العنوان رياك مشار مساعد الرئيس السوادني لـ(المجتمع): حرب الجنوب دوافعها خارجية وليست دينية
الكاتب محمد سالم الصوفي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 64
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
• جارانج يعتمد الحل العسكري فقط للوصول للسلطة، وهذا سبب اختلافي معه
• تطوير الجنوب يستمر حثيثًا.. والقناعة تتزايد بأهمية الوحدة بدل الانفصال
• نقدر للكويت دورها الرائد في إعمار الجنوب منذ عام ۱۹۷۲م
دخلت المجتمع إلى جنوب السودان حسبما نشرنا في العدد الماضي، وتحولت في جوبا -أقصى نقطة بالجنوب- ونقلت عن المسئولين السودانيين تأكيدهم أن جوبا آمنة تمامًا، وأن الحرب قد انتهت سياسيًّا وعسكريًّا.
واليوم تتحاور المجتمع مع الدكتور رياك مشار مساعد الرئيس السوداني للتنسيق في الولايات الجنوبية، انطلاقًا من أن مشكلة الجنوب السوداني تعد من أبرز وأخطر القضايا والأزمات التاريخية التي تشغل الرأي العام العربي والإسلامي، على المستويين الإقليمي والدولي، لما لها من تأثيرات مباشرة على الأمن والسلام في مناطق: شرق إفريقيا، والبحر الأحمر، ومنابع النيل.. فماذا جاء في الحوار؟
• باعتبارك أحد القادة الجنوبيين، وقضيت سنوات طويلة في الحرب، ما الأسباب الحقيقية لحرب الجنوب؟ وهل هي دينية أم عنصرية أم سياسية أم غير ذلك؟
- الحرب اندلعت قبل الاستقلال في السودان؛ إذ حدث تمرد في «ثوريت» وهي مدينة جنوبية، وقد استمرت الحرب ١٧ سنة حتى عام ۱۹۷۲م، أما إذا رجعت إلى أسباب الحرب فسوف تجد أنها تتعلق بنواحي الحكم والمشاركة في السلطة، واقتسام الثروة، وهذا هو جوهر القضية مهما قال الناس: إن الحرب دينية.
كما لا أعتقد أنها عنصرية؛ ذلك أننا نجلس الآن مع إخواننا هؤلاء فلا نستطيع أن نقول هذا عربي وهذا غير ذلك.
أما لو نظرت إلى التكوين العرقي في السودان -بشماله وغريه- فسوف تدرك أن أغلبية السكان أفارقة، فإذا ذهبت إلى الشرق ستجدهم أيضًا أفارقة.
فأساس المشكلة -إذن- هو التفاوت في التنمية المجتمعية؛ إذ كان الشمال متطورًا أكثر من الجنوب، كما كان معظم المشاريع الاقتصادية في الشمال؛ بينما المنطقة الجنوبية مغلقة، والشيء نفسه بالنسبة للتعليم.
• وهل وفر اتفاق الخرطوم للسلام أطرًا مناسبة لمعالجة هذه الفوارق والمشكلات المترتبة على التباين التنموي لتلبية مطالب الجنوبيين؟
- السودان دولة كبيرة فيها تعددية عرقية، وتعددية ثقافية، وتعددية دينية، ومن هذا المنطلق كنا نطالب منذ عام ١٩٤٧م وقت انعقاد مؤتمر جوبا بتطبيق نظام فيدرالي في البلاد، إلى أن جاءت ثورة الإنقاذ فكان القادة السياسيون يساوون بين تطبيق النظام الفيدرالي والانفصال، لكن ما حصل الآن هو العكس.
وقد طبقت الفيدرالية في السودان كله وحتى الولايات الشمالية بدأت في جني المكاسب من هذا النظام الفيدرالي.
وباختصار كان الجنوب يطالب بالفيدرالية في ذلك الوقت.
أما من جهة الاتفاق فقد لبى مطالبنا من نواح كثيرة أولها الاعتراف بالسودان دولة متعددة الأعراق والثقافة والديانات، وذلك باعتباره -أي الاتفاق- «المواطنة هي الأساس في الحقوق والواجبات»، وبحسب قدرات كل فرد يستطيع أن يشغل أي منصب ما دام كفؤًا لذلك.
