; حرب شاملة عام 2006 | مجلة المجتمع

العنوان حرب شاملة عام 2006

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003

مشاهدات 60

نشر في العدد 1537

نشر في الصفحة 26

السبت 01-فبراير-2003

سيناريو معركة عالمية يرسمه مستشار عسكري للحكومة البريطانية يجمع بين الخيال والواقع.

*بعض ما تخيله الطيار البريطاني السابق يتحقق اليوم، والبعض الآخر خيال جامح يبالغ في تصوير خطر المسلمين على الغرب.

 

قد يكون هذا الكتاب ضربًا من «الفانتازيا» أو سيناريو لأحد أفلام هوليوود، لكن التجربة تجعل مثل هذه الكتب جديرة بالقراءة والاهتمام، إذا علمنا أن بعض الوقائع المهمة التي حدثت في العالم وفي منطقتنا على وجه الخصوص جرت في استوديوهات هوليوود وشاهدها جمهور السينما قبل سنوات من تطبيقها على أرض الواقع.

كتاب 2006 Total War أو «حرب شاملة عام ٢٠٠٦» من تأليف سيمون بيرسون، وهو يعمل حاليًا مستشارًا عسكريًّا للحكومة البريطانية بعد أن كان طيارًا في الجيش البريطاني. الكتاب وضعه بيرسون عام ۱۹۹۹، أي قبل هجمات ۱۱ سبتمبر وضرب أفغانستان، وقبل انتخاب الرئيس بوش، العراب الجديد للحرب على العراق.

 لقد كتب العديد من المؤلفات حول الحرب العالمية الثالثة التي لم تأت بعد، ولعل البعض كتب على نمط بيرسون، ولكن مع افتراض تواريخ أو مواعيد أخرى لهذه الحرب «المتوقعة»، أمثال سير جون هاكيت الذي توقعها خلال هذا العقد، وجوزيف إيرليخ الذي كتب الصيف الماضي «حرب عالمية عام ٢٠٠٣»، وإذا كانت الحرب التي يقصدها الكاتبان هي حرب تقودها الولايات المتحدة، فإن الحرب التي وضعها إيرليخ ضد العراق هي البداية التي وضعها بيرسون للحرب العالمية الجديدة، فبيرسون وإيرليخ يؤقتان للحرب على العراق هذا العام (۲۰۰۳)، وهي بالمؤشرات والمعطيات الحالية تسير نحو التحقق! إذن فالحرب المحتملة على العراق جزء مهم من الحرب الشاملة التي رسم بيرسون فصولها. 

الكتاب يرسم تحالفًا بعيد التصديق بين جمهوريات ودول في الشرق الأوسط يحكمها «أصوليون» مسلمون وروسيا التي يعود الشيوعيون لحكمها في انقلاب عسكري، إضافة إلى حكومات أوروبية يهمين عليها اليمينيون، كما يفترض حربًا بين الكوريتين وحربًا نهائية حتمية بين الكيان الصهيوني والأنظمة العربية التي يهيمن عليها إسلاميون مفترضون بقيادة كردي مسلم يعود من أوروبا ليوحد القوى الإسلامية «صلاح الدين جديد».

في هذا الكتاب الذي يقع في حوالي ٤٥٠ صفحة تغيب الشخوص الحقيقية، إذ لا أهمية لوجودها، والغريب أن الكاتب جعل رئيس الولايات المتحدة امرأة تقود العالم الحر أو الغرب إلى نصر كبير في الحرب المقبلة عام ٢٠٠٦ (!). 

وباعتباره ذا خلفية عسكرية فإنه يفرط في تفاصيل المشاهد العسكرية، بينما يقتصد في التصورات السياسية على الرغم من دورانه في فلك السياسة البريطانية والأمريكية وتصوراتها بخصوص الأعداء المحتملين. فالقادة والزعماء مجرد نكرات غير مهمة، والحرب تبدو وكأنها «هرمجدون»، تستخدم فيها كل الأسلحة بما فيها النووية، أما الشخصيات القليلة التي تبدو فهم مجرد مجاميع من قوات مشاة.

يبدأ الكتاب بحدث عادي حيث احتفال للبحرية الأمريكية ومغادرة أربع حاملات للطائرات ميناء سان دييجو في الساحل الغربي الباسيفيكي للولايات المتحدة، وهي تحمل طائرات إف ١٨ المقاتلة. وبعد ساعات على مغادرتها تتعرض الحاملات الأربع لهجوم صاروخي روسي متزامن مع هجمات من انتحاريين إيرانيين عليها (!) والنتيجة مقتل ثلاثة آلاف جندي أمريكي على متنها. 

