العنوان حركة الأقباط.. مؤامرة وحقيقة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1981
مشاهدات 66
نشر في العدد 541
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 01-سبتمبر-1981
صدق هذا التحليل في جانب وهو إدارة النظام للعبة الطائفية إلا أنه تحليل قاصر من عدة وجوه: * أحداث أغسطس ويونيو: حلقات في سلسلة متواصلة منذ عام 1971.
* الأقباط يركبون موجة الوطنية والعلمانية والاشتراكية لتحقيق مآربهم.
* نعم حرضت السلطة على الفتن لكنها كانت ضالعة مع الأقباط.
* دكتور قبطي يرفع شعار الوطنية ليقول: نعم أقباط! ولكن مصريون!
* حارب عبد الناصر جماعة الإخوان فشعر الأقباط بالراحة والأمان!
* السادات فتح الباب على مصراعيه للأقباط لكنهم يطلبون المزيد..
* التيار المصري الفرعوني هو التيار القوي وترعاه القيادات الدينية للأقباط!
* المراقبون يتساءلون: هل سيحدث في مصر ما حدث في لبنان؟
المتتبع لما تبثه أجهزة الإعلام العربية اليسارية حول الأحداث الطائفية الأخيرة في مصر يحسب أن هذه الحوادث ما هي إلا مؤامرة مفتعلة يقف وراءها نظام السادات لإشغال الرأي العام عن حقيقة الأوضاع التي آل إليها بسبب توقيع اتفاقات كامب ديفيد، ومعاهدة الصلح مع إسرائيل، وما يستتبعها من إجراءات التطبيع. ومع صدق هذا التحليل في جانب وهو ادارة النظام للعبة الطائفية الا انه تحليل قاصر من عدة وجوه:
* فالمراقبون المطلعون يقولون بأن السادات يستهدف من إثارة الفتن الطائفية الإيقاع بالجماعات الدينية وتوريطها بحوادث عنف مسلحة ليسهل عليه اصطيادها وضربها، باعتبارها القوة المعارضة الفاعلة في مصر، فيما يرى اليساريون أن السادات غذى الجماعات الدينية وسهل انتشارها!
* وتتابع الأحداث الطائفية منذ عام 1977 حتى أحداث يونيو وأوائل أغسطس الماضيين كشفت أن السلطة كانت على العكس تمامًا متورطة مع الأقباط.
* وتبين كذلك أن الأقباط كانوا دائمًا وراء إشعال الشرارة الأولى.
حلقات متسلسلة :
والناظر في التاريخ السياسي المصري منذ مطلع القرن العشرين وكما أوضحنا في مقال سابق «المجتمع عدد 467» يتبين كيف أن الأقباط ركبوا موجة «مصر للمصريين» «والدين لله والوطن للجميع» و«مصر الفرعونية» والدعوة الوطنية والعلمانية اليسارية جنبًا إلى جنب مع تقوية الكنيسة والكهنوت للتأثير في الحياة السياسية المصرية وصبغها بالصبغة النصرانية القبطية.
وبالرغم من تعاطف الكاتب عز الدين الطنطاوي بجريدة الوطن مع التحليل اليساري عمومًا، إلا أنه في هذه المسألة كان موضوعيًا إلى حدٍّ ما في مقال له بعنوان «حذار من إشعال الطائفية بمصر» نشر في الوطن يوم 25/6/81 حيث قال: «إن رصد ما نفذ من المخطط الطائفي استهلالًا مع إطلالة عام 1971 واستمرارًا حتى الآن، يضع أمامنا حصيلة وافرة من الشواهد والأدلة القاطعة بأن أحداث الزاوية الحمراء ليست سوى حلقة في سلسلة حلقات متتابعة ومترابطة، هي جزء من المخطط الكبير الذي رسم لمستقبل الوطن العربي بإبعاد مصر عنه، تشجيعًا من العناصر الطائفية المستشيخة والمتعصبة لهذا الهدف الذي يؤكد تخلي المصريين عن وشيجة العروبة تمهيدًا لتخليها بالتالي عن وشائجها الإسلامية، نأمل أن تحقق هذه العزلة مطامح طائفية في إقامة كيانات لها تتمتع بتأييد القوى النافذة، وتزرع في الأرض العربية بذور التمزق والتفتيت تحت شعار إنصاف الطوائف، ومنحها الحقوق التي تمارسها الأغلبية الساحقة سياسيًا واجتماعيًا».
وشهد شاهد من أهلها:
وبعيدًا عن الاستئناس بشهادات المسلمين التي نطمئن إليها بكل تأكيد، نريد هنا أن نبين على طريقة «وشهد شاهد من أهلها» كيف أن الأقباط لهم أهداف سياسية ثابتة في مصر التي يعتبرها البابا شنودة مستعمرة من قبل العرب والمسلمين.
والشهادة التي سنسوقها قد تكون طويلة نوعًا ما، ولكنها مهمة لأنها تصدر عن قبطي معروف هو الدكتور ميلاد حنا، وتأتي أهمية شهادة الرجل لكونه قبطيًا دكتورًا في الهندسة، أي من التكنوقراط الذي يوصفون عادة بأن ليس لهم اهتمامات سياسية! ولأنه في دراسته «نعم أقباط ولكن مصريون» ينحو منحى «وطنيًا» يتفق وخطط حزب الوفد واليسار المصري.
ولكي تكتمل الصورة نعرض للتاريخ السياسي القبطي كما أورده ميلاد حنا في الكتاب المذكور وفي بحث له منشور في مجلة دراسات عربية عدد نوفمبر 1977 مع بعض الإضافات والتوضيحات.
الأقباط على المسرح السياسي:
* من المعروف أنه منذ احتلال بريطانيا لمصر عام 1882 شهدت مصر صراعات سياسية ودعاوى كثيرة، ومن الناحية السياسية المحضة يمكن أن نقول بأنه كان هناك اتجاهات ثلاثة هي:
- القوى الوطنية المصرية التي نظرت إلى مصلحة «القطر المصرى».
- القوى المتعاونة مع الخلافة الإسلامية والتي عرفت بالمناداة بفكرة الجامعة الإسلامية.
- القوى الموالية للاستعمار البريطاني الجديد.
وقد اشتهر من الوطنيين آنذاك مصطفى كامل، الذي لم يعجب الأقباط بسبب أنه كان يخلط بين التيار الوطني والانتماء إلى الجامعة الإسلامية التي تمثل الولاء للخلافة الإسلامية، كما أشارت لذلك جريدة اللواء بتاريخ 9/1/1900.
* ونتيجة لذلك نشط الأقباط في بعض الأوساط «الوطنية» المصرية، وشكلوا عام 1907 حزب الأمة وجريدة «الجريدة» الناطقة باسم الحزب، وقد دخل في الشركة التي أصدرت «الجريدة» أربعة عشر عضوًا من الأقباط البارزين من أمثال بشري حنا وسينوت حنا وفخري عبد النور.
وفي عدد 9/1/1913 عبرت «الجريدة» عن الفكرة المحورية لهذا الحزب حيث قالت: «إننا نحن المصريين نحب بلادنا ولا نقبل أن ننتسب إلى وطن غير مصر، مهما كانت أصولنا حجازية أو بربرية أو شركسية أو سودية أو أوروبية».
وبفعل نشاط الأقباط هذا ظهرت قبل الحرب العالمية الأولى شعارات: «مصر للمصريين» و«مصر أولًا»، كما تميزت هذه الفترة بنقاش حول هوية مصر فيما إذا كانت إسلامية أو فرعونية أو مصرية أو حتى قبطية.
* وتعاون الأقباط مع سعد زغلول بأن طالبوا بريطانيا بعرض قضيتهم على مؤتمر الصلح، مما كان له أثر في إسماع شعار «الدين لله والوطن للجميع» «وعاش الهلال مع الصليب» أثناء ثورة عام 1919.
* وقد قام الأقباط في مناسبات عدة بدعوة بعض المسلمين للمشاركة في احتفالاتهم الدينية بحجة أنهم أبناء «وطن» إلا أن هذا لم يمنع من حوادث اقتتال طائفي على فترات متفاوتة.
* ومن الأحزاب التي تشكلت بثقل قبطي كذلك حزب الوفد بزعامة سعد زغلول الذي أصر على «المبالغة في عدد الأقباط في كافة المستويات القيادية في الحزب، وقد استمر الوفد في هذا الاتجاه بعد وفاة سعد زغلول، وتحت قيادة مصطفى النحاس، على أن اللافت للنظر أنه بالرغم من مرور ما يقرب من ستين عامًا على تأليف الوفد وطرح وتأكيد شعارات الوحدة الوطنية، إلا أن اسم الوفد المصري وحزبه ما زال مقرونًا بهذه المبادئ حتى الآن، ونلمس ذلك في أن قيادات حزب الوفد الجديد قد اختارت إبراهيم فرج «وهو قبطي» لكي يكون وكيلًا عن الحزب الاشتراكي عام 1977».
«دراسات عربية» نوفمبر 1979. وقد انضم الأقباط بالآلاف إلى هذا الحزب بعد تشكيله من جديد.
وهكذا وحتى ثورة يوليو 1952 يتبين أن الأقباط ركبوا موجة «الوطنية» «والديمقراطية» لتحقيق مكاسب سياسية، كما أنهم ركزوا من خلال هذه الشعارات على حرب فكرة الجامعة الإسلامية، والتشهير بالإخوان المسلمين أيضًا باعتبارهم التنظيم الوحيد الذي كان يعي خطورة اللعبة القبطية.
وماذا في عهد عبد الناصر؟!
يقول د. ميلاد حنا: «وظل الأقباط في حالة ترقب من بداية الثورة عام 1952 حتى تنفسوا الصُعداء في أواخر عام 1954 عندما اصطدم جمال عبد الناصر مع الإخوان المسلمين فشعروا بنوع من الأمان».
وقد برزت لديهم الناحية الطائفية خلال الفترة 1954- 1957 وهي الفترة التي حلت فيها جميع الأحزاب بما في ذلك حزبهم القوي «الوفد».
وقد ابتكر عبد الناصر أسلوبًا يضمن تواجد الأقباط، فأقفل عشر دوائر انتخابية اختيرت بدقة حيث يتركز الأقباط ويقتصر حق الترشيح عليهم وحدهم.
وقد أدى هذا إلى حصول الأقباط على عشرة مقاعد في مجلس الشعب عام 1957 الذي حل عام 1958 بسبب الوحدة مع سوريا.
ومنذ عام 1958 استغنى عبد الناصر عن نظام قفل الدوائر، واكتفى بحق رئيس الجمهورية في تعيين عشرة أعضاء في مجلس الشعب لتمثيل الأقليات، وجرى العرف أن يكون معظم هؤلاء المعينين من الأقباط.
* ومن المناسبات التي يتذكرها الأقباط في عهد عبد الناصر وهي افتتاحه الكاتدرائية الكبرى للأقباط بمنطقة الأنبا رويس بالعباسية في القاهرة، وذلك بمناسبة نقل رفات القديس مرقص من مدينة البندقية بإيطاليا إلى هذه الكنيسة الجديدة بالقاهرة، وكان كل ذلك بمناسبة مضى تسعة عشر قرنًا على وفاة القديس مرقص في الإسكندرية عام 68 ميلادية، وقد حضر الحفل رؤساء وملوك ومندوبون من كافة أنحاء العالم.
* ويلاحظ أن الأقباط في هذه الفترة قد ركبوا موجة «اليسارية» و«الشيوعية»، حيث تبين أن معظم أعضاء الحزب الشيوعي الذين اعتقلوا في عام 1964 كانوا من الأقباط، والعجيب أنه قد أفرج عنهم جميعًا ليعلن بعد ذلك عبد الناصر حربه على الإخوان المسلمين التي انتهت بإعدام الشهيد سيد قطب رحمه الله عام 1965!!
* ومنذ عام 1968 أخذ الأقباط ينشطون في حقل التبشير خاصة في المدارس الثانوية والكليات الجامعية، وتوجت هذه الفترة بانتخاب الأسقف شنودة عام 1971 باسم البابا شنودة الثالث الذي أصر على استمرار اجتماع الجمعة بالرغم من مشاغله ومسؤولياته، وبدأ هذا الاجتماع منذ افتتاح الكاتدرائية الكبرى بالعباسية عام 68 في عهد الأنبا كيرلس السادس، والتي كان من أثرها انتشار «الأسر الدينية» في كل كلية، وازدهرت اجتماعات الشباب داخل الأسوار الجامعية..
انطلاقة خطيرة:
ومنذ بداية السبعينيات لعبت القيادة الدينية دورًا كبيرًا في قيادة الأقباط سياسيًا، وأصبح الأنبا شنودة الزعيم الأول، وبقيادته تمت المصالحة مع البابا بولس السادس عام 73، وبين جميع الكنائس المصرية، وأخذوا يعقدون المؤتمرات المثالية، وأخذوا يعلنون عداءهم للإسلام والمسلمين وخاصة الإخوان المسلمين والجماعة الدينية الأخرى. كما أعلن شنودة الصيام احتجاجًا على دعوة تطبيق أحكام المرتد وأحكام الشريعة الإسلامية الأخرى، وسلسلة المجازر التي أشرنا إليها في المقدمة، والتي كان الأقباط وراءها بمعاونة السلطة في كثير من الأحيان.
الاختيار الأول:
وفي نهاية الدراسة يقول ميلاد حنا ص 100: إن هناك اختيارين لدى الأقباط المصريين، الاختيار الأول:
«وليس بالضرورة هو الأصوب، طريق تشده القومية المصرية والانتماء الفرعوني، ويرى أن الارتباط مع الغرب فيه مصلحة لمصر باعتبار أن دول أوربا الغربية وأمريكا تدافع عما أسماه تشرشل «حضارتنا المسيحية»، ويرى هذا الاتجاه أن البعد عن العرب فيه ضعف للإسلام، وبالتالي عدم سيطرة التيار الديني الذي يخشاه الأقباط ويرقبون حركته في حذر وترقب» ومن هنا كان هذا التيار متعاطفًا مع ما يسمى «السلام مع إسرائيل».
أما الاختيار الثاني فهو قد تبنى الأقطار العلمانية والابتعاد عن إقحام الدين في شؤون الدنيا والسياسة علاوة على تبني الأفكار الاشتراكية...».
ويستطرد «على أن الأمر اللافت للنظر في هذا الشأن هو أن سيطرة الهيكل القيادي لرجال الدين القبطي لم تسمح بعد بظهور ما يمكن أن يسمى بالتيار الديني المستنير الذي يتحالف مع الاشتراكية!»
ولما كان قد ذكر الكاتب أن أتباع الفكر الاشتراكي في مصر عمومًا يعتبرون قلة، فكأنه يقول: إن القيادات الدينية هي التي تمسك بزمام الأمور وهي التي تناصر التيار الأول...
ومن يدري فقد يكون قريبًا ذلك اليوم الذي تصبح فيه مصر كلبنان، فهل بعد هذا البيان يكابر المكابرون وتغشى أبصار المهزومين؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل