; حديث عن.. القصة | مجلة المجتمع

العنوان حديث عن.. القصة

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1973

مشاهدات 14

نشر في العدد 142

نشر في الصفحة 33

الثلاثاء 20-مارس-1973

القصة فن من الفنون الأدبية.. ولم تكن القصة بمعناها الحديث معروفة على النحو الذي نألفه الآن.. «اختص بكتابتها كتاب.. تولوا القيام عليها وأصبحوا أعلامًا في مثل هذا النوع من الفن».

والأمر في ذلك يحتاج إلى بحث وفحصٍ للوقوف على أول من كتب القصة ومن نهج هذا السبيل.. وكيف كانت بدايات الكتابة.. وليس من شأني هنا في هذا المجال أن أستعرض وأحلل.. فهذا موضوع طويل وحسبي هنا أنني أنتبه كما بدأت ببدء إلى غاية سامية..

والقصة كنوع من أنواع الفنون المعروفة.. الشائعة الآن في الأوساط الأدبية انتزعت لها مكانًا.. لعله أبرز هذه الأماكن من حيث الشعبية العامة.. وسيطرتها على الذهن... وهذا راجع إلى أمور عدة يجدها من يحاول أن يتتبع ويستقصي..

والقصة بلغت في عصرنا هذا مبلغًا كبيرًا.. ففي الوقت الذي لا تعد فيه الروح الأدبية ذات هيئة وسيطرة.. وابتعاد الناس عن مجالات الأدب.. في فترة من الهدوء قاتلة.. ولعلي في هذا أتكلم عن مجتمعي الذي أعيشه.. ولا أطرق أبواب المشرق ومجتمعاته.. في هذا الوقت بدت إشارات ظهور هذه القصة وانتشارها.. ولعل الغرب في هذا المجال أسبق منا.. لأننا في الوقت الذي داعب النعاس أجفان هذه الأمة كان مارد الغرب يفرك عيونه ليصحو! واستطاع أن ينتقم لرقدته الطويلة.. فقفز قفزات.. حسبنا أنفسنا ونحن ننظر بعد طول سبات أننا في المؤخرة..

ونهضت القصة وتسامت مراتب عليا عندهم.. عندما كنا نحن نحاول أن نلج الباب وكان لنا أن دخلنا.. ولكن.. كان في دخولنا خطر.. لأن الذين عالجوا المفتاح بالباب لم يحسنوا المعالجة!!

والقصة -كما هي معروفة- ذات ظل خفيف وروح نفاذةٍ.. نفذت إلى النفوس لأحداثها وعقدها وما تمتلئُ به من تطور وتلاحق في المواقف وتشابك في طرق عرضها.. ثم لتوالي صورها المحزنة والمفرحة.. ثم إلى الخاتمة وما تكون.. فوجد الناس فيها تسلية وأقبل القراء ينشدون فيها متعة تعوضهم عن وقتهم المجهد الذي يبعث السَّأَمَ في نفوسهم فكانت القصة أخف الأعمال الأدبية على النفس وشاعت شيوعًا جعل كتابها روادًا في هذا المجال فانطلقوا يكتبون!

على أن القصة عندنا لم تبلغ مبلغ القوة التي بلغتها في الغرب.. ولعل ذلك راجع إلى قصر عمر الفكرة التي بدأت فيها الكتابة عندنا.. ومن ثم عدم وجود عدد من القصاص يتنافسون في إبراز القصة الحقة.. ووجد عندنا قصص خلال هذه الفترة.. لكن تسأل:

ما قيمة القصة إن لم تعالج الموضوعات التي تؤدي إلى صلاح المجتمع وترابطه؟!

ذلك أن القصة عندنا - إلا قليلًا - لا تؤدي الدور الذي وجدت من أجله.. وتباري الكثير من الكتاب في وضع القصص.. التي أخضعت النفوس لأمور تافهة.. وجعلتها تتلهف للخفايا وتجسد في الأفكار روح الجريمة وتدفع إليها..

والقصة أداة هامة من أدوات التوجيه وقد انتشرت انتشارًا كبيرًا عند القراء في الوقت الذي يعدم فيه الأدب من يستطيع الاطلاع عليه.. اللهم إلا من وجد أن به ميلًا للأدب.. ويحاول أن يتعب ويكد ذهنه ليعطي صورة جميلة للأدب الإسلامي عمومًا..

هذه الأداة استغلها الكثيرون لمطامعهم الشخصية.. من حب الظهور.. ومن ثم ملء الجيوب والنظر نحو السذج الذين يلتفون حول كل من اشتهر اسمه.. وبذلك يصبح هذا المدعي.. كاتبًا مشهورًا.. وكعادة الفراش يحوم حول النار حتى يقع فيه.. حام هؤلاء حول أمثال هؤلاء الكتاب وتطرقاتهم..

على أن الأدب المنشود.. أو القصة التي كان يستطيع كاتبها أن يجعل منها نقطة انطلاق نحو الفضيلة ومحو الرذيلة من المجتمع.. هذا الأدب وهذه القصة التي هي فن من فنونه عدمت وجود أمثال هؤلاء الرجال.. إلا عدد قليل.. إلى جانب الإنتاج القليل..

وإلا فهذه الكمية القصصية الموجودة ما مقدار تأديتها لإصلاح هذا المجتمع الذي ضاعت هويته فيصبح لا يدري ما الصباح.. ويمسي لا يعرف للشمس مغيبًا..

هذا المجتمع الذي فقد شخصيته.. وأصبح يعيش على هامش الحياة.. في هذه الفترة الضائعة من حياته.. لا يجد من يأخذ بيده نحو النور.. فهدف كتابه ينحصر في أمور دنيوية بحتة..

• البحث عن الشهرة والتهافت على حب الظهور..

• محاولة تحقيق أكبر قدر ممكن من ابتزاز الأموال عن طريق المخدوعين..

ثم أتلفتُ لأرى أين وجه الدفاع عن الفضيلة؟ فأراه كالحًا وأرى وجه الرذيلة باسمًا تعلوه الأصباغ في كل شبر من هذه الأرض.

إن الكاتب لو أخلص - على الأقل - لوطنه.. فإنه يستطيع أن يقدم الكثير.

وأن القارئ لو وجد ما ينظف عقله.. وما يعطيه جلاء لروحه لانقشعت عن نفسه هذه الوساوس التي تنتابه آناء الليل وأطراف النهار.

إن في يد الكاتب أن يضع علائم الطريق أمام السائرين.. فالقارئ كثيرًا ما يتأثر من قراءة قصة وكثيرًا ما يهزه مشهد مأساوي يصوره القاص فيبلغ روحه ويهز قلبه.. وتتحرك فيه إنسانيته ويصحو ضميره..

أما القصة الماجنة التي رسم صاحبها أنه سيجني من ورائها شهرة ومالًا فهذه هي التي تستحوذ على أفكار الشباب الضائع في طور المراهقة.. الذي تزحمه الحياة في صور شتى.. من امرأة عارية إلى تبذل وتهتك في كل مكان.. وتجمعه له القصة بأسلوب وعبارات يندى لها الجبين تنزع به إلى الخيال الذي لا يورثه إلا التفكير الواهم.. ويسلمه إلى الهموم المتشعبة والتي تقضي على ما فيه من روح هادئة.. فتحولها إلى قلق دائم.. وشؤم مستمر..

إن القصاص يستطيعون أن يعطوا الكثير.. لكن إذا أخلصوا وأبعدوا عن أعينهم وأفكارهم كل تصوراتهم الخاطئة.. ثم إن أحسنوا لأنفسهم.. وقدموا المصلحة العامة على أفكارهم الشخصية.. إنهم بذلك يعملون على رفع الروح الإنسانية والسمو بها نحو العلا.. وسيكونون أئمة روادًا بحق!

أحمد محمد عبد الله

حسن الخلق

داوِ بالرفق جراحات الخرق                         وابلُ قبل الحمد والذم وثق

وسَعِ الناس بخلق حسن                              لم يضق شيء على حسن الخلق

كل من لم تتسع أخلاقه                                بعد الإحسان منه وسحق

الرابط المختصر :