كما أنه في إطار اتفاق السلام هذا أصبح هناك عشر حكومات ولائية، وعشرة مجالس تشريعية ولائية بالجنوب فضلًا عن مجلس تنسيقي يمثل حكومة جنوب السودان.
وفي الحكومة الاتحادية نجد الجنوب ممثلًا في وزارات اتحادية ووزارات الدولة والمجلس الوطني.
هذه مشاركة في السلطة، أما اقتسام الثروة فهناك برنامج من خلال الحكومات والمؤسسات الدستورية يحدد أطرًا لاقتسام الثروة بأن يفتح الجنوب طرقًا برية وبحرية، ومطارات، ومشاريع تنموية، واستثمارية.
وأهم شيء أن النوايا سليمة، وأن هناك إرادة لتطوير الجنوب، وقد وضعنا -من هذا المنطلق- برنامجًا لتطوير الجنوب خلال الفترة الانتقالية التي ينص عليها الاتفاق المذكور.
وبعد نهاية الفترة الانتقالية سوف يجري استفتاء للاختيار بين الوحدة والانفصال، ولكن باعتبار أننا نريد أن نقنع الناس بأن الوحدة فيها المصلحة، فنحن نبذل جهودًا كبيرة لتطور الجنوب.
وبهذه المناسبة توجه الدعوة إلى الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة بأن تقدم لنا يد العون والمساعدة في تنفيذ برنامج التطوير التنموي لجنوب السودان، إذ من خلال هذا البرنامج نستطيع أن نغير مفاهيم المواطنين في الجنوب، بحيث يختار المواطنون الوحدة بدلًا من الانفصال.
وهنا أسجل بكل التقدير والعرفان لدولة الكويت دورها الرائد في تنمية جنوب السودان منذ اتفاق أديس أبابا في عام ١٩٧٢م.
• ولماذا تصر فصائل جنوبية رئيسة على مواصلة الحرب برغم أن الأمور أصبحت محسومة بعد توقيع الاتفاق؟
- يجب توجيه هذا السؤال لجون جارانج وسؤاله أيضًا: لماذا تحارب الآن؟
وأعتقد أنه لن يجيب! فقد قابلته في السابع من يونيو المنصرم ودار بيننا حديث تأكد لي فيه أنه يتشبث بمواضيع هامشية ترتبط أساسًا بعدم الثقة والتشكيك في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، وجديتها، وهكذا...
وربما لو لم يكن الدستور قد تمت المصادقة عليه وهو الذي أقر التعددية وحق تقرير المصير لكان ذلك مفهومًا، لكننا ندرس الآن قانون التوالي السياسي في المجلس الوطني الذي سيحسم قضايا الديمقراطية والتعددية.
جون جارانج تحالف أيضًا مع المعارضة الشمالية، وهؤلاء شعارهم: الديمقراطية والتعددية، وهذا الشعار أسقطته إجازة قانون التوالي السياسي، لكن الحرب إذا استمرت بعد ذلك فهي من أجل السلطة.
ونحن نقول: إنهم إذا كانوا يريدون السلطة فعليهم أن يرجعوا إلى الشعب من خلال الانتخابات، وعلى العموم فالحرب الآن سببها الأساسي خارجي، وخصوصًا أمريكا؛ لأنها تعارض النظام الحالي في السودان.
• هل تراهنون على قبول الجنوبيين للوحدة؟
- الحقيقة أن أهل الجنوب لهم أهمية خاصة في سياسة هذا البلد، سواء في المراحل التاريخية المختلفة كفترة الأتراك، أو المهدية، أو الإنجليز، أو الاستقلال، بل كان أهل الجنوب يؤثرون دائمًا على مجريات الأمور في الخرطوم، ولهذا فنحن لسنا متخوفين من الوحدة إطلاقًا.
حكاية «كاربينو»
• لماذا تخلى كاربينو عن الاتفاق الذي وقعه مع الحكومة إذن؟
- لقد كان له مرشح في ولاية «واراب»، وقد سقط هذا المرشح في الانتخابات، وحدث جدل حول من يحق لهم المشاركة في انتخاب الولاة، علمًا بأن سلطة انتخاب الولاة عمومًا بيد المجالس.
