العنوان حرب الرفاق لم تنته بعد!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978
مشاهدات 87
نشر في العدد 403
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 11-يوليو-1978
أحداث تؤكد الحاجة إلى اتخاذ موقف إسلامي مستقل عن الصراعات الدولية في المنطقة..
بعد يوم من القتال الضاري في حي التواهي في عدن عاصمة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، تمت تصفية رئيس الدولة سالم ربيع علي الصالح جناح- عبد الفتاح إسماعيل وعلي ناصر محمد – وشكل يوم ٢٦ حزيران منعطفًا جديدًا لا في مستقبل هذه الدولة العربية الصغيرة فقط، وإنما في مجمل مستقبل منطقة الجزيرة والقرن الإفريقي والصراع الدولي فيها .
وكان سالم ربيع علي- ٤٣ سنة قد تولى الرئاسة عام ١٩٦٩، بعد أن تم إقصاء جناح حركة القوميين العرب القدامى، فقد انضم إليها عام ١٩٥٩، واشترك في النضال السياسي والعسكري ضد الاستعمار البريطاني في عدن، وقد خضعت عدن للحكم البريطاني لمدة ١٢٨ سنة، حيث دخلتها بريطانيا عام ۱۸۱۹ مدفوعة باعتبارات استراتيجية، فعدن هي أجود ميناء لشبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر ومحطة في طريق الهند، وبفتح قناة السويس عام ١٨٦٩ ازدادت أهمية عدن، وأصبحت بحق رئة القناة.
-النشرة السنوية للشرق الأوسط ص ۲۸۷-
أما عبد الفتاح إسماعيل-39- فقد التحق بحركة القوميين العرب عام ١٩٥٩ أيضًا، وتدرج في السلم التنظيمي لجناحها في اليمن الجنوبي، حتى أصبح كبار منظريها، وأصبح زعيم الجناح اليساري في الجبهة القومية، وقد أبعده قحطان الشعبي إلا أنه استطاع أن يزيحه بالحركة التصحيحية التي أتت به وبرفيقه سالمين إلى السلطة، حيث أصبح زعيمًا للجبهة القومية .
والصراع بين اليمين واليسار داخل الجبهة القومية ليس جديدًا، بل كانت بذوره الأولى قد ولدت قبل الاستغلال، ثم وصل الخلاف قمته في المؤتمر الرابع للجبهة القومية الذي انعقد في مارس ١٩٦٨، وقد أدى هذا الصراع إلى فترة من عدم الاستقرار، انتهت بقيام الحركة التصحيحية، وتكريس الاتجاهات اليسارية في البلاد التي تتجه- على ما يبدو- نحو اليسار المتطرف على طريقة الخطوة خطوة، فقد ظهر بعد فترة أن سالمين أكثر اعتدالًا من عبد الفتاح إسماعيل، وهكذا نشب صراع بين رفيقي الأمس، انتهى بالتقدم خطوة أخرى نحو الماركسية، لا ندري هل تكون الأخيرة أم سيظهر من يعتبر عبد الفتاح يمينيًا أيضًا تستوجب تصفيته.
أسباب الخلاف
ظهر الخلاف بين الرجلين حول موقف اليمين الجنوبي من أحداث القرن الإفريقي، فالمعروف أن عدن وقفت بحماس مع إثيوبيا في حربها مع أوغادين، شارك الجيش اليمني المزود بالخبراء والمستشارين الروس، والكوبيين والألمان الشرقيين في الحرب، لذلك تؤيد اليمن إثيوبيا في حربها ضد الثورة الإرتيرية، كما تؤيد اليمن الجنوبي ثوار ظفار، في حربهم ضد السلطان قابوس والوجود الإيراني في عمان، وقد أدت هذه المواقف إلى عزلة اليمن الجنوبي على الصعيد العربي، ويبدو أن سالم ربيع علي أراد اتباع سياسة أقل تطرفًا، وقيل في حينها إن عدن قررت سحب قواتها المرابطة في إثيوبيا- جريدة النهار- والمعروف أن الجيش البالغ عدده ۱۸ ألف فرد، يؤيد الرئيس اليمني الجنوبي السابق، ولا شك أن هذه التوجيهات الجديدة لم تكن تحظى بتأييد عبد الفتاح إسماعيل .
ولعل سالم كان يهدف إلى تحسين أوضاع بلاده الاقتصادية، من وراء سياسة الانفتاح على الدول العربية وخاصة السعودية، وقد قبل المساعدة السعودية في السنة الماضية، مما زاد الخلاف بينه وبين عبد الفتاح إسماعيل، ورغم أن هذه المساعدة لم تؤثر على سياسة اليمن الجنوبي ومواقفه، کما تقول صحيفة الديلي تلغراف، إلا أن جناح عبد الفتاح إسماعيل كانت تساوره الشكوك في تحول الرئيس نحو اليمين .
ودار خلاف بين الرجلين الماركسيين حول مسألة الحزب الطليعي الماركسي، المزمع إعلانه في أكتوبر القادم، فالمعروف أن الجبهة القومية عبارة عن تجمع لعدة منظمات سياسية، وكانت قد اتخذت ترتيبات لتحويلها إلى حزب سياسي موحد يتبنى الماركسية.. ويقال إن سالم ربيع علي لم يكن يرغب بإعلان التبني المطلق للماركسية- لعله كان مدفوعًا بضرورات السياسة الخارجية- في حين يعتبر عبد الفتاح إسماعيل متشددًا في هذه النقطة، وهو يفكر بعقلية رجل الحزب لا رجل الدولة .
ويربط بعض المراقبين بين الصراع الصيني السوفييتي، وبين الصراع بين الزعيمين العدنيين، ويقال إن سالم ربيع علي ذو اتجاهات صينية، وهذا أمر غير مستبعد، والصين نفسها تحاول أن تدخل اليمن الجنوبي.
وكانت الصين قد استقبلت في أواخر شهر نيسان الماضي، رئيس الوزراء اليمني الجنوبي، وأجرت له استقبالًا حافلًا وغير عادي في بكين، على الرغم من تعارض وجهات النظر بين الطرفين بخصوص القرن الإفريقي .
أما عبد الفتاح إسماعيل فهو- رجل موسكو- في عدن، وتمتع روسيا بتسهيلات بحرية في عدن، إلا أنها محددة بـ ٤٨ ساعة فقط. ويمكن أن تشكل عدن تعويضًا جيدًا لميناء بربرة الصومالي، الذي كانت روسيا تتمتع فيه بتسهيلات كبيرة .
وكل هذه الأمور لا يمكن أن تنفي بحال من الأحوال، الصراع الشخصي التقليدي بين أي رجلين يقفان معًا على رأس السلطة في بلديهما، ففي هذه الحالة لا بد أن يسعى كل واحد منهما إلى تصفية رفيقه، والانفراد بالسلطة، وهذا أمر كثير الحدوث.
ولكن، ما الذي فجر الصراع على ذلك النحو الدموي يوم الإثنين بين عبد الفتاح إسماعيل وسالم ربيع علي؟
الشرارة التي أشعلت الحريق
تعددت النظريات في تفسير السبب المباشر لاشتعال فتيل النار العدني، وعلى العموم فثمة ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول: يقول إن اغتيال الرئيس الغشمي كان هو السبب. وقد اتهمت كل من اليمن الشمالي والقيادة الجديدة في عدن سالم ربيع علي بتدبير العملية، وقد يكون هذا الاحتمال صحيحًا، ومن المحتمل أيضًا أن يكون عبد الفتاح إسماعيل هو الذي دبر العملية بطريقة تؤدي إلى اتهام سالم، فيتخذ ذلك مبررًا لتصفيته، وتبقى قضية اغتيال الغشمي على أية حال من القضايا الغامضة.
الاحتمال الثاني: يقول إن فريقًا من ضباط الجيش اليمني الجنوبي، الذين ضاقوا ذرعًا بسياسة وضع جيشهم في خدمة المصالح السوفييتية، وبوجود الميليشيا الشعبية التي يقودها عبد الفتاح إسماعيل بتصفية الجناح المعارض بأكمله، وهذا الاحتمال غير مستبعد، خصوصًا اذا عرفنا أن ثمة حساسيات بين الجيش النظامي وبين قوات الميليشيا .
