; حديث المدرس إلى الطلبة التربية المثلى | مجلة المجتمع

العنوان حديث المدرس إلى الطلبة التربية المثلى

الكاتب سليمان محمد سليمان

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1975

مشاهدات 86

نشر في العدد 243

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 01-أبريل-1975

إنها حكاية قديمة، قديمة جدًا، جوهرها قديم، ولكنها بأسلوب متجدد على الدوام، إنها قديمة، ولكنها ترتدي كل عصر ثوبًا يغاير ما كانت قد لبسته من أثواب متباينة الألوان والأشكال، ولكنها مادة واحدة. حكايتنا هذه هي الدعوة، الدعوة إلى الحق، إلى النور، إلى تفتح القلوب على مصاريعها، لتدخل نسمة هواء رطبة لذيذة، لينير الظلام شعاع نور، لتستقر كلمة، كلمة عظيمة، انبعثت من السماء، فيتلقاها القوي الأمين ويبلغها محمد- صلى الله عليه وسلم-.

فيأتي البشير النذير محمد، ويشمر عن ساعديه للعمل، فلا نوم الآن أبدًا، يأتي يا إخوتي هذا العظيم ليباشر عملية التغيير، ويحرث الأرض، يقلبها، سيدخلها الهواء، والشمس، ويأتي إلى الغراس، ويمكنها في الأرض، ويجمع حولها التراب، لتحتمي من الرياح العاتية، ويسقيها أيها الأخوة، فتنمو الغراس، فيصبح جذيرات لها وتمتد في الأرض بعد ذلك جذورًا غليظة، وتمتد إلى العلاء، فيكون ساق وتتفرع أوراق، ويعلو الشجر، وتعلو الشجرة، وهكذا نمو في باطن الأرض، وسمو حتى عنان السماء، فهذه كلمة لا إله إلا الله.

ولكن أيها الأبناء هل ذهب الزارع العظيم؟ هل مات هذا المحرر الكبير؟ هل ذهب محمد؟؟ بالطبع كلا، وستقولون أنتم: كلا، وبقوة، وعزم، وتصميم، ومضي في طريق الجهاد، لم يمت يا أخوتي, محمد، ها هي الآن بين أيدينا سطور، سطور من خلود، وقد سجلت في كتاب ولكنها عظيمة وكبيرة، معانيها لا يحتويها كتب، ولا كل الكتب، إنها من مولانا وخالقنا، من رب العزة، من الله، وقد ترك يا أخوتي لنا شيئًا عظيمًا أيضًا، إنه المنهج الذي سلكه، إنها الطريقة المحمدية التي امتلأت بها الأرض خيرًا وعطاء ونورًا وإيمانًا، ها هي سنة رسولنا العظيم بين أيدينا، کنز عظیم نمتلكه، جوهرة نادرة حزناها، قرآن وسنة، فلنعمل إذن، أين السواعد المشمرة؟ أين الأنوف الأبية التي تأبى التمرغ في الذل؟ 

أين الأيادي القوية التي ستحرث الأرض وتزرعها هيا نخلع الأعشاب السامة لننزع الأشواك فنحرث الأرض من جديد، لنزرع الغراس المثمرة، لنزرع النفوس بمعاني الخير، قال لي مدرس عن تجربته:

وكانت جماعتي من الأبناء قليلة في بادئ الأمر، لا يكاد يشعر بوجودنا أحد، وكان هناك في البداية ساعد قوي معنا، فتقوى السواعد، ولكن الساعد ذهب عنا، ولكننا صمدنا، كنا جماعة قليلة كما قلت، أما الصلاة فنؤديها على الأرض، ولكن لا بأس، فلا نحزن. ألم يخبرنا معلمنا العظيم أن الأرض كلها مسجد وطهور؟؟ بلى يا إخوتي، ليس هذا هو المهم الآن، ولكن النفوس الظامئة التي تنتظر من يسقيها، أنتركها إلى شياطين الظلام تعبث ببراءتها وطهارتها؟ 

القلوب الطيبة التي نبضت بكل معاني الطهر والنقاء، أندير لها ظهورنا؟ كلا ثم كلا..

وتتابعت اللقاءات، ويتكرر النداء ويزداد الحوار عمقًا، وتزداد الجماعة التي اتخذت ركنًا منزويًا في ساحة خلفية للمدرسة لتقيم عليها الصلاة، وذلك بعد إزالة الأوساخ التي كنا نجدها مكدسة أمامنا يوميًا، ولكن لا بأس، سنزيل الأوساخ، سنمهد الطريق، وتكون هذه الورود جميلة، وتكون عطرية، وتنتشر الرائحة في الأرجاء، في جميع الأرجاء، ونستنشق الأنفاس منها بقوة لتملأ الصدور، وترتفع الرؤوس، ولا تنحني، إلا للعظيم، لله القوي العزيز، لله الرحمن الرحيم..

وقارب العام الدراسي على الانتهاء، وقرر الجميع أن يقيموا احتفالًا رياضيًا وترفيهيًا، لا بأس في ذلك، إنها فكرة عظيمة، ولكن، كيف يكون هذا الاحتفال يا ترى، بأعمال صبيانية يشترك فيها المدرس مع التلميذ، ألم نجد أشياء نقوم بها ونرفه بها عن أنفسنا، وتحفظ للمدرس كرامته، ولکن دعنا من هذا الآن. وتحلق الجميع حول الساحة التي تقام فيها البهلوانيات المقيتة جميع من في المدرسة، من مدرس وتلميذ، الجميع يصيح ويصرخ بجنون بلا تعقل، يصفقون لهذا لأنه ينط كما تنط الجنادب وقد وضع نفسه في كيس كبير، ويصفقون لذاك لأنه آخر من انفجر بالونه، آه من هذه البالونات المنفوخة التي لا تحتوي إلا على الهواء فهي فارغة، خلت من تفكير سليم، لو ضغطت عليها انفجرت وتناثرت قطعًا في كل مكان، بلا كرامة، وتدوسها الأرجل، كل الأرجل.

في ذلك الوقت لم يكن صوتنا مسموعًا، لم يكن يقيم لنا أحد وزنًا، وحان موعد الصلاة، وكنت قد كلفت بعضهم بفرش السجاجيد ولكن القوم في هرج ومرج وصخب، أنى لهم أن يأتوا إلى الله، ولكن صوت الحق آن له أن يرتفع مهما كلف ذلك من ثمن.

كنت يومها قد اتفقت مع بعض الطيبين، من صفوة القوم، اتفقت معه على أن يقوم ويجهر بالنداء، فليرتفع صوت الحق إذن، وسط مراتع اللهو والفساد، وسط الظلام، في صحراء رملية قاحلة ليعم النور والخير والاطمئنان کل مکان.

وارتفعت الله أكبر من فم طاهر كريم، ودوى صوته ليواصل النداء، ولكن ارتفع من ناحية أخرى صوت لئيم جاهل ليسكت النداء، ولكن الفم الطاهر واصل النداء، لم يهتم، ولم يأبه، ولم يلتفت، وأتم النداء، وكان حارًا، قويًا يهز النفوس التي استمرأت الهوان والذل والانحراف.

كم أنت عظيم يا بني، كم أنت جريء في الحق يا فؤاد، موقف لك لا أنساه، ولن أنساه أبدًا.

واتجهت قلوب مؤمنة نحو ربها خاشعة ملبية نداء الله أكبر، حي على الصلاة، حي على الفلاح.

وواصلنا المسيرة يا إخوتي مع العقبات الكبيرة، مع الصعاب التي واجهتنا لكننا سرنا ونسير دون كلل أو ملل أو يأس فمهما اشتد الظلام، لا بد أن نهارًا واضحًا بنوره بشمسه الساطعة القوية، سوف يظهر، سوف يبتزغ عما قريب، ولنا في قول الله العلي العظيم نبراس منير: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (التوبة: 105).

وكنت أصغي للمدرس بكل جوارحي، وهزني بحديثه وتساءلت لماذا لا تكون هذه التجربة في كل مدرسة؟!

الرابط المختصر :