العنوان حديث عن إفساد بني إسرائيل وعلوّهم
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-2000
مشاهدات 70
نشر في العدد 1384
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 18-يناير-2000
المتأمل في سورة الإسراء يجد أنها تحدثت عن إفساد بني إسرائيل وعلوهم بعد حديثها عن واقعة الإسراء التي ربطت بين المسجدين الحرام والأقصى، فما الحكمة من الربط بين المسجدين؟ وما الحكمة من الحديث عن إفساد بني إسرائيل وعلوهم في هذا الموضع بالذات؟ ومتى حدث الإفساد والعلو؟
ورث الإسلام الديانات السابقة لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩) ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥).
وقد ادعى كل من النصارى واليهود والمشركين أحقيتهم بإبراهيم- عليه السلام- ولكن القرآن الكريم رد عليهم جميعًا بأن محمدًا وأتباعه هم أولى الناس بإبراهيم، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٦٨) وذلك لأن إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مشركًا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: ٦٧).
واقتضت هذه الوراثة الربط بين المسجد الحرام وأبرز المقدسات الأخرى وهو المسجد الأقصى فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: ١) وقد اقتضت هذه الوراثة تنبيه الأمة الإسلامية إلى أهمية أرض النبوات فجاء الحديث عن إفساد بني إسرائيل وعلوهم وسيطرتهم على المسجد الأقصى مرتين ثم انتزاعه منهم، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء: ٥، ٦، ٧).
والسؤال الآن متى حدثت هاتان الواقعتان؟
معظم المفسرين أو كلهم على أن تلكما الواقعتين حدثتا في الماضي قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الأرجح أن أولى الواقعتين هو ما شاهدناه من دخول اليهود إلى المسجد الأقصى عام ١٩٦٧م. وهذا ما سنوضحه في السطور التالية:
ذكر الطبري في تفسيره عدة روايات عن إفساد بني إسرائيل وعن المسلطين عليهم، فقال في رواية إن أول الفسادين قتل زكريا فبعث الله عليهم ملك النبط ويدعى صحابين، وقال في رواية أخرى: كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين: قتل زكريا ويحيى بن زكريا، سلط الله عليهم سابور ذا الاكتاف ملكًا من ملوك فارس من قَتْل زكريا، وسلط عليهم بختنصر من قَتْل يحيى، وفي رواية ثالثة: أن إفسادهم الأول كان قتل أشعيا نبي الله لأن زكريا مات موتًا ولم يقتل، أما إفسادهم الثاني فلا خوف عليهم فقد كان قتل يحيى بن زكريا- عليهما السلام- وفي رواية رابعة: كان الذي سلط عليهم في المرة الأولى جالوت وهو من أهل الجزيرة، حتى بعث الله طالوت ومعه داوود فقتله داود- عليه السلام- وقال في رواية خامسة: بعث الله عليهم في المرة الأولى سنحاريب من أهل أثور ونينوى وقيل إنها الموصل.
وقد ذكر القرطبي وابن كثير في تفسيريهما عن إفساد بني إسرائيل قريبًا مما ذكره الطبري مع تفصيل أقل في الحديث عن الإفسادين وعن المسلطين عليهم، لكننا حين نقارن أقوال المفسرين القدماء بما ورد في سورة الإسراء نجد أن القرآن الكريم قد وصف بني إسرائيل بصفتين متلازمتين هما: الإفساد والعلو، وهو ما لم يحدث في كل الوقائع التي أشار إليها المفسرون القدماء. فهم قد تحدثوا عن إفساد ولم يتحدثوا عن علو، وهذه أولى المفارقات، أما المفارقة الثانية فإن القرآن قد وصف الناس الذين سيدخلون المسجد وسيدمرون ما بناه بنو إسرائيل بأنهم ﴿عِبَادًا لَّنَا﴾ (الإسراء: ٥) والأرجح أنهم عباد مؤمنون خالصون لله وهو ما لم يتحقق في جالوت أو سنحاريب أو بختنصر.. إلخ، إن عدم تطابق المواصفات التي طرحها المفسرون القدماء لدخول بني إسرائيل المسجد الأقصى مع المواصفات التي طرحها القرآن الكريم تجعلنا نرجح أن المرة الأولى تنطبق على احتلالهم الحالي للأقصى الذي وقع في يونيو عام ١٩٦٧م وذلك لأن العلو اليهودي الذي قالت عنه الآية ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: ٤) فأكدته بالمفعول المطلق «علوًّا» ثم وصفته بالصفة «كبيًرا» نجد مصداقيته في العصر الحالي، فدولة بني إسرائيل كلمتها عالية، وأوامرها مستجابة، وودها مطلوب وجانبها مُهاب، وانتصاراتها متتالية، وقوتها أكبر من حجمها فهي الدولة النووية السادسة في العالم... إلخ، وقد ميز القرآن العلو الثاني بأن بني إسرائيل سيصبحون فيه أكثر نفيرًا، أي أكثر عددًا وهو لم يتحقق في كل مرات الإفساد الثاني التي تحدث عنها المفسرون، فهم لم يصبحوا أكثر عددًا من الأقوام التي قاتلوها.
والسؤال الآن: ما الحكمة من حديث القرآن الكريم عن إفساد بني إسرائيل وعلوهم في السورة التي ربطت بين المسجدين الحرام والأقصى؟ الحكمة من ذلك تنبيه الأمة الإسلامية حاملة ميراث النبوة إلى أهمية أرض النبوات في حياتها القادمة، لذلك كانت الحروب مع إسرائيل في الحاضر وكانت الحروب الصليبية في الماضي أخطر ما واجه الأمة الإسلامية في حاضرها وماضيها، وكان مدار الحربين المسجد الأقصى في الحاضر أو الأرض المقدسة المحيطة بالمسجد الأقصى في الماضي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل