العنوان حرب التبغ بين الشركات العالمية وعلماء المسلمين!!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2001
مشاهدات 71
نشر في العدد 1462
نشر في الصفحة 32
السبت 04-أغسطس-2001
شركات التبغ تشكل حكومة خفية في العالم العربي لها أعوان ومؤيدون
تتغلغل في البرلمانات والحكومات العربية لوقف أي تشريعات تضرها
منظمة الصحة العالمية تلجأ للإسلام في مواجهتها لشركات التبغ العالمية
صناع التبغ أثناء حرب الخليج: نحن في أمان من أي تشريعات ضدنا لانشغال العرب في الحرب!
فيليب موريس: التدخين مفيد اقتصاديًا!
في عام ۱۹۸۸م قامت شركات السجائر العالمية بتأسيس اتحاد أطلق عليه اسم «META» بغرض حماية مصالحها في الشرق الأوسط وتحديدًا الدول العربية التي تحرم التدخين إسلاميًا، ورصدت هذه الشركات ميزانية لهذا الاتحاد تقدر بـ ۲۲۷ مليون دولار ارتفعت إلى ٣٥٠ مليونًا عام 1993م.
أحد أهداف هذا الاتحاد هو محاربة أعداء التدخين ودعم مؤيديه في البلاد العربية
سواء من رجال الأعمال أم السياسيين، ووصل الأمر إلى تشكيل قوائم من «الحلفاء» لهذه الشركات في بعض الدول تضم حكوميين وسياسيين وإعلاميين وأطباء، تسخرهم هذه الشركات بغرض الدفاع عن مصالحها، ويصل الأمر في هذه الحالات إلى حد السعي لإسقاط نواب في البرلمانات ممن يتقدمون بتشريعات ضد التدخين «كما حدث في مصر»، فضلاً عن رشوة صحفيين وعلماء مدعين ليقدموا دراسات وهمية حول مزايا النيكوتين.
وقد تم الكشف بشكل غير مباشر عن هذه التحالفات الشيطانية لمحاربة كل من يعارض التدخين من خلال عدد من المؤتمرات العلمية الجادة، فضلاً عن فضح منظمة الصحة العالمية لممارسات شركات التبغ الكبرى مثل فيليب موريس الأمريكية عبر وثائق مستخلصة من مواقع هذه الشركات علي الإنترنت.
ولخطورة هذه القضية التي تشبه تشكيل حكومة خفية للعالم، تفتح المجتمع الملف:
«فلنعمل على وضع نظام يتيح لشركة فيليب موريس قياس الاتجاهات السائدة حول قضية التدخين والإسلام ولنتعرف على القيادات الدينية الإسلامية التي تعارض التفسيرات القرآنية التي تحرم التدخين، ولنعمل على تعزيز آراء هذه القيادات».
بهذه العبارة كشفت شركة «فيليب موريس» الأمريكية- التي تنتج سجائر المارلبورو الشهيرة في إحدى وثائقها التي نشرت عبر موقعها على الإنترنت- عن أن شركات السجائر العالمية لا تلعب ولا تهزل، وأنها تقوم برصد دقيق لكل ما يقال عنها من جهة وعن التدخين عمومًا من جهة أخرى بهدف التصدي لمن يعارضون التدخين والسعي لضم الملايين إلى «نادي الهلاك التبغي» كل عام لامتصاص أموالهم وضخها في خزينة هذه الشركات.
فالذي لا يعرفه الكثيرون هو أن شركات التبغ شأنها شأن تجار المخدرات- تسعي للحفاظ على «تجارة الصنف»، وتتعاون مع بعضها البعض ومع كل من يشجع التدخين، وتخوض في سبيل ذلك معارك ضارية مع الجميع. فإذا وجدت علماء مسلمين مثلاً يدعون لمنع
التدخين في خطبهم تسعى لمحاربتهم بسبل عديدة منها تشجيع نظرائهم ممن لهم آراء مائعة أو غير محرمة للتدخين كلية، وإذا كانت هناك مواسم إسلامية معينة مثل شهر رمضان قد تشجع البعض على وقف التدخين نهائيًا «ما دام يفعل ذلك مدة تمتد من الفجر حتى المغرب» سعت هذه الشركات لضخ ميزانية خاصة لتكثيف الدعاية الإعلانية عن التبغ وإنتاج أنواع جديدة في هذا الشهر الكريم في الدول الإسلامية تحت عنوان «سجائر أخف في النيكوتين والقطران» لجذب المدخن وإغوائه.
أما إذا تطوع البعض من علماء- الطب المخلصين وعقدوا مؤتمرًا طبيًا- للتحذير من مخاطر التدخين، فتعقد هذه الشركات مؤتمرات مماثلة تدعو فيها- علماء مرتشين يتقاضون منها مرتبات- ثابتة كي يشككوا في الأبحاث الجديدة ويربطوا بين مضار التدخين على الصدر والقلب مثلاً ومضار التلوث الجوي كي لا يخاف المدخن ويوقف التدخين، بل ويمولون نشر أبحاث مضللة في هذا الصدد، ويصل الأمر إلى إنشاء مجلات طبية لاستكتاب من يزعزع يقين الجمهور في خطورة التدخين.
ويأخذ الأمر طابع الحرب الحقيقية واستغلال النفوذ عندما يصدر برلمان دولة ما تشريعًا ضد التدخين، ولو كان منع التدخين في الأماكن العامة دون تحريمه في غيرها. وقد كشف النقاب في هذا الصدد عن تدخلات غير عادية في برلمانات وحكومات دول عربية وغير عربية لوقف مثل هذه التشريعات عبر أنصار- من نفس البرلمان أو الحكوم - ووأدها قبل صدورها بحجج مختلفة!!..
أما في السينما والتليفازات والصحف العالمية فالدعم المالي بالمليارات ويأخذ شكل «السياسة الثابتة»، وليس سرًا أن بعض الصحفيين والكتاب يتقاضون مرتبات ثابتة أيضًا من هذه الشركات كي يدوروا في فلكها ويحافظوا على أرباحها وتجارتها المسمومة في النهاية، وهو ما أكده خبراء شاركوا في مؤتمر لمنظمة الصحة العالمية بالقاهرة في مايو الماضي ۲۰۰۱م.
ولا شك أن تأثير إمساك فنانة إغراء، أو نجمة مشهورة مثلاً بسيجارة في يدها في الفيلم أو المسلسل، أو تدخين بطل الفيلم بشكل معين يقدم القدوة للمتفرجين شبابًا ونساء، حتى إن بعض الأفلام يصور تأثير السجائر والتدخين كأنه عنصر رئيسي في الفيلم وأحد أسرار نجاحه!!
وليس ما سبق ذكره مجرد تخمين، ولكن الوثائق التي اضطرت بعض شركات التبغ لنشرها عبر مواقعها علي الإنترنت- ضمن أحكام قضائية قضت بذلك كنوع من العقاب لوفاة مدخنين في الغرب- كشفت عن بعض هذه الأسرار السابق الإشارة إليها، كما أن منظمة الصحة العالمية تولت بدورها فضح هذا الأمر وخوض حرب ضد هذه الشركات، لأن شركات التبغ تخصص بدورها ميزانية لمحاربة منظمة الصحة العالمية والتقليل من شأن توصياتها.
بل إن منظمة الصحة العالمية بدأت تلجأ إلى الدين لمحاربة شركات التبغ خصوصًا الإسلام لوجود تحريم صريح من بعض علماء الإسلام للتدخين بسبب أضراره علي صحة الإنسان، بل يشعر صناع التبغ بالقلق إزاء تأثير الإسلام في الدول العربية والإسلامية على تجارتهم الضارة بالإنسان.
يحاربون خطب الجمعة !!
ويخشى المسؤولون عن هذه الصناعة من استفادة السلطات الصحية والعلماء وخطباء المساجد من توظيف دعوة الإسلام للامتناع عن التدخين في المنطقة لتشجيع إصدار التشريعات التي تقيد أنشطة صناعة التبغ والتدخين مما يحرم هذه الشركات من ملايين الدولارات.
وكدليل على رصد هذه الشركات للخطب الدينية والمواعظ التي تحض على منع التدخين وتبين أضراره، أصدرت هيئة Brown & Williamson لصناعة التبغ تقريرًا ميدانيًا من تقاريرها الدورية عام ١٩٨٤م قالت فيه: «الضغط الذي يمارس ضد التدخين مستمر، فخطب الجمعة في المساجد تعلن صراحة أن التدخين حرام. ومع أن التقرير أكد أن هذا أمر شكلي بحت ولن يتخذ إجراء في هذا الصدد، لأن التدخين لم يحرم تحريمًا صريحًا كالخمر والخنزير، وما إلى ذلك، ومن ثم لن تصدر تشريعات بتحريمه». فقد واصلت شركات صناعة التبغ رصد المنشورات والتصريحات الدينية التي تدور في هذا الإطار للتأكد من أن هذه الفتاوى والوصايا التي تدعو لمنع التدخين لضرره لن تلق القبول خصوصًا أن الأعوام التالية شهدت صدور فتاوى عديدة لتحريم التدخين من علماء مسلمين في العديد من الدول العربية، بل إن مفتي مصر أصدر فتوى رسمية بتحريم التدخين تعلق على أبواب المساجد وبعض المحال التجارية وتوزعها أيضًا منظمة الصحة العالمية عبر بوسترات كبيرة في
مؤتمراتها العلمية.
أما إذا تم رصد أي تأثير لهذه الدعوات الدينية فهنا تبدأ الحملات المضادة من شركات التبغ والأدلة أيضًا كثيرة، ويكفي أن مفتي مصر صاحب هذه الفتوى الشهيرة تعرض لحملة صحفية ضخمة وانتقادات عديدة لمجرد أن حرم أيضًا مسابقات الهاتف المحمول، وقال منتقدوه: إنه يحرم كل شيء!!
فقد دعت شركة فيليب موريس مثلاً في مسودة خطة أعدتها في ۱۹۸۷م إلى ما أسمته «تحسين وسائل الجدل» حول «القضية الرئيسة» المتعلقة بالتدخين والإسلام. حيث تتمثل إحدى الاستراتيجيات ذات الأولوية لشركة فيليب موريس في هذا الصدد للعمل على وضع نظام يتيح للشركة قياس الاتجاهات السائدة حول قضية التدخين والإسلام، و«التعرف علي القيادات الدينية الإسلامية التي تعارض التفسيرات القرآنية المحرمة للتدخين، والعمل على تعزيز آراء هذه القيادات»!
بل إن بعض شركات التبغ تسعى لتحسين صورتها أمام هذه المؤسسات الدينية بإظهار نفسها بمظهر «المتدينة»، فحرصًا من شركة فيليب موريس على تجميل صورتها، أعلنت عن تقديم تبرعات خيرية للمؤسسات الإسلامية، مثلما حدث في ۱۹۸۹م عندما حظيت المساهمات التي قدمتها شركة فيليب موريس لـ«بيت القرآن»- كما تقول منظمة الصحة العالمية، وهي مؤسسة ثقافية في البحرين- بتغطية إعلامية مكثفة «لاحظ دور الإعلام».
حتى «رمضان» وضعوا له خطة!
أما عن خططهم لشهر رمضان مثلاً، ففي عام ۱۹۹۱م أرسل أحد عملاء شركات التبغ في الخليج إلى روبين ألين سكرتير META «تحالف شركات صناعة التبغ» مذكرة تتعلق بمسودة قانون العمل الطوعي في دولة الإمارات، جاء فيها أن شركة فيليب موريس تفضل أن تحتفظ بحقها في القيام بحملات ترويجية خاصة خلال شهر رمضان وفي عام ١٩٩٥م قامت براون وويليامسون بخطوة أخرى، إذ تم رسم خطة للقيام بحملة دعاية للترويج لأنواع التبغ الخفيفة التي تنتجها .
أما الهدف فهو أن يتحول المدخنون في بلدان الخليج إلى السجائر الخفيفة بدلاً من الامتناع الكامل عن التدخين في شهر رمضان وتبرر الشركة ذلك بالقول: إنه بعد الامتناع عن التدخين طوال ساعات النهار، فإن حصول المدخن على جرعة قليلة من النيكوتين من سيجارة خفيفة سيكون أكثر ملاءمة.
وتركز حملة الدعاية على نزوع المدخنين خلال شهر رمضان «إلى تطهير أبدانهم»، مع استغلال فرصة تقليل الشركات لإعلاناتها عن السجائر خلال شهر رمضان.
نفوذ في البرلمانات والحكومات
على صعيد آخر كشفت منظمة الصحة العالمية- علي هامش ورش عمل حول التدخين بالقاهرة في مايو ۲۰۰۱م حضرتها المجتمع.
عن أن شركات التبغ العالمية تقوم برشوة بعض العلماء والأطباء والإعلاميين بهدف الترويج لوجهة نظر هذه الشركات الخاصة بعدم ضرر التبغ فضلاً عن السعي للتأثير على حكومات بعض الدول مباشرة أو عبر دول أجنبية، وهو ما يفسر قيام بعض الخبراء الصحيين بكتابة مقالات يزعمون فيها أن هناك فوائد للتبغ، ونشر صحفيين لموضوعات صحفية يهاجمون فيها تدخل منظمة الصحة العالمية في مسألة منع التدخين، زاعمين أن ذلك إنفاق لأموال المنظمة في غير محله، وكشف فضائح عن مسؤولين تورطت شركات التبغ في دفع رشى لهم لتحويل دفة المناقشات في برلمانات دول عن حظر التدخين أو على الأقل تعطيل هذه التشريعات.
وفي هذا الإطار ألقى «NORBERT HIRSCHHORN» وهو أحد خبراء الإنترنت الأمريكان- محاضرة مهمة في المؤتمر سابق الذكر كشف فيها بالوثائق عن أن بعض الخبراء الصحيين والصحفيين يحصلون علي مرتبات ثابتة ورشى بهدف أن يتحدثوا بما يتماشى مع مصالح شركات التبغ.
وضرب HIRSCHHORN أدلة على شراء ضمائر صحفيين وعلماء بالقول: إنه يمكن تتبع ذلك من خلال ما ينشر مؤيدًا لشركات التبغ وتعقب تاريخ من كتب ذلك، حيث مولت شركات التبغ مجلة جديدة تسمى «الصحة والتنمية» تنشر مقالات ضد منظمة الصحة العالمية، وبالبحث وراء من يكتبون في هذه المجلة أو الصحيفة وجد أنهم يعملون مع شركات التبغ، ويحصلون علي مرتبات منها .
فهناك صحفي يدعى «كارل ديتريك» كتب مقالًا في صحيفة وول استريت جورنال يقول: أين تنفق منظمة الصحة العالمية أموالها؟! انتقد فيه تركيز المنظمة على محاربة التبغ قائلاً: إنها يجب أن تركز على الأمراض فقط مثل الإيدز وتبين فيما بعد أن ديتريك هذا يعمل مع شركات التبغ ويتقاضى مرتبات منها. وحول الأمر نفسه قالت الصحفية أميرة هويدي- ابنة الكاتب الإسلامي فهمي هويدي- إنها أجرت بحثًا في وثائق شركات التبغ متعددة الجنسيات حول شمال أفريقيا توصلت فيه إلى أن شركات التبغ العالمية تعتبر شركات التبغ العربية في مصر والجزائر والمغرب وتونس وليبيا حليفة لها لأن مصالحها مشتركة، خصوصًا أن هذه الشركات الوطنية، ملك للحكومات العربية، ومن هنا يبدو الحرص الرسمي على عدم تمرير التشريعات الخاصة بمنع التدخين.
وتقول: إن التوصيات الواردة على موقع- فيليب موريس بشأن التعامل مع الشركات العربية للتبغ والموجودة على أرشيفها الإلكتروني على الإنترنت توصيات متكررة تعكس حرصها علي التنسيق المشترك مع هذه الشركات، أو التخطيط للاندماج معًا، حتى إن شركة فيليب موريس نشرت في إحدى خططها الخمسية وثيقة تقول بضرورة الضغط على «الشركة الشرقية للدخان المصرية» لكي تضغط بدورها علي الحكومة المصرية للإبقاء علي النظام الضريبي نفسه «بحيث لا ترتفع أسعار السجائر» لأن فيليب موريس ترى أنه مناسب لها.
وقالت: إن ما يثير شركات التبغ العالمية في شمال أفريقيا- كما جاء في وثائقها- هو التشريعات التي تحد من قدرتها على التسويق والدعاية.
تعطيل تشريعات مكافحة التدخين
ونقلت هويدي عن وثائق هذه الشركات على الإنترنت أنها سعت لاختراق البرلمان المصري قبيل إصدار قانون رقم ٥٢ لسنة ١٩٨١م الخاص بالتدخين، حيث أقاموا علاقات مع أحد أعضاء البرلمان المصري لهذا الغرض كان يشغل منصب نائب رئيس لجنة الصناعة بالبرلمان، وحتى عندما صدر القانون سعت عبر رجل أعمال هارب حاليًا هو مصطفي البليدي- الذي كان في ذلك الوقت رئيسًا للغرفة التجارية المصرية- لاستخدام «صلاته» أو «علاقاته» في وزارة الصحة المصرية، ومحاولة إقناعها بتأجيل تطبيق القانون والغريب أنه تم إسقاط الدكتور شريف عمر رئيس لجنة الصحة السابق في انتخابات البرلمان المصري، كما يحارب الدكتور حمدي السيد بعنف بسبب تقديمه مشروعًا لمنع التدخين في الأماكن العامة.
وقد أجل مجلس الشعب المصري «البرلمان» في أوائل يوليه ۲۰۰۱م مناقشة «قانون الوقاية من أضرار التدخين»، وحوله إلى الدورة البرلمانية القادمة بدعوى أن القانون يطالب بفرض ضرائب جديدة علي السجائر، والحكومة لا تريد فرض ضرائب جديدة «الحكومة فرضت نوعين من الضرائب على المبيعات».
العم سام يساند صناع السجائر
ومعروف أن شركات السجائر تحارب بضراوة من أجل هزيمة الاقتراحات الرامية إلى زيادة الضرائب المفروضة على التبغ. وقد نجحت في تأخير فرض هذه الزيادات من خلال الضغط الخفي على راسمي السياسات واستمالة وسائل الإعلام.
وحين عجزت صناعة التبغ عن وقف الزيادة في الضرائب كانت قضيتها الرئيسة هي أن تؤكد على الأقل موافقتها على فرض ضرائب نوعية لا ضرائب على أساس القيمة. ومبرر ذلك هو أن أغلب الشركات المتعددة الجنسية تبيع أصنافًا غالية الثمن، ومن ثم فإن فرض ضريبة نوعية من شأنه أن يقلل الفروق بين الأصناف الغالية والأصناف المنخفضة السعر، في حين يؤدي فرض ضرائب على أساس القيمة إلى الإبقاء على هذه الفروق. وتنص وثيقة أصدرتها شركة فيليب موريس في ۱۹۹۲م على أن الاقتراحات بزيادة الرسوم الجمركية على السجائر يمثل تهديدًا لأهداف الشركة المتمثلة في زيادة مبيعاتها في بلدان الخليج، وأن نظام الرسوم الجمركية على السجائر على أساس القيمة في بلدان الخليج يقوض جهود الشركة الرامية إلى زيادة حصتها في السوق.
وقد استغلت شركات السجائر البعثات الدبلوماسية الأمريكية في العديد من البلدان العربية لتعزيز جهود الشركات لمواجهة فرض ضرائب أو قيود على توزيع سجائرها وصاحب ذلك بذل جهود مشتركة «بين الشركات والممثلين التجاريين الأمريكيين في تلك الدول».
وكمثال آخر على السعي للتأثير حتى على المسؤولين السياسيين لصالح شركات التبغ سعت هذه الشركات للتأثير على حاشية ملك المغرب «كما جاء في خطتها لعام ۱۹۹۲م الخاصة بالمغرب عقب موافقة البرلمان المغربي على قانون يمنع التدخين في الأماكن العامة أو الدعاية لشركات التبغ».
وقد انصب الاهتمام الرئيس والمستمر لشركات السجائر على المعايير والمواصفات التي تنظم اختبار السجائر المستوردة والتصريح بدخولها إلى البلدان، وذلك بممارسة الضغط الصريح والخفي على المسؤولين في المنظمات الحكومية والوطنية والإقليمية المسؤولة عن وضع المعايير.
وقد سعت دول خليجية عدة لوضع مسودة حول «معايير السجائر في بلدان الخليج»، وهي المسودة التي لا تزال الحكومات تناقشها منذ عام ۱۹۸۸. وكانت هذه المسودة بمثابة معركة مع شركات صناعة التبغ، لما تمثله من تهديد خطير لقدرتها على العمل في الخليج ولما تمثله من سابقة محتملة خطيرة لعملياتها في سائر أنحاء العالم.
وقد قامت فروع شركة فيليب موريس في الشرق الأوسط بتوجيه جهودها للضغط إزاء هذه المعايير.
معركة القطران والنيكوتين
في أوائل عقد الثمانينات كانت المستويات المسموح بها من القطران والنيكوتين في السجائر المستوردة في بلدان الخليج تتفاوت من بلد لآخر فكانت نحو ۱۵-۲۰ ملج للقطران ونحو 1 ج للنيكوتين. وفي تلك الفترة لم يكن نظام الحدود المسموح بها مطبقًا إلا في عدد قليل من بلدان العالم، مما جعل المستويات المسموح بها في بلدان الخليج هي الأقل في العالم. وبالرغم من ذلك، كان ثمة ضغط يمارس لتطبيق مزيد من الخفض في هذه المستويات بتأثير التقارير العلمية المنشورة والعملاء الذين كانوا يرون أن السجائر الأقل في مستوى القطران والنيكوتين «أكثر أمانًا»!!
ومع أن الأبحاث العلمية كشفت عن أن المدخن يتضرر بأخذ أي نسبة من القطران والنيكوتين- ومن ثم فلا قيمة لتقليل أو زيادة القطران والنيكوتين- فقد سعت شركات التبغ لإخفاء هذه الحقائق.
ولكن توافق في ذلك الوقت أن عقد اجتماع علمي باسم «NEWG» في عام ۱۹۸۲ وأشار إلى أن تحديد مستويات للنيكوتين أمر قليل النفع، إذ إن المدخنين سوف يحصلون على احتياجاتهم من النيكوتين من السجائر المنخفضة في مستوى النيكوتين بتدخين مزيد من السجائر، وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن شركات التبغ- في سبيل عرقلة المعايير الخليجية للتدخين- كانت تعتزم إبلاغ المسؤولين في بلدان الخليج بهذه الحقيقة، أملاً في إثنائهم عن إقرار هذه المعايير وهو تطور مهم خصوصًا أن شركات صناعة التبغ في العالم تتعمد إخفاء مثل هذه المعلومات قدر المستطاع ولكنها تكشفها إذا كان الغرض تفادي صدور تشريعات أشد ضدها.
وبحلول نهاية ۱۹۸۹م، أعلنت شركة فيليب موريس أنه «بعد جهود استغرقت سنوات عدة بين اختصاصي شركة فيليب موريس وبين المهنيين العاملين في فروع الشركة في الشرق الأوسط، أصبح المسؤولون عن المعايير والاختبار في العديد من دول الخليج يستشيرون خبراء قبل اتخاذ قراراتهم».
خدعة القطران والنيكوتين
ومن القضايا التي تثير أيضًا اهتمام صناعة التبغ، التحركات التي تقوم بها حكومات عربية للمطالبة بطباعة مستويات القطران والنيكوتين على علب السجائر الواردة إلى بلدان الخليج. وقد ظلت شركات التبغ تقاوم كشف أي معلومات عن منتجاتها، إلا أن الأمر قد اختلف إزاء قضية القطران والنيكوتين على وجه الخصوص، فقد شهد العقد الأخير نقاشًا حادًا حول الموضوع في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. إذ إن «حملة القطران» التي بدأت بالمطالبة بذكر مستويات القطران والنيكوتين على علب السجائر، وفي الإعلانات أدت بالمستهلكين إلى الاختيار بين أصناف التبغ على أساس هذه المستويات على افتراض خاطئ بأن السجائر الخفيفة أكثر أمانًا. وقد اختارت الشركات ألا تفند ذلك الافتراض، لأن ذلك كان سيرغمها على الكشف عن معلوماتها حول عدم مأمونية جميع أصناف السجائر !!..
ومن أمثلة الخداع الأخرى قيام شركة التبغ البريطانية الأمريكية في منتصف عقد الثمانينات بتسويق سيجارة جديدة باركلي Barclay تتميز بمرشح مزود بقنوات تهوية تتيح للسيجارة أن تخدع طرائق اختبار القطران والنيكوتين التقليدية، وتؤدي إلى حصول المدخن على مستويات من هذه المواد أعلى بكثير من المستويات المنصوص عليها.
وقد كشف تحليل عينات سجائر باركلي عن احتوائها على مستوى من القطران يزيد على المستوى المدون على العلبة «نحو ۳۲%» إلى٦٠٠% في العينة.
وقد وصلت ضغوط شركات التبغ إلى حد مقاومة محاولات الحكومات تنظيم إضافة مكونات في السجائر مثل الفلزات الثقيلة كالرصاص والكادميوم وسينايد الأيدروجين رغم تأثيراتها الخطيرة على الصحة العمومية.
أيضًا قامت شركات التبغ بمعركة لمحاربة إصدار لوائح تلزمها بطباعة تاريخ الإنتاج على علب السجائر، وكانت صناعة التبغ في ظاهر الأمر تعارض أي لوائح جديدة، وأي كلفة إضافية تنجم عن طباعة تاريخ التصنيع، بل والأهم من ذلك تتوجس من صدور لوائح أخرى يمكن أن تحول دون دخول منتجاتها سوق الشرق الأوسط.
وفي عام ۱۹۹۲م بدأ المسؤولون عن صناعة التبغ في إرسال خطابات إلى عدد من الوزراء في قطر والإمارات العربية تطالبهم بإسقاط شرط تدوين تاريخ الإنتاج، وذلك لأن التبغ يختلف عن المواد الغذائية القابلة للتلف ولأن مخلوط السيجارة قد يتكون من أوراق تبغ من أكثر من مصدر مما يتعذر معه تدوين تاريخ يعبر عن عمر المنتج. وكان من حججهم أيضًا أن صلاحية التبغ لا تتوقف على عمره كما شدد المسئولون عن صناعة التبغ على أن تدوين تاريخ الإنتاج قد يكون مضللاً للمستهلك، إذ سيجعله يفترض وجود فروق في جودة المنتج بسبب اختلاف تاريخ الإنتاج.
أيضًا عارضت شركات السجائر شرط وضع لاصق يحذر من المضار الصحية للسجائر على العلب، وحتى عندما تمت الموافقة على نشر هذا التحذير حرصت الشركات العالمية على التدخل في كتابة التحذير بحيث يكتب عليه أنه «تحذير حكومي»، بحيث يبعد ذلك عنها المسئولية القانونية. كما رفضوا أي عبارة تربط بين التدخين وسرطان الرئة أو أمراض الصدر.
احترس من الروح العربية
ويشير تقرير لمنظمة الصحة العالمية تحت عنوان «صوت الحقيقة» أنه عندما أوشكت الحرب على الاندلاع في منطقة الخليج كانت التقديرات التي كان يبعث بها عملاء شركات السجائر في الخليج تؤكد: «أنه في هذا المناخ الذي يتسم بالقلق والتوجس فإن صناعة التبغ في أمان من أي تشريعات موحدة تصدر في بلدان الخليج بشأن الضرائب، أو فرض قيود على الدعاية، وما إلى ذلك، غير أنه نبههم بالفعل إلى أن مراكز التوزيع والمخزون يجب أن تظل أبعد ما يمكن عن منطقة الحرب المحتملة، وأن يتم تسميتها فقط بأسماء الموزعين المحليين والإقليميين والوطنيين، لأنه من المحتمل أن تتعرض الأسماء الأمريكية والبريطانية «أماكن العمل» لاضطرابات خصوصًا إذا ما شارك الكيان الصهيوني في الحرب، وفي هذه الحالة يمكن للروح العربية- كما يقول أحد عملائهم- أن تثور بدرجات متفاوتة بحسب المناطق ضد أي وجود غربي، بما في ذلك أسماء الأصناف الغربية.
يحاربون في معركة مشتركة!
وقد أظهرت تحركات شركات التبغ العالمية أن هناك تنسيقًا شبه وثيق بينها. إن هذه الشركات المتعددة الجنسيات في الشرق الأوسط لها تاريخ طويل وموثق من التآمر، فقد شكلت سلسلة من الجمعيات التجارية «مثل مجموعة عمل الشرق الأوسط التي سميت فيما بعد بجمعية تبغ الشرق الأوسط» وسائر مجموعات العمل التابعة لها، وهذه حاربت اللوائح الصحية بكل ما أوتيت من قوة.
إضافة إلى ذلك زرعت شركات التبغ مقالات في الصحف واستمالت منظمات أخرى محايدة لممارسة الضغط من أجل حماية مصالح صناعة التبغ، كما تجسست شركات التبغ على خصومها المحتملين، وتغلغلت في صفوفهم، مثل منظمة الصحة العالمية ومجلس وزراء الصحة في بلدان الخليج، ومن ثم كانت هذه الشركات على أتم استعداد للتصرف بقوة إزاء أية سياسة مقترحة لمحاربة التبغ.
التدخل في المؤتمرات العلمية
وحتى تسعى شركات السجائر لتحييد المؤتمرات العلمية التي يذكر فيها أضرار التدخين بما يؤثر علي مبيعاتها، فقد سعت للمشاركة في غالبية المؤتمرات العلمية بأبحاث عبر خبراء
مدفوعي الأجر وتابعين لها.
وتبين سلسلة من المذكرات حول ما يسمى بمؤتمر القاهرة المعنى بجودة الهواء في الأماكن المغلقة، والذي عقد في نوفمبر ۱۹۹۳م، إلى أي مدى تنظر شركات صناعة التبغ إلى مثل هذه المؤتمرات على أنها قنوات للعلاقات العامة شاركت في «رعاية المؤتمر هيئة Indoor Air International التي لها ارتباط بشركات السجائر».
فقد كان موضوع المؤتمر «المخاطر المهنية الناجمة عن تلوث الهواء»، ولوحظ أن التدخين السلبي كان مجرد موضوع واحد من موضوعات عديدة في جدول أعمال المؤتمر.
وكانت صناعة التبغ تعتزم إشراك ثلاثة أو أربعة من المستشارين في المؤتمر وبالرغم من الثمار الواضحة للمشاركة في مثل هذه المؤتمرات المفتوحة، إلا أنه يترتب عليها أيضًا بعض المخاطر. ويوضح «تشارلز ليستر» ذلك لـ«مارك منصور» زميله في شركة فيليبس موريس قائلاً: دعني أؤكد لك أن هذا المؤتمر ليس مؤتمرنا حتى نتحكم فيه، فلقد نظمته هيئة التدريس في جامعة عين شمس. إن لنا علاقات صداقة مع عدد منهم تمكننا من ممارسة مستوى متواضع من التأثير ولكننا لا نستطيع «مثلاً» أن نلغي الاجتماع، كما لا يمكننا أن نمنع المتحدثين عديمي الفائدة. فالحاصل أن منظمي المؤتمر لا بد أن يتيحوا لكل من لديه دراسة أن يعرضها، ومن واقع خبرتي السابقة يمكنني أن أتوقع أن تطرح ورقة مخالفة أو ورقتان مخالفتان، ولكني أتوقع أيضًا أن تتسم هذه الأوراق بالتواضع، بل عادة ما يتم تفريغ هذه الأوراق من محتوياتها بمجرد توجيه بضعة أسئلة وعلى الرغم من كل ما قلته لك، ما يزال المؤتمر يمثل فرصة سانحة لنا، إذ سيتحدث فيه بعض أصدقائنا، بل يمكنهم عقد مقابلات والالتقاء بالمنظمين، وما إلى ذلك- وبعبارة أخرى يمكننا أن نسوق زيارتهم- لذلك أكون شاكرًا لك تفضلك بإفادتي عما يلي:
«1» هل ترغب في أن تبذل هذه الجهود؟
«2» وما الوسيلة المثلى التي تراها للقيام بذلك؟
علمًا بأن ذلك يجب أن يتم بعيدًا عنا، فلقد استعنا في مثل هذه المناسبات في الماضي بموظفين محليين في العلاقات العامة، وكان نجاحهم يتوقف على كفاءة الشخص نفسه.
وبعد أربعة أيام أرسل ليستر إلى منصور- كما جاء في وثائق شركات التبغ التي نشرتها منظمة الصحة العالمية- مذكرة أخرى تحمل أيضًا إشارة شخصي وسري، احتوت على تفاصيل أخرى حول المؤتمر وقائمة بالمهام المقرر القيام بها، جاء فيها:
«نحن نحتاج إلى مساعدة بسيطة في مجال العلاقات العامة من النوع الذي تطلبه أية جمعية علمية، على أن يتم ذلك بعيدًا عنا. فنحن لا نريد أن تقوم بالدعاية للمؤتمر ذاته، ولا لجامعة عين شمس، ولا لكلية الطب، إلا عرضًا أو إذا استلزم الأمر الإعلان عن بعض المتحدثين، ولكن سوف تركز على اثنين فقط، مع وجود اثنين آخرين احتياطيين».
أما المتحدثان المختاران فهما جورج ليزلي وروجر بيري.. إنني سوف أكون هناك لمتابعة سير الأمور، والإشراف على جميع الأنشطة، وما إلى ذلك، ومن ثم سيمكنني أيضًا التعاون مع موظف العلاقات العامة التدخين مفيد !!
كما سعت صناعة التبغ سعيًا حثيثًا في عقد الثمانينيات لمنع شركات الطيران في بلدان الخليج من حظر التدخين أثناء الرحلات فبالرغم من نجاح العديد من شركات الطيران في بلدان الخليج في منع التدخين داخل الطائرات، إلا أن ثمة ضغطًا بدأ في التزايد في عقد التسعينات وذلك وفقًا لمذكرة أعدتها شركة فيليب موريس في ١٩٩٦م، جاء فيها أن من القضايا الأكثر إلحاحًا في بلدان الخليج التهديد الذي يمثله احتمال منع التدخين في الرحلات الجوية الداخلية والخارجية اقتداء بما تم مؤخرًا في الولايات المتحدة عندما فرض مزيد من القيود على التدخين في الرحلات الجوية، لتشمل جميع الرحلات التي تقل عن ٦ ساعات؟
الموت تدخينًا مفيد اقتصاديًا!
أيضًا تسوق شركات السجائر أحيانًا أسبابًا غريبة لتبرير استمرار التدخين وبيان فوائده، ومن ذلك قول شركة فيليب موريس إن موت المدخنين مبكرًا له فوائد اقتصادية.
فقد أكد تقرير مثير للجدل قدمته الشركة العملاقة في عالم صناعة التبغ في الولايات المتحدة والعالم في أوائل يوليو ۲۰۰۱ الماضي أن جمهورية التشيك وفرت ١٤٧ مليون دولار عام ۱۹۹۷م، بسبب موت المدخنين الذين لم يستفيدوا بالتالي من خدمات الرعاية الصحية وإيواء كبار السن.
واعتمد التقرير الذي قدم للحكومة التشيكية على أسلوب تحليل الفائدة مقابل التكلفة، حيث قدر قيمة ما تم توفيره مطروح منه قيمة ما كان الموتى سيدفعونه من ضرائب لو عاشوا بالإضافة إلى قيمة ما أنفق عليهم أثناء مرض الموت!
وواضح أن هدف التقرير هو محاولة إقناع الحكومات بأنها ستستفيد اقتصاديًا من وفاة المدخنين «!»، ومع ذلك فقد أثار هذا التقرير حالة من النقد الشديد في الأوساط الطبية والرسمية. مما دعا الشركة الأمريكية للاعتذار عن نشر هذا التقرير ولكن بعدما كشف كيف تفكر. إذ قال بيان لفيليب موريس: إنها تشعر بالأسف العميق بسبب ما أثير حول الأرباح الاقتصادية الناتجة عن التدخين.
معركة التدخين ليست بالتالي معركة سهلة.. فوراءها شركات متعددة الجنسيات ميزانياتها تفوق ميزانيات دول عديدة، ولديها من وسائل التأثير ما يسمح لها ببسط نفوذها علي الكثير من ضعاف النفوس والغرض هو الربح حتى آخر مدخن!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل