العنوان حرب العطش ضد مصر..
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 08-يونيو-2013
مشاهدات 67
نشر في العدد 2056
نشر في الصفحة 15
السبت 08-يونيو-2013
«سد النهضة» الإثيوبي الذي صاحب الإعلان عن بدء إنشائه على نهر النيل حالة من الاستنفار في مصر هو ثمرة طبيعية لمخططات تم الترتيب لها بعناية، وجرى العمل على تنفيذها خلال عقود طويلة ماضية، ولن يكون هذا السد هو الأخير، بل هو نقطة البدء لسلسلة من السدود ستقيمها إثيوبيا، متجاهلة كل المعاهدات والاتفاقيات حول المياه مع مصر، وسلسلة السدود الإثيوبية التي يجري التحضير لها تأتي ضمن سلسلة أكبر من مشاريع المياه تعتزم دول حوض النيل تنفيذها.. وكل تلك المشاريع ستؤثر بلا شك على حصة مصر من مياه النيل، وستؤثر إن حدثت -لا قدر الله- على حياة الشعب المصري.. هي قضية حياة أو موت.
والتوقف في الدراسة والنقاش عند «سد إثيوبيا» فقط هو اجتزاء للقضية، وتسطيح لها ، وأعتقد أنه حتى يمكن لأي متابع فهم القصة كاملة؛ فإن عليه فهم ما جرى خلال العقود الأربعة الماضية في القرن الأفريقي جوار إثيوبيا الاستراتيجي، وما جرى في السودان حتى تم اقتطاع جنوبه ومن الأهم دراسة ملف حروب المياه الصهيونية على المنطقة العربية.
قطيعة نظام «مبارك» لأفريقيا وخروجه مختاراً من منطقة القرن الأفريقي ومنطقة البحيرات العظمى أحدث فراغاً كبيراً ملأته الشركات الغربية، وفي القلب منها الكيان الصهيوني، وكما هو معلوم، فقد كان القرن الأفريقي عمقاً استراتيجيًا لمصر منذ عصور سحيقة، وكان التواجد المصري العلمي والفني والشعبي والرسمي عند البحيرات تواجدًا حيًا ومرحبًا به من الجميع.
لكن النظام السابق انسحب تاركاً الفراغ تماماً للغرب والصهاينة، وقد روى أحد المسؤولين الصوماليين أن لقاء جمعه مع أحد سفراء مصر في الصومال في عهد «مبارك» يرجوه إبلاغ القيادة المصرية عدم إدارة ظهرها للصومال، وتنشيط التواجد العلمي والفني والاستثماري، وقد وصل إلحاح المسؤول الصومالي على السفير المصري حد البكاء من رجل يحب مصر؛ لأن نتيجة انسحاب مصر من القرن الأفريقي ستتسبب في نتائج وخيمة، خاصة على حق مصر في مياه النيل، وها هو «مبارك» أصر على الانسحاب لصالح الصهاينة والغرب، وتمت السيطرة التامة على المنطقة خاصة بعد تقسيم الصومال إلى خمس قطع.. قطعتين تحتلهما كل من إثيوبيا وكينيا، والباقي دول مستقلة ولا وجود لمصر فيها، فبات ملعب القرن الأفريقي مؤمن لصالح الغرب والكيان الصهيوني.
ومن ناحية ثانية، أسوق هنا الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء يوم الثاني من يناير عام (٢٠٠٤م) ويقول: «كشف تقرير ياباني خطير من العاصمة الأوغندية كمبالا أن دول شرق أفريقيا التي تضم داخل حدودها بحيرة «فيكتوريا» (أكبر بحيرة للمياه العذبة في أفريقيا والمنبع الرئيس لنهر النيل) تخطط لفرض المزيد من سيطرتها على منابع النيل، والحصول على حق بيع المياه إلى مصر والسودان.. وأن طلبًا بذلك تم تقديمه في شكل اقتراح إلى برلمان دول شرق أفريقيا الذي يتكون من أوغندا وتنزانيا وكينيا في يونيو من عام ۲۰۰۳م.. وبالتزامن مع السعي لبيع مياه النيل لكل من مصر والسودان، يسعى برلمان دول شرق أفريقيا لإعادة النظر في اتفاقية مياه النيل الموقعة عام ۱۹۲۹م والتي تمنع دول حوض النيل من استخدام بحيرة فيكتوريا دون إذن من مصر».
«وقد دخلت أطراف دولية عديدة، ومنها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بطريق غير مباشر لدعم هذه الحكومات، وتشكيل عنصر ضغط دولي على مصر للاستجابة لتعديل اتفاقية مياه النيل، لكن هذه المساعي فشلت تمامًا»، والهدف معلوم وهو الإمساك «بسيف المياه» أو «سيف الحياة»، وتسليطه على رقاب الشعب والقرار المصري!
وهنا وجبت الإشارة بقوة إلى أن الاستحواذ على مياه المنطقة «مياه النيل، دجلة والفرات مياه الأنهار اللبنانية مياه الأردن، مياه الآبار والمياه الجوفية في فلسطين» تمثل أهم المحاور في المشروع الصهيوني لاحتلال فلسطين، وقد تم التفكير والتخطيط ووضع تصور كامل في هذا الصدد ضمن التخطيط لاحتلال فلسطين، أي قبل أن تصل العصابات الصهيونية لأرض فلسطين.
وما ذكرته وثيقة صهيونية وعلق عليها د. عبد الله الأشعل، أستاذ القانون الدولي، ومساعد وزير الخارجية الأسبق، والخبير في الشؤون الأفريقية (مايو ۲۰۱۰م – إخوان أون لاين)، وتطالب بتدويل النزاع بين دول منابع النيل السبع من جهة، ودولتي المصب (مصر والسودان)، لم تضف هذه الوثيقة جديدا سوى أنها أكدت مساعي الكيان الصهيوني لاحتلال النيل وتدمير المصالح المصرية!
لقد أدرك القائمون على التخطيط للمشروع الصهيوني جيدًا خطورة أزمة المياه التي يمكن أن تحرق الكيان على من فيه إذا تفاقمت، ولذلك احتل بند سرقة المياه العربية من الدول المجاورة جانباً كبيراً في الفكر الصهيوني، وكانت مقايضة الصهاينة الطرف العربي على مياهه حاضرة على موائد مفاوضات السلام المسمومة منذ «كامب ديفيد» عام ١٩٧٨م حتى اليوم، وقد نجح في ذلك كما نرى إلى حد بعيد.
هذه القضية تنشغل بها مراكز الدراسات الدولية والخبراء على مستوى العالم منذ بدايات القرن الماضي (العشرين).. وقد ازدحمت المكتبة العربية بكم هائل من الدراسات بشأنها في الربع الأخير من القرن العشرين، ومازالت المكتبة العربية والأجنبية تستقبل المزيد، لكن على قدر اهتمام مراكز الدراسات والخبراء بتلك الحرب وتحذيرهم عبر بيانات علمية موثقة من أن المنطقة العربية -بالذات- مقبلة على حالة من القحط الشديد ستكون سببًا في إشعال أخطر الحروب، إلا أن العالم العربي وفي القلب منه مصر لم يلتفت بعد إلى البدء في صياغة استراتيجية موحدة لمواجهة ما تنتظره من أزمة كبرى -لا قدر الله- وهي الأزمة التي جعلت الأمم المتحدة تتساءل في أحد تقاريرها المنشورة عام ۲۰۰۲م: «من أين سيشرب ٤٥٠ مليون عربي عام ٢٠٢٥م؟!».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل