في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي الأخيرة، حاول النظام التونسي إقناع قادة العالم الإسلامي بتبني هذه الخطة، أي مصادرة الإسلاميين جملة، لأنهم إرهابيون، وإن بدا بينهم خلاف فهو توزيع أدوار ولا شك أن تكاليف إقصاء النهضة كانت باهظة بلغت ٣٠ ألف مسجون ومئات من المعوقين وعشرات الآلاف من المنكوبين، ولم تتحمل النهضة هذه التكاليف، وإنما تحملها الإسلام ذاته، فقد منع الحجاب، وغلقت كتاتيب تحفيظ القرآن، ووضعت المساجد تحت الحراسة، وطردت الآلاف من النساء العاملات من وظائفهن بسبب إصرارهن على ارتداء الحجاب. ولم يقف الأمر عند الإسلاميين، بل امتد إلى الجميع، كما هو منطقي، إذا حل الطاعون بقوم فإنه لا يخطئ أحداً.
وأصبحت تونس حقل تجارب لاستئصال الإسلام والمشروع الإسلامي جملة، ووجد التمويل الدولي طريقه لتمويل خطة الاستئصال، وعلى أمل نقل التجربة إلى بلدان أخرى، لقد انتشر هذا الطاعون - الدكتاتورية والإرهاب حتى عم كل فئات المجتمع والأحزاب الجادة، بل وكل فئات المجتمع التونسي، فمنذ النصف الثاني من التسعينيات، بدأت السجون تستقبل اليساريين والشيوعيين والنقابيين وكل من رفع رأساً يطالب بحق، بل أصبح التونسي كلاً مباحاً وصارت أعراضه وأمواله وكرامته مستباحة من طرف النظام البوليسي القائم.
من هنا بدأ نمو الوعي، وأصبح واضحاً للجميع أن ضرب الإسلاميين لم يكن إلا خطة لضرب الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية، وأن دعم النظام المعتدي كان خطأ فادحاً، فبدأت سلسلة من المراجعات في أوساط العلمانيين والحقوقيين ولم تأت سنة ۲۰۰۱م، إلا والمجتمع المدني التونسي بمختلف أطرافه يقترب من النهضة، ويسعى إلى التنسيق والتعاون معها على أساس مقاومة الدكتاتورية، والدفاع عن الحريات العامة، وعن التحول الديمقراطي في البلاد، ومن ذلك البيان الذي تم التوقيع عليه في 19 مارس الماضي بين النهضة، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي تعد أهم فصائل المعارضة العلمانية.
وبدأت حركة مطالبة واسعة بإطلاق سراح المساجين وإصدار العفو العام والتنديد بسيطرة الدولة على القضاء والصحافة ومؤسسات المجتمع المدني، كما تندد بذلك القتل البطيء الذي يمارس على أكثر من ألف سجين إسلامي داخل السجون منذ عشر سنوات.
واليوم.. فإن الشعب التونسي بمختلف قواه يعلن عن ضرورة وضع حد للنظام البوليسي، ويؤكد على أنه لن يجدد عام ٢٠٠٤م لفترة رئاسية جديدة لابن علي، والجميع يعرف أن بن علي مصمم على تغيير الدستور لصالح تأبيد رئاسته للبلاد، وتأبيد سيطرته وأسرته على البلاد. إن هناك صحوة إسلامية، ومداً إسلامياً عارماً، خاصة بين الشباب، بعد أن أصبح الجميع
يدرك أن هناك خطراً على هويته. ومستقبل النهضة جزء من مستقبل الحرية في تونس، وإننا نلحظ بوضوح أن المجتمع التونسي يستشرف طوراً جديداً، ويتطلع إلى أسلوب جديد في الحكم لا يقوم على الهمجية والمافيا، وإنما على احترام الحريات العامة والتعددية، واستقلال القضاء، والتناوب عبر انتخابات نزيهة. وقد بشر مؤتمر النهضة المنعقدة في أبريل الماضي، بهذا التحول، وهذا الجو الجديد في تونس، وقد تلقى مختلف أطراف النخبة والقوى السياسية البيان الصادر عن هذا المؤتمر باستبشار وتفاعل كبيرين، وقد أعلنت النهضة في مؤتمرها رفضها العبث بالدستور ورفضها تأبيد رئاسة بن علي، لكنها في الوقت ذاته، أعلنت أنها لا تنوي تقديم نفسها في الانتخابات القادمة بديلاً عن بن علي في موقع الرئاسة، ولكنها ستختار وتدعم أي شخصية تونسية تعلن عن الالتزام بالخيار الديمقراطي في إطار الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية لتونس جاء قرار النهضة ذلك لتفويت الفرصة على بن على التخويف الغرب والنخبة التونسية بالنهضة، وقد أصبح الجميع يعرف أن القوة السياسية الشعبية الأولى هي النهضة، ولذا فإن كل الذين يطمحون لتولي السلطة يتجهون بتوثيق علاقتهم بها ...
لقد فشلت والحمد لله خطة السلطة في إقصاء النهضة واستئصالها، فالصحوة الإسلامية أصبحت عارمة والنهضة كحركة سياسية معتدلة تسعى كل القوى لتوثيق العلاقة معها، بما يجعل مستقبل التحول الديمقراطي مرتبطاً إلى حد كبير بها.
صحيح أن المحنة على امتداد عشر سنوات قد فعلت فعلها في النهضة، لكن تونسياً عارفاً بالوضع والشأن الداخلي لا يصدق أنها أصبحت حركة مهاجرة. كيف ذلك، والنهضة حاضرة داخل كل الفاعليات والقوى التونسية، بل يكاد الموقف بشأنها يمرق كل الأحزاب خلال النقاش الدائر داخلها بين الفرقاء الذين يرى جانب منهم ضرورة التعامل والتعاون معها، ويرى فريق آخر عكس ذلك.
إن النهضة حاضرة داخل كل حزب، بل وداخل كل بيت تونسي، فما من أسرة إلا ولها في النهضة فرد داخل السجن الصغير، والسجن الكبير في المهجر.
وأخيراً، فإننا متأكدون من أنه ليس هناك من أمل في التحول الديمقراطي في تونس دون الاعتراف الكامل بكل الاتجاهات والنهضة في القلب منها.