; حرب الشيشان تمتد إلى خارج جروزني | مجلة المجتمع

العنوان حرب الشيشان تمتد إلى خارج جروزني

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995

مشاهدات 79

نشر في العدد 1136

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 31-يناير-1995

           دوداييف يخطط لهجمات فدائية طويلة الأمد من داخل جروزني.

           وزراء مؤتمر الأمن يرفضون حضور وزير الدفاع الروسي.

بعد تمكن القوات الروسية الغازية من السيطرة على أنقاض مبنى رئاسة الجمهورية في جروزني العاصمة الشيشانية يوم 20 يناير الجاري كان من المتوقع أن تعلن موسكو نصرها النهائي، إلا أن الجميع في موسكو كانوا يرون أن ما حدث ليس سوى سراب نصر زائف وأفضل تعليق على ذلك جاء على لسان جينادي سيكيليار- مسؤول الحزب الاشتراكي- يوم 23 يناير الجاري إذ قال: إن رفع العلم الروسي على القصر الجمهوري المدمر لا يعتبر نصرًا يؤمن به أحد إذ إنه ليست له أهمية استراتيجية.

كما أن كافة الخبراء العسكريين والمعلقين السياسيين انتهوا في تقييمهم لعملية السيطرة على القصر الجمهوري بأنها ليست لها أهمية مطلقة خاصة بعد تدميره وقيام الشيشان أنفسهم بالانسحاب منه لأسباب تكتيكية في القتال، وإضافة إلى أن عدد الضحايا الضخم الذي سقط لتحقيق ذلك الهدف الإعلامي لا يساوي شيئًا، خاصة وأن القوات الروسية لم تسيطر بشكل كامل على العاصمة التي ما زالت فيها حتى يوم 24 يناير الرئيس جوهر دوداييف يخطط لحرب عصابات طويلة ستجعل من بقاء الجنود الروس في جروزني أمرًا مستحيلًا، وبالتالي فإن عملية السيطرة على القصر الجمهوري المدمر كانت بهدف إحداث نصر معنوي يساهم في رفع الروح المعنوية للجنود الروس ولتجميل وجه وزير الدفاع الروسي.

وفي اتصال هاتفي أجرته "المجتمع" مع مولودي أودجوف- المتحدث الرسمي باسم الرئيس دوداييف- يوم 24 يناير حول تقييمه للموقف العسكري بعد دخول القوات الروسية جروزني قال: إن القوات الروسية لا تسيطر على أكثر من ثلث جروزني، ولا تأمن حتى أيضًا على نفسها في هذا الجزء خشية العمليات العسكرية الجهادية ضدها من قبل المجاهدين، وأن هذا الجزء ليس له أية أهمية استراتيجية، وأن الانسحاب منه كان وفقًا لتكتيكات عسكرية تخدم أهداف القتال الاستراتيجية، وبالتالي فإن الموقف ما زال لصالح القوات الشيشانية، كما أن الرئيس دوداييف لم يترك العاصمة حتى الآن.

وأضاف بأن الحرب في القوقاز بدأت الآن وأنهم مستعدون للموت والتضحية بالنفس، وتحمل المزيد من المرارة من أجل تأكيد هويتهم الإسلامية والقومية، وأنهم يؤمنون بأن الحرب الدائرة حاليًا ستساهم بدون شك في إبراز هوية المسلمين الذين يعيشون في القوقاز أو في جمهوريات الفولجا وهو ما تخشى منه موسكو كثيرًا.

وحول تقييمه للموقف الغربي قال مولودي: إنه ما زال يتسم بالازدواجية مثلما هو الحال في البوسنة والهرسك، وما زال الغرب يعتمد على المعلومات الروسية حولنا إذ يصوروننا بأننا عصابات مافيا وإرهابيون إسلاميون، رغم أننا لسنا إلا دعاة تحرر واستقلال، نريد المحافظة على هويتنا الإسلامية والقومية.

القدرة على المقاومة ستغير الكثير من المواقف

وفي إجابة عن سؤال عن سبب رفضهم البقاء بداخل الاتحاد الروسي مثل غيرهم من الجمهوريات ذات الحكم الذاتي، قال مولودي بشكل قاطع: لسنا سلافًا ولسنا أرثوذكس فلماذا نجبر على وحدة مع الذين لا نريدهم؟

وليس صحيحًا ما يروجه البعض حول أن بقاء المسلمين في الاتحاد الروسي سيكون ذا فائدة استراتيجية للعالم الإسلامي الذي لو كانت حكوماته قد اعترفت بنا لتغير الأمر، ولذلك نطالبها بالضغط الاقتصادي على روسيا من خلال مقاطعتها وتقديم الدعم اللازم لنا وأن ترقى بموقفها إلى موقف الشعوب الإسلامية المشرف.

وأضاف: بأن قدرتهم على المقاومة ستغير الكثير من المواقف وهو ما حدث مثلًا مع الدول الغربية التي أصبحت تضغط على موسكو لحل المشكلة سلميًا بعد أن كانت تعتبر ذلك أمرًا داخليًا، علاوة على ازدياد الخلافات داخل الجيش الروسي والقوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية، إذ تم مؤخرًا إقالة المئات من جنود الوحدات الخاصة الموجودة في مدينة براتساك في سيبيريا بسبب رفضهم الذهاب إلى الشيشان وفقًا لما تتناقله وكالات الأنباء الروسية، ويساهم صمودنا أيضًا سواء كان في جروزني أو القرى المحيطة بها أو على الجبال في بلورة الروح الاستقلالية في القوقاز وهو ما تخشى منه موسكو بشكل كبير خاصة بعد قيام سكان الداغستان والأنجوش بمهاجمة القوات الروسية وهو ما اتضح بالقرب من مدينة حسافيورد، كما أن الصمود يبلور الهوية الشيشانية بشكل أوضح لدى الشيشانيين الذين هاجروا وأقاموا في دول إسلامية أخرى فمثلًا تقدم الآلاف من شيشان تركيا بطلبات للحكومة التركية للتطوع في القتال، وهذا بالتأكيد مكسب استراتيجي لا يمكن إنكاره.

نقاتل للنصر أو الشهادة

ورداً على تصريح وزير الدفاع الروسي بأن الحل الوحيد في الشيشان هو رفعهم للأعلام البيضاء وإلقاء السلاح- كما قال في مؤتمره الصحفي يوم 21 يناير الجاري، والذي عقده في أوستيا الشمالية، قال مولودي: إن على هذا الجنرال الروسي الاستقالة بعد فشله في إنهاء الموقف في ساعتين كما ادعى، وإن الذين يقاتلون منذ 300 سنة وأجبروا على الحرب ثانية لا يمكن أن يلقوا بأسلحتهم لأنهم تربوا على مبادئ جدهم الشيخ شامل التي نهلها من الإسلام وتتلخص في كلمتين النصر أو الشهادة، وأنه لن يمكن احتلال الشيشان طالما بقي شيشاني واحد، وأن على هذا الجنرال الروسي أن يعيد قراءة التاريخ بدلاً من إصداره لأوامر القتال وهو ثمل، وأكد على أن النصر النهائي سيكون للمجاهدين الشيشان.

حرب الشيشان تبلور الاستقلال

من ناحية أخرى تدرس موسكو حاليًا الآثار السلبية الناجمة عن غزوها للشيشان خاصة بعدما بدأت تتبلور بالفعل حركات استقلالية في كل من الداغستان، وأنجوشيا، وأوستيا الشمالية، وباشكردستان، وموردوفيا، والطاي، وياقوتستان إذ رصدت الـ"كي. جي. بي" الروسية تحركات جادة للانفصال لدى مجموعات كبيرة من سكان هذه الجمهوريات الصغيرة التي تحظى بحكم ذاتي في إطار الاتحاد الروسي، وأن استمرار القتال في الشيشان سيساهم في بعث روح الاستقلال لدى 18 مليون مسلم يعيشون في جمهوريات الفولجا وبعض المناطق الأخرى، إذ كان رؤساء تلك الجمهوريات قد عقدوا اجتماعاً في 4 يناير الجاري اتهموا فيه يلتسين بإسالة دم إخوانهم في الشيشان، وهو التعبير الذي أقلق الـ"كي. جي. بي" الذي نصح القيادة الروسية بضرورة إنهاء المشكلة بأسرع ما يمكن لأن في استمرارها خطورة وتهديداً للأمن القومي الروسي سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

كما أكد إيغور جيدار- زعيم حزب خيار روسيا- في كلمة ألقاها أمام رجال الأعمال في لاهاي يوم 23 يناير الجاري أن التدخل العسكري في الشيشان كلف وسيكلف روسيا الكثير وفتح الطرق أمام تفاقم المشكلة الاقتصادية، وهو نفس ما يراه جينادي سيكيليار- مسؤول الحزب الاشتراكي الروسي- في إطار تقييمه للحرب في تصريح أدلى به لمجلة "E.I.R" إذ أكد أن الحرب وضعت الاقتصاد الروسي في وضع حرج ويعرض الديمقراطية للخطر مع إعطاء فرص واسعة لعودة الديكتاتورية.

وعلى الصعيد الخارجي قال وولكر روخا- وزير الدفاع الألماني في تصريح صحفي نشرته صحيفة "ملليت" التركية يوم 24 يناير الجاري: بأنه من المنتظر مشاركة بافل جراتشيف وزير الدفاع الروسي في مؤتمر الأمن الذي سيعقد في ألمانيا في فبراير "شباط" 1995م، واعتبر المراقبون ذلك التصريح إيماءة واضحة لرفض الدول الغربية للجلوس مع وزير الدفاع الروسي المسؤول عن أحداث الشيشان.

وكان كلاوس كينكل- وزير الخارجية الألماني- قد أوضح في تصريحات صحفية أيضًا أن بلاده ستقطع المساعدات المالية عن روسيا إذا لم تغير سياستها تجاه الشيشان وكان البروفيسور ميخائيل وولفسهون قد نشر مقالاً في صحيفة "بيرد" الألمانية نقلت صحيفة "زمان" التركية مقتطفات منه في عددها يوم 21 يناير الجاري، قال فيه: إن تقييم الدول الأوروبية للتدخل الروسي في الشيشان باعتباره أمراً داخلياً كان عيباً كبيراً ووضع الجميع في موضع صعب وليس روسيا فقط، وتيساءل: لو لم تكن الدول الإسلامية تصرفت بتعقل هل كان من الممكن أن يفعل يلتسين ذلك؟ والإجابة بالطبع نعرفها دون انتظار إجابة من أحد بالطبع لا.

عموماً فإن صمود الشيشان سيكشف العورات أكثر مما سيجبر الجميع على ضرورة اتخاذ موقف سواء بالتعري الكامل أو الالتزام التام بالمبادئ الدينية والأخلاقية تجاه شعب صغير يقاتل من أجل الحفاظ على هويته الدينية والقومية.

 

الرابط المختصر :