; مقال: 1282 | مجلة المجتمع

العنوان مقال: 1282

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يناير-1998

مشاهدات 73

نشر في العدد 1283

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 06-يناير-1998

حرب رمضان: الإعداد والموعدة

بقلم: الدكتور حلمي محمد القاعود[1]

تأبى بعض القوى السياسية في مصر إلا أن تشغل الناس ببعض القضايا الهامشية، وتترك الأمور الرئيسية بعيدًا عن دائرة الاهتمام العام... وذلك في تصوري خطأ يصل إلى حد الخطيئة؛ لأن الكلمة في هذا الأوان ينبغي أن تتوجه إلى استخلاص حرية الوطن والأمة من أيدي لصوص الحرية والاستقلال الخارجيين والداخليين على حد سواء.

ولا أظن التعصب الحزبي أو السياسي، يسوّغ لبعض القوى أن تفرق في تعصبها لدرجة الافتراء على الله والدين، وفي الوقت ذاته تتصور أن سلوكها يمكن أن يغطي على الخطايا التي اقترفها قادتهم وزعماؤهم... وبدلًا من محاولة الخروج من دائرة الخطايا، فإنهم يصرون على الحفر في داخلها والتمترس بين جدرانها.

وأحدث قضية أثاروها هي السخرية من علماء الدين الذين تحدثوا عن نصرة الله للجيش المصري في حرب رمضان ودعمه بالملائكة، وقالوا إنها خرافات وأساطير تلغي استعداد الجيش وتدريباته واستخدام الأساليب العلمية في القتال.

إنهم يصورون المسألة في إطار «دروشة» لا تعرف طريقها إلى العلم أو العمل أو التخطيط، والمسألة ليست كذلك بالتأكيد، فنحن نعرف الله دون أن نراه عن طريق الفطرة والعقل ثم الوحي، ومن يعرف الله يثق في قدرته على تسيير الكون وفق قدره ومشيئته... ومن ثم فلا تناقض بين دعمه لبعض عباده بالملائكة في القتال، وبين أخذ هؤلاء العباد بالأسباب في الحرب والمواجهة... يقول الحق تبارك وتعالى ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: 60)، فالأمر الإلهي هنا واضح وصريح في ضرورة الأخذ بالأسباب، وإعداد ما يقدر عليه المسلمون من القوة وعناصرها، وإن لم يفعلوا فعليهم أن يتحملوا النتائج أيًا كانت، وعلماء الفقه والشريعة يقولون إن أركان الجهاد أربعة، هي: خروج الأعداء على المسلمين، ووجود الإمام «القائد»، والعدة، والثبات عند لقاء العدو، وسنة الجهاد هي: التحريض على القتال؛ لأن الحق تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (الأنفال: 65).

الإعداد هو مناط النصر والرضا من الله، وبدون الإعداد فلا نصرة ولا رضا من الله، وقد رأينا الجيش في عام 1967م يتلقى الهزيمة التي لم تنمح مرارتها من حلوقنا حتى اليوم، لأن قادته اعتمدوا على التهويش والخطب الرنانة، من عينة «أنا مش خرع زي مستر إيدن»، و«نحن نمتلك أقوى سلاح جوي في الشرق الأوسط»، ثم طرد قوات الأمم المتحدة، وإغلاق مضايق تيران دون القدرة على الدفاع عنها، مع تشتيت الجيش المصري أو قواته الفعالة على هضاب اليمن وأدغال الكونغو.

كان التبجح بالقوة دون اتخاذ لأسبابها الحقيقية طريق الندامة، الذي يدفع ثمن السير فيه حتى الآن وربما إلى وقت بعيد، الشعب المصري والشعوب العربية والإسلامية جميعًا، وبالطبع فإن أركان الجهاد الأربعة التي لم يتحقق منها إلا ركن واحد وهو خروج العدو علينا.

والعكس تحقق في حرب رمضان الماجدة، فقد كان القائد مشغولًا بالحرب الحقيقية ووقع قرارها بناء على إعداد ما استطاعته الدولة مع إيمان بنصرة الله، وكان العبور، وكان فرار الأعداء وقبل ذلك وبعده كان توفيق الله ومساندته لجنوده الذين رفعوا راية الانتماء لله، وهتفوا من قلوبهم وأعماقهم: الله أكبر.

الإعداد كان حقيقة، واستجابة لأمر الله ﴿وَأَعِدُّوا ...﴾.

والموعدة كانت النصرة والمساندة من الله.

نصرة الله من ثوابت الإسلام بنص القرآن الكريم، والذين ينكرونها يتجاوزون حد التفكير السليم، وليتهم يعودون إلى دروس الهزيمة عام 1967م، حيث كان الزعيم وأعوانه لا يتعاطفون مع التصور الإسلامي من قريب أو بعيد، ومع ذلك فقد وضع شعبه وأمته في أسوأ وضع على مدى التاريخ، والناس في بلادنا ليسوا على استعداد للتخلي عن دينهم من أجل حفنة تدعي العقلانية والموضوعية، لأن الناس ببساطة يدركون ألا تناقض بين العلم والدين، بين الإعداد المستطاع والموعدة المؤكدة، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وليت القوم يكفون عن العبث بعقولنا وواقعنا، وينصرفون إلى ما هو أهم وأجدى، أعني التوبة والاستغفار عن خطايا زعمائهم، والاهتمام بالحرية والاستقلال.

إرهابيو الأمس.. بعيون أمريكية اليوم!

عندما تكون مبادئ ديمقراطيات النظام العالمي الجديد ملاذًا للتناقضات على الساحة الدولية، تبرز على السطح منظومة: اللاحق يلغي السابق على قارعة الطرق، بعد سقوط قناع الأخير واستهلاك وجهه الأثيم، على طريقة الناسخ والمنسوخ، ومن ثم تسقط معه كل الحسابات السابقة وبحسب المصالح والأحقاد الدولية المرجوة، والكامنة خلف الكواليس، خاصة بعد التأكد من الأضرار الجسيمة التي يسببها ذلك الوجه المهترئ، فيبقى الجسد ويتغير القناع، وتتعدد الأسباب والأصل واحد، فبالأمس القريب إرهابي، أما اليوم فهو «أخونا» ما دام الحصار على الإسلام وأهله الهدف الأسمى.

والقصة وما فيها أن من بين مخلفات ما يسمى بالحرب الباردة، كائن بشري اسمه «لوران كابيلا»، والذي وصف في السابق بـ«ثوري أدغال القارة الإفريقية»، حيث كان تلميذًا لإرهابي ذلك الزمان في الستينيات «تشي غيفارا»، والذي كان راعيًا ومصدرًا للثورات الشعبية الشيوعية، إلى مختلف العالم، فقد قاد الاثنان حركة التمرد «السيمبا» على الحكومة الزائيرية آنذاك، لكن الظروف لم تكن لصالحهما بعد الهزائم التي منيا بها بقيادة المرتزق «مايك المجنون» عميل المخابرات الأمريكية، فلجأ كابيلا ورفاقه إلى دار السلام واختفى اسمه وراء الظلام، بعد أن زاد الطين بلة وتعقيدًا سقوط وانهيار المعسكر الشرقي، فأصبح ظهره مسنودًا إلى الهواء، فعاد من جديد بقناع آخر، في وقت أحرج فيه موبوتو رئيس زائير السابق النظام العالمي الجديد بسياساته الخرقاء، فارتضته بديلًا لسلفه، وخاصة أنه يمثل الحلقة الأخيرة لإحكام القبضة حول البحيرات العظمى منبع نهر النيل وشريان حياة مصر والسودان وأقصد بهما أوغندا ورواندا وبوروندي المساندة لحكومتي إريتريا وإثيوبيا، واللتين أثبتتا مؤخرًا عمالة لإسرائيل والمخابرات المركزية الأمريكية بقيادة وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت التي التقت عند زيارتها الأخيرة للعاصمة الأوغندية كابيلا هناك، وأعلنت إعلانًا سافرًا بوجوب إسقاط النظام السوداني، وبهدف الضغط على مصر لتبنيها سياسات المعارضة في عدم القبول بالسلام «النتنياهو».

وفي السودان كان جون جارانج وما يبثه من رعب وتقتيل وتدمير في ربوع السودان بهدف الانفصال عن الجنوب وتهديد الأمن القومي للدول العربية يعد إرهابيًا خارجًا عن إرادة الأمة العربية، ونتيجة للهزال الذي أصاب الأمة بعد غزو الكويت، وما نتج عنه من دمار وما آل الأمر إليه من ازدياد الطلاق العربي، في تلك اللحظة الحالكة أعطى جارانج الضوء الرومانسي الأخضر ليصول ويجول هو وتحالفه البغيض بهدف إسقاط لا أقول الحكومة السودانية فحسب، بل لإسقاط ما تؤمن به المنطقة العربية من أن دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، كما هو في دستور مصر والتي زارها جارانج في بداية ديسمبر المنصرم، بل ذهب إلى أبعد من هذا حيث أبان سريرته الخبيثة، بعد فشل مؤتمر نيروبي «إيجاد» بالمطالبة بفصل الدين عن الدولة بهدف علمنة المجتمع السوداني المسلم عن طريق إسقاط الحكومة.

وقد حاول جارانج جر الدول العربية والزج بها في دائرة الخروج على إرادة الدين ومصادمة شعوبها الإسلامية باتباع سياسة فصل الدين عن الدولة جاء ذلك في نص حديثه الذي تناقلته وسائل الإعلام: «أنه لن يكون هناك إطلاق لوقف النار حتى يتم إيجاد الحلول المناسبة حول أسس قيام سودان جديد يتحقق فيه فصل الدين عن الدولة والوحدة الوطنية».

ومن العجيب حقًا أن تستضيف مصر جارانج الإرهابي، وتستصرخ في الوقت نفسه، بل وتنحى باللائمة على دول مثل بريطانيا وفرنسا بسبب تأمينها حق اللجوء السياسي لمن تسميهم بـ«الإرهابيين»، وتنسى أنها تعاملت مع إرهابي عتيد، بل زاد الطين بلة ظهور النوايا المخبوءة لدى جارانج إبان زيارته الأخيرة إلى مصر وتحركات أمريكا بقيادة وزير خارجيتها أولبرايت والتي جمعت الأضداد والوجوه المتناقضة بأقنعة جديدة وفي سلة واحدة في العاصمة الأوغندية مؤخرًا، وتم الاجتماع الذي يهدف إلى إسقاط الحكومة السودانية ولو بالقوة العسكرية ودعوة أولبرايت لإقامة دولة عظمى في منطقة البحيرات، مما أثار حفيظة مصر لأن الأمر يعني تهديد مصادر المياه وتعريض الأمن القومي للخطر، فكانت «رب ضارة نافعة»، تحركت على إثرها مصر والسودان في سبيل تنقية الأجواء وتحسين العلاقات بهدف تفويت فرص المؤامرة، مع تكثيف اللقاءات المتبادلة على مستوى وزراء الخارجية لتهيئة البلدين لاستقبال الرئيس السوداني في زيارة مرتقبة.

لا شكّ أن سياسة الإرهاب على مستوى الدولة والتي تمارسه الولايات المتحدة مما لا ينبغي السكوت عليه، خاصة إذا تحرك بعض الأعلام بواسطة الريموت كنترول ليفهم مصطلح «الإرهاب» وفق ما يريده أعداء الأمة، ولا يشك أحد أن هناك من سينظر بعين واحدة وبضغط أمريكي، فيتبنى منطلقات غربية لمواجهة الإرهاب تختلف كلية عمن سينظر بكلتا عينيه، وأملنا فيهم كبير- إلى منطلقات «وسطية» لا غلو فيها ولا إجحاف، ولا تربط الإسلام ولا تلصقه وأتباعه بممارسات آنية ومستقبلية لا مسؤولة مما هو شخصي أو من فعل جماعة سلبية أو مغالية.

نزار النصار

الحصار الأمريكي للسودان

بقلم: محمد صلاح الدين[2]

طالب الرئيس السنغالي عبدة ضيوف في مؤتمر القمة الإسلامي في طهران برفع الحصار الدولي عن ليبيا، كما طالب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات برفع الحصار عن العراق، لكن أحدًا من العرب والمسلمين لم يطالب برفع الحصار عن السودان وإيقاف الحملة الأمريكية الظالمة لتهديد أمنه واستقراره ووحدته.

وفي إجراء غير مسبوق انتقلت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت إلى إفريقيا لتزور الدول المجاورة للسودان وتجتمع رسميًا وبطلب منها بقادة التمرد والمعارضة السودانيين وتحرضهم علنًا على الإطاحة بنظام الحكم السوداني حتى بالقوة العسكرية، وكل ذلك خروج عن أبسط قواعد القوانين الدولية وأصول العلاقات الدبلوماسية.

ومن المؤسف أن تكون الاتهامات الأمريكية للسودان بتشجيع الإرهاب وممارسة الاضطهاد الديني وخرق حقوق الإنسان هي مجموعة أكاذيب، وأن يكون إعلان أولبرايت بأن السودان هو التهديد الوحيد لجيرانه وللأمن والمصالح الأمريكية في القارة الأفريقية زعمًا هزليًا مضحكًا لا يمكن أن يصدقه أو يقبله أحد، وخاصة أن جيران السودان هم الذين يقومون علنًا بغزو وتهديد أراضيه.

ويزداد الأمر غرابة حين نعلم أن السودان الشقيق قد استطاع رغم الحصار الأمريكي خلال السنوات الخمس الماضية أن يحقق إنجازات ضخمة لبناء اقتصاده الوطني واستثمار ثرواته واستكمال بنيته التحتية، كما استطاع ولأول مرة في تاريخه الحديث بسط سلطانه وسيادته على كافة أراضيه وتحقيق السلام مع كافة فصائل التمرد باستثناء جون جارانج، وكأنما أقلق كل ذلك الإسرائيليين فاستنفروا الأمريكيين لتحطيم السودان وتمزيقه.

إن السودان المستقل القوي المزدهر لا ينسجم بالتأكيد مع المخطط الإسرائيلي للسيطرة على البحر الأحمر ومنابع النيل، ومن هذا المنطلق يمكن أن يشكل تهديدًا لأمن ومصالح الإسرائيليين وخاصة أن السودان قد استنكف حتى الآن أن يشارك في مهازل السلام والعلاقات مع إسرائيل، ويبدو أن فلول الإقطاع والطائفية والفاشية الذين يشكلون المعارضة السودانية في الخارج قد أصبحوا هم الخيار الأمريكي لقيادة السودان.

وأيًا كان الأمر فإن السودان هو ركيزة للأمن المائي والغذائي للوطن العربي كله، وهو كذلك بوابة العرب والمسلمين للقارة الإفريقية وعلى العرب والمسلمين أن يتحركوا سريعًا للوقوف في وجه هذه السياسات الأمريكية الطائشة وغير المدروسة كما وصفها السير سيريل تاونسند السياسي والبرلماني البريطاني المعروف «الحياة 9/ 8/ 1418هـ» لأن أيًا من الدول العربية يمكن أن تواجه يومًا ما هذا الجبروت الأمريكي المسخر لخدمة إسرائيل.

[1] أستاذ النقد الأدبي بجامعة طنطا- مصر.

[2] كاتب سعودي.

الرابط المختصر :