والجدل الذي حدث كان حول أحقية مشاركة الوزراء الذين ليسوا أعضاء في هذه المجالس بالانتخاب.
وكان القرار الذي تم الاتفاق عليه أن يكون للوزراء الحق في المشاركة مع المجالس في الانتخاب، وبعد هذا قرر كاربينو التخلي عن الاتفاق، وأنا متأكد الآن أنه لو سئل عما فعل لأقر بأن ما أقدم عليه كان خطأ، وأنه ندم على ذلك.
• ألا يعكس تمرد كاربينو احتمال وجود تقصير حكومي في الالتزام بالاتفاق؟
- لقد تمرد يوم ٢٨ من يناير، بينما لم يكن التطبيق الفعلي للاتفاق قد تم، فلو كان قد تمرد في هذه الأيام، لكان باستطاعتنا أن نقول: إنه غير راض عن مستوى التزام الحكومة، لكن ذلك لم يحدث.
جارانج.. والحل
• باختصار.. ما نقاط الاختلاف بينكم وبين جون جارانج؟
- أولًا: نحن كونا الحركة الشعبية في عهد جعفر النميري، وعندما سقط حاولنا أن نتفاوض مع النظام الذي جاء بعده بقيادة المشير سوار الذهب، لكننا لم نصل لاتفاق، وبعد ذلك جاءت الحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، وحاولنا أن نتفاوض أيضًا، وفشلت المفاوضات مرات عديدة، وعندما تولت حكومة الإنقاذ وجدنا أنه لا توجد جدية من جانب جون جارانج كرئيس حركة، وأنه لا يريد أن يصل إلى اتفاق.
لقد أيقنا أننا بهذه الطريقة سنظل نفاوض كل حكومة دون أن نصل إلى نتيجة، لذا قررنا أن يكون هناك طرح واضح، بمعنى ماذا يريد الجنوبيون؟
هل يريدون حق تقرير المصير؟ نطرحه..
هل يريدون نظامًا فيدراليًّا؟ نطرحه..
هل يريدون مشاركة؟ نطرحها.. وهكذا.
لقد حاولنا أن ندخل جون جارانج في التفاوض قبل توقيع الاتفاقية وذلك عندما وقعنا الميثاق السياسي سنة ١٩٩٦م، ثم قمنا بالترويج للميثاق داخل السودان، وفي دول الجوار، وحتى في العالم الغربي تمهيدًا لمرحلة التفاوض مع الحكومة، وعندها أخبرناه باحتمالات وصولنا إلى اتفاق يلبي مطالب الجنوبيين، ثم بعد توقيعه قمنا بتفعيل منبر «الإيفاد» حتى يعود جون جارانج لركب السلام، وبرغم كل هذه المحاولات: في كينيا.. في نيروبي.. وأخيرًا في أديس أبابا.. تأكدنا أن جون جارانج يؤمن بحل عسكري أكثر مما يؤمن بالحل السلمي.
• ما دام منطقه هو الحل العسكري.. فهل كانت قدراته العسكرية جيدة؟ وما تقييمكم لها؟
- الهجوم الأخير لقواته في شرق الولاية الاستوائية تم بدعم كبير من أوغندا، وبقية دول الجوار كأريتريا، وقد تصدينا له، وفشل الهجوم.
الحل العسكري غير مجد، وحتى مقاتلو جون جارانج معنوياتهم انهارت لأنهم يعلمون أن هناك اتفاق للسلام، ولكن قائدهم يرفضه، ولو استمر على هذا النحو فسوف يفقد مستقبلًا كل قواته.
• وبالنسبة لموضوع التوالي السياسي.. هل يستمر فصيلكم في المؤتمر الوطني، أم يعلن حزبًا سياسيًّا؟
- سنطلع على قانون التوالي السياسي أولًا، ثم نقدر بعد ذلك.. فبعض قادة جبهة الإنقاذ الديمقراطي المتحدة هم أعضاء في المؤتمر الوطني، وهذه الفترة عمومًا هي فترة تجربة لنرى: هل الجبهة ستذوب في المؤتمر الوطني أم لا؟