أما الاحتمال الثالث: فيرى أن عبد الفتاح إسماعيل نفذ تحركه- المعد مسبقًا- کرد سريع على المبادرة الأميركية للوصول إلى اليمن الجنوبي، وكان من المقرر أن يزور عدن وفد أميركي برئاسة جوزيف توينام، في محاولة لإقامة علاقات طبيعية مع اليمن الجنوبي، وبسقوط سالمين الذي كان يتعاطف مع هذا الاتجاه، تكون المبادرة الأميركية قد أجهضت.
الأوضاع الدولية
ومهما يكن من أمر، فإنه من الصعب اعتبار ما حدث في اليمن الجنوبي مجرد حدث داخلي، بل هو مرتبط بمجمل الأوضاع الدولية، بل ولعل ما حدث جاء نتیجه منطقیة لسلسلة من التطورات في المنطقة.
فإن موقع عدن الاستراتيجي يجعلها حلقة وصل بين القرن الإفريقي والخليج، وهي محطة بالغة الأهمية بالنسبة للمحيط الهندي، وهي تتحكم بمضيق باب المندب الذي يمر منه 60% من النفط المصدر إلى أوروبا الغربية.
ويدور حول هذه المنطقة صراع دولي لم يحسم بعد :
الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة يعتبران أن هذه المنطقة مهمة بالنسبة للجانبين، وتحركات موسكو للهيمنة عليها- بالتعبير الصيني- واضحة. وثمة خطوات محسوبة في هذا المجال، أولًا: ركز الاتحاد السوفييتي من وجوده في إثيوبيا، وهو يسعى إلى تصفية الثورة الإرتيرية بالسلم أو بالحرب، مما يضمن مصالحه، هذا من الجنوب، أما من الشمال، فقد قامت موسكو بضربة معلم في أفغانستان، التي قام فيها نظام حكم، برئاسة زعيم الحزب الشيوعي هناك، ويجب أن نلاحظ أن النجاحات السوفييتية شهدت بعض التراجعات، فهناك التردي الذي أصاب العلاقات السوفييتية العراقية، وذلك لأسباب عدة، منها محاولات الحزب الشيوعي العراقي القفز على السلطة في بغداد عبر انقلاب عسكري، وقد أفادت مصادر عراقية أنه تم إعدام عدد من الشيوعيين، ومهما قيل عن التحالف بين الدولتين، فإن المؤكد أن العلاقات بينهما الآن ليست كما كانت عليه عشية توقيع معاهدة الصداقة والتعاون بين الطرفين.. من ناحية ثانية شهد شهر حزيران الماضي إجراءات اتخذتها سورية وعدد من الدول العربية لمواجهة التحركات السوفييتية في الشرق الأوسط، ويقال إن الرئيس الجزائري هواري بومدين يعمل سرًا على عقد مؤتمر قمة عربي لبحث هذه التحركات.
ولعل ما يثير حنق موسكو التحرك الصيني المضاد في المنطقة، ومن الواضح الآن أن الصين تسعى جاهدة لمواجهة الاتحاد السوفييتي في الشرق الأوسط، وتأتي سلسلة الزيارات التي يقوم بها مسؤولون صينيون إلى دول المنطقة ضمن هذا السياق، وقد زار نائب وزير الخارجية الصيني الكويت قبل فترة، وقبل ذلك كانت العلاقات الصينية العمانية قد وصلت أوج انسجامها بالاعتراف المتبادل وإقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين الدولتين، وليس سرًا أن العديد من الدول العربية تتعاطف مع الصين وتفضلها على موسكو، أو على أقل تقدير لا تعاديها لمصلحة الاتحاد السوفييتي.
أما الولايات المتحدة فلعل حركتها أمام التحرك السوفييتي تبدو أبطأ مما يحب أصدقاؤها في المنطقة، والواقع أن واشنطن ليست مستغنية عن هذه المنطقة، بل إن لها فيها مصالح حيوية، لكن يجب أن نتذكر أن منطقة الشرق الأوسط برمتها، لا تأتي بالمرتبة الأولى ولا الثانية في سلم الأولويات الأميركية، هذا أولًا، وثانيًا يجب أن نتذكر أن الإدارة الأميركية لا تملك الحرية الكاملة في التحرك، فهناك القيود التي يفرضها الكونجرس على الرئيس الأميركي، إضافة إلى أن ذكريات حرب فيتنام وذيول قضية ووترغيت، ما زالت تؤثر في القرار الأميركي، هذا لا يعني أن واشنطن بقيت مكتوفة الأيدي، بل إنها سعت مباشرة وغير مباشرة إلى التصدي بوجه موسكو، ولعل محاولتها الاتصال بحكومة عدن قبل الأحداث الأخيرة تأتي ضمن هذا السياق.
وعلى أية حال، فالواضح الآن أن موسكو قد سارعت إلى إجهاض تحركات الآخرين ضدها قبل أن تصل إلى مداها الكامل، واستغلت أول فرصة لتحكم سيطرتها على جمهورية اليمن الديمقراطي، التي أصبحت الآن الدولة الماركسية الأولى والوحيدة في الوطن العربي. وهذا إنجاز متقدم في الاستراتيجية السوفييتية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
الموقف العربي
الدول العربية جميعًا أحست بالقلق من الأبعاد الدولية لأحداث اليمن الجنوبية، ولم تخف مخاوفها من وجود خطة شيوعية سوفييتية محكمة، تهدف إلى إحكام سيطرة موسكو على القرن الإفريقي والخليج، وبينهما البحر الأحمر. وقد عبرت عن هذه الظنون جبهة الوحدة الوطنية التي يرأسها عبد القوي مكاوي في بيان أصدرته، قالت فيه إن أحدات اليمن الجنوبية بداية لمؤامرة دولية شيوعية لمزيد من التواجد السوفييتي في المنطقة الاستراتيجية، وحذر البيان من تحويل المنطقة إلى ساحة صراع دولي.
ولأول مرة في تاريخ الدول العربية، اتسمت حركتها بسرعة فائقة، فعقد اجتماع طارئ للجامعة العربية، لم تحضره دول الرفض العربية، ومن بينها اليمن الديمقراطية نفسها، وقرر الاجتماع بالإجماع تطبيق المقاطعة الشاملة على حكومة عدن إلى أن تقوم باحترام ميثاق جامعة الدول العربية.
ويتساءل بعض المراقبين عن إمكانية المقاطعة في وقف تداعي الأحداث في جنوب الجزيرة العربية، وعن مدى نفعها في إرجاع القيادة اليمنية الجنوبية الجديدة إلى خط الاعتدال، ويلاحظ هؤلاء المراقبون أن بعض قرارات المقاطعة- وخاصة قرار وقف العلاقات الاقتصادية والثقافية والفنية- من شأنها أن تؤثر على أبناء الشعب اليمني الجنوبي، أكثر مما تؤثر على قيادته، خاصة إذا عرفنا أن الأوضاع لم تستقر بعد في عدن، وأنها مرشحة لموجة جديدة من الصراعات، قد يصفي خلالها- بعد حين- عبد الفتاح إسماعيل الرفاق الذين ساعدوه على إقصاء جناح سالم ربيع علي، وبالذات علي ناصر محمد وعلي عنتر، وهما كما تقول التقارير الدولية يعملان لخدمة مصالحهما الشخصية، وقد يحدث العكس .
المراقبون الإسلاميون يعتقدون أن الموقف الصحيح المطلوب اتخاذه، يتلخص في أمرين: الأمر الأول: اتباع سياسة خارجية مستقلة، لا تستبدل دولة بأخرى غيرها، ونبذ التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية لهذه الدولة أو تلك.
الأمر الثاني: مواجهة التحديات الجاهلية، الشيوعية والرأسمالية، بالفكر الإسلامي، وبناء مؤسسات الدولة والمجتمع على أساس المعطيات الإسلامية .
ومن هنا يتجدد المطلب الأساسي لأمتنا في هذا الظرف الدقيق، وهو إعلان میثاق جديد يجمع هذه الأمة على نهج الإسلام سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، ويكون أساسًا متينًا لقيام حركة التحرر الإسلامية على صعيد العالم الإسلامي كله،هذا إذا أرادت الأمة إنقاذ ما تبقى منها .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل