; حرب أمريكية تركية على شاشة السينما | مجلة المجتمع

العنوان حرب أمريكية تركية على شاشة السينما

الكاتب طه عودة

تاريخ النشر السبت 08-أبريل-2006

مشاهدات 61

نشر في العدد 1696

نشر في الصفحة 28

السبت 08-أبريل-2006

لم يسبق في تاريخ السينما التركية أن حظِيَ فيلم تركي بكلّ هذه الشهرة الواسعة التي وجدها فيلم« وادي الذئاب.. العراق» الذي يصور جنود الاحتلال في العراق كمتوَّحشين، واليهود كمافيا للأعضاء البشرية، والذي يثأر من الإهانة التي تعرض لها عسكريون أتراك اعتقلوا على يد جنود أمريكيين بالعراق عام ٢٠٠٣م. هذا الفيلم حطم الأرقام القياسية منذ اليوم الأول لدخوله صالات العرض ووجد إقبالاً غير معهود من كافة السياسيين في البلاد، وعلى رأسهم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وعائلته الذين كانوا أول من حضروا افتتاحه. 

فيلم وادي الذئاب العراق يروي وحشية قوات الاحتلال .

وقد بدأ عرضه في ذكرى غزو العراق فيما كانتْ تذاكر الأسبوعين الأولين من العرض محجوزة سلفاً. 

يبدأ الفيلم بمشهد حقيقي وقع في مدينة السليمانية العراقية في الرابع من تموز/يوليو ٢٠٠٣، حيث قام الجنود الأمريكيين بمداهمة مكاتب القوات الخاصة التركية واعتقلوا ۱۱ منهم لأكثر من يومين، وتمت تغطية رؤوسهم بأكياس من الخيش فيما اعتبره الأتراك إهانة لكرامتهم .  

ونجح مخرج الفيلم حسن كاجان في الربط بين المقدمة والنهاية بطريقة ذكية الأمر الذي كان له وقع كبير في نفوس المشاهدين؛ إذ يبدأ الفيلم بقضية مداهمة القوات الأمريكية لمكتب الجيش التركي في شمال العراق وبالتحديد في مدينة السليمانية ووضع الأكياس في رؤوس الجنود الأتراك، وفي الفيلم ينتحر أحد الأتراك الذين جرى احتجازهم بسبب العار الذي شعر به من وجوده أسيراً لدى الأمريكيين، لكنه يكتب قبل انتحاره رسالة تصل إلى يد ضابط مخابرات تركي يدعى بولات المر وصل إلى شمال العراق للانتقام لزملائه الذين احتجزتهم القوات الأمريكية. 

ويتمكن هذا الضابط من الحصول على ثقة المقاومة العراقية، ويدخل بمساعدتها في مواجهة مع الوحدة الأمريكية التي دخلت السليمانية بقيادة الضابط سامي ويليام مارشال الذي يؤدي دوره في الفيلم الممثل الأمريكي بيلي زان.

 هذه الحادثة اعتبرها الشعب التركي إهانة لهم ومن أجل هذه القضية، وكشف زيف الادعاءات الأمريكيّة بخصوص إحلال الديمقراطية ينتقم «رامبو» الأتراك بطل الفيلم «نجاتي شاشماز» من القائد الأمريكيّ في العراق حيث يدور بينهما الحوار التالي: 

القائد الأمريكي ساخراً : لقد كانتْ لكم خطوط حمر، أين هي الآن؟ لم السكوت؟ بينما تدعون أنّ أكياس الخيش قد مسّتْ كرامتكم!!. 

بطل الفيلم: أنا لستُ سياسياً ولا عسكرياً .. أنا مواطن تركي بسيط آلمني ما قمتم به وشعرتُ بالإهانة في نفسي.. هيا ضع هذا الكيس برأسك، ثم يرمي على وجهه كيساً شبيهاً بالذي استخدمه الأمريكان في حادثة السليمانية. 

القائد صلاح الدين 

وينتهي الفيلم بعرض مشهد يحمل بين ثناياه أكثر من معنى، فيظهر المخرج أنّ بطل الفيلم بلغ غايته التي من أجلها دخل إلى العراق وهي الانتقام لشعبه من الجنود الأمريكيين وخصوصاً من القائد الأمريكي الذي أمر بعملية المداهمة، واعتقال الجنود الأتراك. أمّا المعنى الآخر، وهو قيام بطل الفيلم التركي بقتل القائد الأمريكي بخنجر يعود للقائد صلاح الدين الأيوبي، فيه إشارة إلى أنّ المسلمين سينتصرون في الحرب الصليبية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، كما انتصر قائدهم صلاح الدين في حروبه ضد الصليبيين. 

وفي استفتاءات تركية أخيرة حول نظرة المواطن العادي للولايات المتحدة قال ۷۰٪ من الذين شاركوا في الاستفتاء إنّه الاحتلال الامريكي يتّسم بالعنف غير المبرر، واتهم ٦٨ % أمريكا بالجشع و57% باللا أخلاقية.  

وهذه الصفات هي التي تشكل النسيج الأساسي لفيلم وادي الذئاب حيث نرى في أحد مشاهد الفيلم الجنود الأمريكيين في العراق يقتحمون حفلة عرس ويقتلون أطفالاً أمام أمهاتهم ويفتحون النار على المدنيين العُزَّل الذين يحضرون الحفل، ومن يتبقى منهم على قيد الحياة يسوقونه إلى سجن أبو غريب، حيث يستأصل طبيب يهودي أعضاءهم ويبيعها للأثرياء في نيويورك ولندن وتل أبيب؟ ويقوم بدور الدكتور اليهودي في الفيلم الممثل الأمريكي جاري بوسي.

هذه ليست المرة الأولى التي تتأجّج فيها العلاقات التركية الأمريكية بهذه الصورة ففي نهاية عام ٢٠٠٤ صدرتْ في تركيا رواية بعنوان «العاصفة المعدنية» أحدثتْ ضجة كبيرة في تركيا ولاقت رواجًا كبيرًا.  

 حيث تتنبأ الرواية بعدوان عسكري أمريكي على تركيا بسبب الخلاف حول الملف الكردي. وحسب الرواية، فإنّ شرارة هذه الحرب ستأتي من قيام قوات أمريكية بمهاجمة قوات تركية منتشرة في شمال العراق لحماية الأقلية التركمانية وترسم الرواية صورة صراع شامل إذ يقصف الطيران الأمريكي مدن تركيا الكبرى موقعاً خسائر فادحة في الأرواح تلجأ معها تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وروسيا لطلب العون. 

 وقف المفاوضات  

هذا الفيلم وجد أصداء صارخة في العالم تضاهي أصداء الداخل التركي بعد أن تم توزيعه على الصالات العالمية، حيث أعربت الولايات المتحدة عن استيائها من هذا الفيلم الذي اعتبرته تحريضاً علنياً عليها لدرجة أنها منعت قواتها الأمريكية من الأماكن القريبة من الصالات التي تعرض هذا الفيلم كما أمرت سفيرها في أنقرة أن يكتب تقريراً حول ردود الأفعال التركية وتأثير الفيلم عليهم.. 

أما في ألمانيا، فقد تباينتْ ردود الفعل السياسية ما بين مؤيد ومعارض لوقف عرض الفيلم. وقد وصل الأمر إلى حد مطالبة أحد أكبر الأحزاب السياسية والشريك  الرئيس في الائتلاف الحاكم في ألمانيا بوقف مفاوضات الاتحاد الأوروبي مع تركيا ومنع انضمامها إلى الاتحاد.

 ولم تقتصر المعارضة للفيلم على الأحزاب السياسية بل اتّسعت الدائرة لتشمل الكنيسة الإنجيلية بألمانيا التي طالبت أصحاب دور السينما في ألمانيا بمقاطعة الفيلم بدعوى أنّه لا يدعو إلى الاندماج، وأنّه معاد للغرب وللسامية. 

كما دعا الاتحاد الاشتراكي المسيحي الساسة الأتراك إلى توضيح موقفهم من هذا الفيلم طالباً منهم التبرؤ منه أما وزير داخلية ولاية بافاريا الألماني جونتر بکشتاين، فقد قام بإرسال بعض رجاله إلى دور السينما المتابعة ردود الأفعال بحجة أنّ هذا من مهام الداخلية لحفظ الأمن والاستقرار. 

ووصف بكشتاين الفيلم بأنّه يدعو إلى عداء الغرب والسامية، وأنّ توقيت عرضه بعد أزمة الرسوم الكاريكاتورية أمر خطير ، ولكنّه عارض وقف الفيلم مكتفياً بالمطالبة بوضع جدول محدد لعرضه أما الحزب الديمقراطي الحر فقد تبنى رأياً مخالفاً، وطالب بعدم المساس بالفيلم والإبقاء على أوقات عرضه دون تغيير وشبه الديمقراطي الحرّ المعارضين للفيلم بالحكام العرب الذين يعارضون حرية الرأي والتعبير في أوروبا. 

وقد اعتبر المجلس المركزي للمسلمين بألمانيا أنّ الفيلم مريب ولا يدعو إلى الاندماج، إلا أنّه رفض الدّعاوى بمنع الفيلم مؤكداً أهمية الحوار والتناقش بشأن هذا الفيلم المثير للجدل.

وخلاصة القول أنّ فيلم وادي الذئاب العراق يعتبر من أجرأ الأفلام التي تناولتْ الانتهاكات الأمريكية في العراق، وهو يعكس بوضوح التوتر في العلاقات التركية الأمريكية، ورغم أن إنتاج الفيلم كلف أكثر من أي فيلم آخر في تاريخ السينما التركية (۳۸ مليون يورو) إلا أنّه سدّد تكاليف الإنتاج خلال الشهر الأول من العرض فقط، وذلك لأنّ صناع السينما التركية تمكنوا من التجاوب مع مشاعر الشعب الذي اتخذ من هذا الفيلم وقفة عزّ ضد الإذلال الذي تعرض له ١١ جندياً تركيّاً على يد القوات الأمريكية، وبالتّالي أشبع جزءاً مهما من غرور الأتراك ضد الاستبداد والاستصغار الغربي الشعوب المنطقة.

الرابط المختصر :