العنوان ورطة لحزب المحافظين وأصابع اليهود وراء الأزمة.. حرب قضائية بين الفايد والداخلية البريطانية
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد 1228
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
- وزير الداخلية البريطاني مايكل هاورد يهودي هاجرت عائلته من رومانيا إلى إيطاليا في عام 1938م
تشهد الساحة البريطانية حاليًا حربًا قضائية حادة بين كل من وزير الداخلية مايكل هاورد والمليونير المصري محمد الفايد، صاحب محلات هارودز الشهيرة، وذلك بسبب رفض هاورد منح الجنسية البريطانية للفايد وأخيه علي الفايد، ويأتي الرفض في سياق عدة محاولات قام بها الفايد على مدى السنوات الماضية من أجل الحصول على حق المواطنة مثل أي رجل أعمال أقام في بريطانيا عدة سنوات، غير أن طلبه كان يواجه دومًا بالرفض.
وعلى غير العادة، فإن الداخلية لم تكن تقدم سببًا وجيهًا لقرارها الرافض، إضافة إلى أن وزير الداخلية كان يتدخل شخصيًا في كل مرة من أجل ضمان رفض طلب الفايد، مثل هذا الإجراء التعسفي وغير المبرر حدا بآل فايد إلى طرح قضيته على المحكمة في محاولة أخرى لفتح ملف الجنسية من جديد، ويبدو أن الفايد قد ربح الجولة نسبيًا هذه المرة، حيث قضت محكمة الاستئناف الأسبوع الماضي بأن طلب الفايد للحصول على الجنسية البريطانية لم يعامل معاملة عادلة، وأنه من حق محمد الفايد أن يعرف أسباب رفض منحه الجنسية، ولا يقضي قرار المحكمة بمنح فايد الجنسية طبعًا، ولكنه يثير القضية من جديد، وبشدة هذه المرة في الدوائر السياسية والإعلامية، ويضع هاورد شخصيًا وحزب المحافظين عمومًا في حرج سيكون من الصعب الخروج من دائرته على المدى القصير.
وقد جدد قرار المحكمة الأمل عند الفايد وجدد عزيمته من أجل مواصلة حربه القضائية مع هاورد، حيث قال: «لو صمم السيد هاورد على موقفه، فإنني سأصمم أنا أيضًا على مواصلة القضية حتى أتمكن أنا وأخي من الحصول على الجنسية، فلن يقر لي قرار حتى أكشف الحقيقة»، والحقيقة التي يريد أن يكشفها فايد هي أن رفض هاورد منحه الجنسية تم لاعتبارات سياسية أكثر منها قانونية، فطبقًا للقانون، فإن الفايد يستحق الجنسية أكثر من الذين حصلوا عليها عن طريق الالتواء والتحايل، حيث أقام في بريطانيا لأكثر من 30 سنة، وهو أب لأربعة أطفال إنجليز، بالمعنى القانوني، كما أنه ومن الناحية الاقتصادية - ولها اعتبارات ضمنية قوية - صاحب أشهر وأغلى محل في بريطانيا «محلات هارودز» الذي يدر على الدولة ما يزيد على 3 ملايين جنيه إسترليني على شكل ضرائب، ويوفر لأكثر من 6000 إنجليزي العمالة في مشاريعه التجارية الواسعة.
هناك سببان أساسيان يشير إليهما الفايد في معرض كلامه عن الاعتبارات السياسية في الموضوع برمته أولهما: هو كون الفايد طرفًا قويًا في فضائح حزب المحافظين المتكررة، والمتعلقة برشوة بعض نواب الحزب لإثارة بعض القضايا في البرلمان، وهو عمل يتنافى مع مبادئ المهنة ويحول النائب إلى مجرد «نائب خدمات مأجور»، وقد دلت بعض التحقيقات على تورط الفايد في رشوة أحد نواب المحافظين للتقدم ببعض الأسئلة في البرلمان حول قضية تجنيس الفايد، ولم يخف فايد هذا التورط، على العكس سخره في الحرب الدعائية القائمة حاليًا بين أحزاب المعارضة لتشويه صورة الحزب الحاكم، وأيضًا كنوع من الضغط على وزير الداخلية هاورد لإعادة النظر في ملف الفايد، ويبدو أن هاورد لا يريد أن يورط نفسه بسبب هذه العلاقة الحساسة بين الفايد والحزب، غير أن نهاية هذا التعنت قد تفضي إلى المزيد من التعنت من جانب الفايد، وربما المزيد من الفضائح مستقبلًا من باب الانتقام الشخصي ورد الاعتبار.
أما السبب الثاني: فهو بالنسبة للفايد أكثر خطورة وأشد حساسية، وهو طبيعة العلاقة الشخصية بين وزير الداخلية مايكل هاورد وبين محمد الفايد - أو بالأحرى أعداء محمد الفايد - فمايكل هاورد هو أحد أقرباء المليونير البريطاني هارولد لاندي رجل الأعمال المشهور الذي كان ينافس الفايد في ملكية محلات «هارودز» وإلى آخر لحظة من انتصار الفايد كانت هناك حملات وجولات قوية من الصراع بين الاثنين - الفايد ولاندي - حول هذا المشروع التجاري الضخم، ولكن القضية لا تقف عند حد القرابة فقط، ولكن تتعداها إلى حد رد الجميل لصاحب الفضل، فلاندي هو صاحب الفضل الكبير في حصول وزير الداخلية مايكل هاورد على الجنسية البريطانية عندما قدم إلى لندن مرة مهاجرًا من رومانيًا عام 1938م، وقد نزحت أسرة هاورد اليهودية إلى جنوب منطقة وايلز البريطانية ضمن تدفقات الهجرة اليهودية إلى دول أوروبا الغربية، وكان رجل الأعمال لاندي هو الذي قدم كافة المساعدات المادية إلى والد مايكل هاورد من أجل مساعدته في الاستقرار في بريطانيا، وكان لاندي أحد أعضاء لجنة التجنيس التي ساهمت في منح مايكل هاورد الجنسية البريطانية، كما أن الأسرتين كانتا تعيشان معًا في إحدى المقاطعات اليهودية في وايلز، فوالدة مايكل هاورد - هيلدا - هي عمة المليونير لاندي، وتفيد المصادر أيضًا بأن لاندي كان قد دخل السجن في 1977م على أثر إفلاس البنك البريطاني – "الإسرائيلي"، وعدم قدرته على سداد الديون والمستحقات التي بلغت 20 مليون جنيه إسترليني، وكان لاندي في هذا الوقت مديرًا لهذا البنك وأحد المسؤولين عن هذه الأزمة، غير أنه خرج بعد ذلك من السجن واحتل منصبًا كبيرًا في إحدى الشركات التجارية المعروفة، وطبعًا، فإن هذه الصلات التاريخية والعائلية القوية تضع هاورد في حرج بالنسبة للموافقة على تجنيس محمد الفايد، غريم صاحب الفضل الأكبر هارولد لاندي.
ولا تقل قصة حياة وكفاح محمد الفايد عن قصة وزير الداخلية في الإثارة، إن لم تكن هناك أوجه تشابه كبيرة بين القصتين، وتحاول بعض الجهات الإعلامية – في سياق حملتها الداعية إلى تشويه صورة الفايد - فتح ملف أسرار ثرائه المفاجئ وسواء صحت المعلومات عنه أم لم تصح، فإن القضية الآن خرجت من دائرة الملف الشخصي إلى دائرة السياسات المرسومة في اتجاه معين، والتي تضع حزب المحافظين نفسه في وضع سيئ، ومن المقرر أن ينتقل ملف القضية برمته - قضية تجنيس الفايد - إلى مجلس اللوردات، حيث سيتوجب على هاورد الآن الإفصاح وبصراحة عن أسباب الرفض، والدخول من جديد في دوامة الاستجوابات والمزيد من تسليط الأضواء على القضية، وهذا ما يريده الفايد المبتهج بهذا النصر المؤقت، وما لا يريده حزب المحافظين الذي لا يزال يلملم جراحات فضائحه قبل الانتخابات القادمة، فمن سيكسب الجولة؟ القضاء يتربص القرار قريبًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل