العنوان حديث المدرس إلى طلبته
الكاتب سليمان محمد سليمان
تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1975
مشاهدات 79
نشر في العدد 240
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-مارس-1975
أيها الأبناء:
حكاية جرت معي في العيد أود المرور عليها، ولو أن وقت العيد قد مضى منذ أشهر، إلا أنها خاطرة مرت بالنفس أود تسجيلها لتكون عبرة ودرسًا لأبنائنا الأعزاء، وبداية هذه الحكاية في اليوم الذي سبق وقوف الحج على عرفات، وذلك عند دخولي أحد الفصول التي أقوم بتدريسها، وكالعادة أديت تحية السلام، فرد على بأحسن ممـــا أديت، وبعد أن جلس الجميع استعدادًا للبدء بالدرس، إذا بأحدهم يرفع يده يريد الكلام فأذنت له، عند ذلك قام التلميذ وناولني رسالة مغلفة فهمت أنها لي ففضضت الغلاف وإذا بداخله بطاقة عيد هناني التلاميذ فيها بالعيد لا أدري كيف أصف إحساسي في تلك اللحظات، أهو الحب والتقدير لهؤلاء الطيبين، أم هو العرفان بالجميل أم ماذا ؟ أم كل هذه الأشياء؟ لكنني لا أخفي أنني أحسست بسعادة غامرة، ونشوة عارمة، جعلت خيالي يحلق في أجواء بعيدة، هناك،
حيث ولد الإسلام، وتخيلت كيف كان النبي الكريم يجلس وحوله أصحابه يستمعون للقرآن الكريم يتلى، يستمعون لوحي الله على لسان رسول الله، وأبصارهم شاخصة نحوه وقلوبهم وجلة مما يسمعون، وكلهم آذان وعقول لتسمع وتعي ما يقول محمد -صلى الله عليه وسلم-، جلت بخاطري ليحلق في سماء المعارك والغزوات التي قادها رسولنا العظيم، ورأيت التضحية، وشاهدت إلى أي حد وصل الوفاء للمعلم العظيم، كانوا يذودون عنه بأجسادهـم لتأتي الطعنات فيها، ليسلم المعلم القائد، لكي لا يصاب، فها هي نسيبة بنت كعب الأنصارية تقف دون الرسول عليه السلام وهو جريح في أحد تذود عنه بنفسها حتى لا يصل إليه الأعداء، فتصاب نسيبة باثنتي عشرة طعنة، ولم تهن عزيمتها.
لا عجب أن المسلمين كانوا يفدونه بأرواحهم وبآبائهم وأبنائهم وبكل ما عز عندهم، فهو المنقذ لهم من الضلال، فهو الذي أنار عقولهم بالعلم والإيمان، يقول لنا عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ويقول في حديث شريف آخر «إنما بعثت معلمًا» ولنقترب يا إخوتي حيث العصر الذهبي للدولة الإسلامية، وذلك بعد أن وطدت الفتوحات أركان هذه الدولة العظيمة وعم السلام والاستقرار، لننظر في العصر العباسي، وفي أوله بالذات، لنرى هارون الرشيد يجلس في شرفة قصره، فيرى الغيمة في السماء وهي تبتعد عن بغداد فيقول لها «أمطري أنى شئت فخراجك لنا» هارون الرشيد هذا يا أخوتي كان له ولدان، وكان مدرس فقير يأتي إلى قصر الخليفة ليقوم بتدريس ابني هارون الرشيد وهما الأمين والمأمون، ويا للعجب إذ أنه عندما كان ينتهي الأستاذ من دروسه، أقول مرة أخرى يا للعجب! ولكن لا تعجبوا عندما تعرفون أن أبناء الخليفة كانا يتقاتلان على إحضار الحذاء للأستاذ. أبناء أعظم خليفة على وجه الأرض في ذلك الوقت يتقاتلان للسبب الذي ذكرته لكم، وأخيرًا تم الاتفاق، ولكن أتدرون على ماذا تم؟ صار كل واحد يحمل فردة من الحذاء ويضعها أما الأستاذ، وأظن أن الأستاذ إن لم تخني الذاكرة كان الكسائي ولكن يا للعجب أقولها بكل مرارة هذه المرة، فنحن في هذه الأيام نعيش في ذل، ومع ذلك نتعالى علي الأستاذ، ولا نكن له شيئًا من احترام أو تقدير وهل توقف التعالي عند التلميذ كلا بل تجد في نفسية الكبار أيضًا، قال لي صديق بينما كنت أحاور أحد النظار في إحدى المدارس الخاصة وذلك لزيادة أجري إذا به يقول لي: المسالمة مسألة عرض وطلب «سوق»، فأنا مستعد إن أنت تركت المدرسة أن أحضر مدرسًا أرخص منك بكثير ألهذا وصل الحد بالناس؟
وننسى بل نتناسى ما يبذله المسكين من تعب حتى يجعل من تلاميذه رجالًا تعتمد عليهم الأمة أيام المحن، فهو صامد ليل نهار، مكافح كل وقته، هو لعمري - مجاهد عظيم، إنه والد الأمة بأكملها، فمن تحت يديه تتهذب الأمة كلها لقد مرت هذه الخواطر أمامي سريعة عند ذلك قلت لنفسي: -- هل يعرف الأبناء ما للمعلم من مقام ودرجة؟ وهل يعرف الكبار ذلك أيضًا؟ أتتغير المفاهيم يا ترى فينظر لي المدرس نظرة كلها حب وتقدير؟ البخل عليه بحفنة من -السعادة - إن صح التعبير- إکرامًا لجهده العظيم إكرامًا للعطاء الكبير الذي يقدمه على حساب دمه وشبابه، إكرامًا للمعلم العظيم محمد عليه السلام، إكرامًا لرسول البشرية، لنرجع إلى الحق وأرجو من الله ذلك.
الرابط المختصر :