ثم يعود الكتاب على طريقة الفلاش باك إلى عام ۲۰۰١ حيث تنتهي الحرب الأهلية في الجزائر -كما افترض المؤلف- بعد أن يسيطر عليها أصوليون مسلمون يتوحدون ضد عدو مشترك هو فرنسا (!) وفي أيرلندا الشمالية تنهار عملية السلام، ويتحول المغرب إلى الحكم الإسلامي، ويقوم الجيش في تركيا بانقلاب لمنع الحكومة فيها من التحول إلى الحكم الإسلامي. وفي ألمانيا ينتخب الشعب حكومة يمينية، وتتنصل الولايات المتحدة من مسؤولياتها تجاه قوات حفظ السلام الدولية، بينما يقوم الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا بسد الفراغ الذي تتركه القوات الأمريكية، وبسبب ذلك تندلع الحرب مجددًا في البلقان وتضطر الولايات المتحدة للتدخل فيها من جديد. ويتزامن ذلك مع إعلان كوريا الشمالية عن إنتاجها أسلحة نووية، وهو ما يتسبب في حرب بين الكوريتين تتدخل الولايات المتحدة فيها بأسلحتها الجوية والبرية والبحرية. وفي غضون ذلك تغتنم الصين فرصة انشغال العالم في الحرب بين الكوريتين وتحاول غزو تايوان، لكن القوات الأمريكية تغرق الأسطول البحري الصيني عن بكرة أبيه. ويتدخل الموساد الصهيوني ليعلن أن العراق ينتج أسلحة نووية، فتهاجم كل من الولايات المتحدة وبريطانيا العراق وتجبرانه على الاستسلام، ويكون ذلك في العام ۲۰۰۳ (!).

وفي أوروبا، يستولي الجيش الروسي على الحكم في موسكو ويعود الشيوعيون لحكمها من جديد، وتزداد مشكلات روسيا الاقتصادية إلى أن تصل إلى وضع خطير يدفعها لغزو دول البلطيق التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق.

ونصل إلى العام ۲۰۰٥ حيث حلف الأطلسي «ناتو» يسيطر على أوروبا كلها ويقع الاتحاد الأوروبي في مشكلات كبيرة، لكن الأحزاب اليمينية تهيمن على الدول الأعضاء التي تقوم بطرد المهاجرين من أراضيها، وتحدث أعمال شغب في باريس يقوم بها المهاجرون العرب والمسلمون، ثم تنطلق صواريخ سكود من الجزائر التي يسيطر عليها الإسلاميون فتدمر مدينة مرسيليا. في هذا العام تكون غالبية الدول الممتدة بين باكستان والمغرب تحت حكم الإسلاميين، ثم يقوم مهندس نمساوي مسلم من أصول كردية (!) بتوحيد كل هذه الدول تحت اسم التحالف الإسلامي. 

إذن فالحرب التي يتصورها بيرسون في كتابه تدور بين حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة من جهة، وحلف جديد ناشئ بين التحالف الإسلامي وروسيا الشيوعية (!) وتنجح روسيا بغزو إستونيا ولاتفيا وتعلن الأحكام العرفية في كالينجراد التي تطمع ألمانيا بها. تتحرك ألمانيا للدفاع عن ليتوانيا وتقوم قوات الناتو بإنزال برمائي جنوب لاتفيا وتندلع الحرب بين روسيا وحلف الناتو في منطقة البلطيق. 

ويعود بنا الكاتب إلى مجزرة حاملات الطائرات في سان دييجو عندما تتلقى البحرية الأمريكية ضربة قوية، يقوم الناتو بضربات جوية انتقامية ضد التحالف الإسلامي، لكن الدفاعات الجوية الإسلامية تكبد طيران الناتو خسائر لم يكن يتوقعها، وينجح التحالف الإسلامي في تحييد قوة الناتو الجوية.

 ويستغل التحالف الإسلامي انشغال الناتو بالحرب مع روسيا فيحاول غزو «إسرائيل». ينشر الناتو قواته في تركيا لحرب على نمط عاصفة الصحراء هذه المرة لمنع التحالف الإسلامي من الوصول إلى حدود إسرائيل، لكن انتشار الناتو في تركيا يستغرق وقتًا طويلًا، فيكون التدخل لإنقاذ «إسرائيل» ومنع تحرك القوات الإسلامية نحوها متأخرًا. الدبابات الصهيونية في صحراء النقب تحاول مشاغلة الدبابات القادمة من الحدود المصرية، وتنجح الصواريخ المصرية بتدمير الطائرات الصهيونية، لكن معركة الدبابات هذه تنتهي لصالح إسرائيل على الرغم من تكبدها خسائر فادحة (!) ثم تتساقط صواريخ سكود وغيرها من الصواريخ على إسرائيل، وتظهر أعراض مرض الجدري في تل أبيب بسبب استخدام القوات الإسلامية للأسلحة الجرثومية، وفي ظل تردد الناتو وتقاعسه عن نجدة إسرائيل يوشك الكيان الصهيوني على النهاية، ويسقط المزيد من الصواريخ عليه، ثم يتحرك الجيش الإسلامي لغزو الكيان الصهيوني، فلا يبقى أمام تل أبيب سوى خيار واحد وهو استخدام قنابلها النووية (!!)

هناك مبالغة بالتأكيد في تصوير تحالف المسلمين ونشوء حكومات «أصولية» بديلًا عن الحالية، وعلى الرغم من أن هذا السيناريو يدغدغ مشاعر كثير من المسلمين ويتوافق مع تفكيرهم الرغائبي، فإن هذه المبالغة في تشكيل التحالف الإسلامي وسقوط الحكومات الواحدة تلو الأخرى وخلال فترة لا تزيد على سنتين أو ثلاث يجعل من الصعب توقع مثل هذا السيناريو، كما أن هجوم تحالف المسلمين على «إسرائيل» يبدو وكأنه يعطي هذا الكيان المسخ الحق في الاحتفاظ بقوته النووية، بل واستخدامها ضد المسلمين. أضف إلى ذلك الخيال الجامح في تصوير خطر المسلمين على الغرب، والصواريخ «الإسلامية» التي تتساقط على فرنسا من الجزائر، والقنابل البشرية الإيرانية التي تدمر حاملات الطائرات الأمريكية في بلدها. فكل ذلك يحتوي قدرًا كبيرًا من التحريض على المسلمين وتصويرهم خطرًا عالميًّا محتملًا (!) 

إلا أن الكتاب الذي وضعه صاحبه عام ١٩٩٩ يحتوي على عدد من السيناريوهات القابلة للتصديق، وربما نلمس ونرى إرهاصات عدد منها، فالحرب على العراق هذا العام كما توقعها بيرسون بدأت إرهاصاتها بعد انتخاب الرئيس الأمريكي الحالي وقد تأتي قريبًا، وحرب الكوريتين لها الآن ما يبررها بعد إعلان بيونغ يانغ عن برنامجها النووي، وربما ساعدت هجمات ١١ سبتمبر على الولايات المتحدة إلى حد ما في الترويج للخطر القادم من الأصوليين الإسلاميين على الغرب، وهو الخطر نفسه الذي روج له الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون بعد انتهاء الحرب الباردة.

 وإذا كان بيرسون يبرر الهجوم المحتمل على العراق بالانتقام من تدمير حاملات الطائرات في سان دييجو ومقتل ثلاثة آلاف جندي من المارينز على أيدي انتحاريين إيرانيين، فهل تكون هجمات ۱۱سبتمبر ومقتل ثلاثة آلاف شخص في برجي مركز التجارة العالمي عام 2001 مبررًا أو مدخلًا لهذه الحرب المحتملة على العراق من وجهة النظر الغربية؟ هذا ما يخشاه بيرسون؛ إذ صرح لاحقًا بأنه يخشى من قيام الإدارة الأمريكية بتصعيد الموقف مع العراق بالطريقة التي تنبأ بها في كتابه (!) فالوضع في العراق ليس كالحال في أفغانستان. كما أن الربط بين ما يسمى بالإرهاب الدولي دون تحديد مصدره والعراق، مسألة روج لها المسؤولون الأميركيون في أكثر من موقف كنائب وزير الدفاع بول وولفويتز وريتشارد بيرل رئيس مجلس السياسات الدفاعية الذي يقدم استشاراته للبنتاجون وفي تصريح لبيرل قال فيه: «لا يمكن أن نحقق انتصارًا في الحرب على الإرهاب ما دام صدام حسين باقيًا في السلطة».

قد يكون من الأفضل تصنيف هذا الكتاب ضمن الكتب الروائية وليس ضمن كتب التاريخ المستقبلي أو حتى الكتب العسكرية، على الرغم من احتوائه على مشاهد عسكرية كثيرة، وهو بالتأكيد ليس من فصيلة الكتاب الذي وضعه الجنرال سير جون هاكيت «الحرب العالمية الثالثة»، الذي يعد من الكتب العسكرية الاستراتيجية المعتبرة.

الرابط المختصر :