العنوان حدث في هذا الشهر- العمل اليهودي الحاقد في ظلال غزوة الأحزاب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1978
مشاهدات 127
نشر في العدد 413
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 26-سبتمبر-1978
- اليهود والشخصية الخيانية المركبة على عقدة الحقد والغدر والكيد:
- خيانة قريظة للعهد في أحرج موقف صورة ثابتة للشخصية اليهودية في كل زمان.
- عقدة اليهود وتأليب قوى الجاهلية في الجزيرة العربية للقضاء على دولة الإسلام:
- خيانة بني قريظة ونقضهم العهد في أحرج موقف تعبيرا عن عقدة الحقد اليهودية.
- تأليب اليهود قوى الشر يوم الأحزاب صار لعبة اليهود الأممية في العصر الحاضر
تأبى الشخصية اليهودية المركبة على عقدة الحقد والغدر والخيانة ومحاربة الله ورسوله إلا أن تظهر عقدتها تلك في أي زمان ومكان، ذلك أن هذا النوع من التركيب الحاقد على البشرية جمعاء أولا، ثم هو حاقد على كل دعوة من شأنها مد سلطانها على هذه الأرض، ومن أجل هذا ترى اليهود أينما كانوا ليس لهم سوى الكيد والدسيسة والوقيعة، إذا كانوا في حال من الضعف لا يساعدهم على المجابهة بالقوة والحرب، أما إذا كانوا هم الطرف الأقوى، فالويل والثبور والغيظ والحقد والقتل والتشريد والتمثيل هو ديدنهم، وهو سلوكهم وشأنهم، فكيف لو كان عدوهم هو هذا الدين الإلهي الذي يعتبر الأرض لله يورثها من يشاء من عباده؟ وكيف إذا كانت أمة الإسلام هي عدوهم الوحيد- كما هو الأمر عليه في ظروفنا الحاضرة-؟ لقد أعطانا التاريخ الإسلامي ما يكفينا من دروس وعبر لمعرفة طريق التعامل مع اليهود وفي حالتي الحرب والسلم، كما قدم لنا القرآن الكريم الشريحة الحية الشاخصة لدراسة الشخصية فيها، وأحرى بأمة دينها الإسلام، وكتابها القرآن الكريم أن تقتفي أثر وحي الله- سبحانه- في التعامل مع اليهود في هذا العصر، أنهم كما حدثنا القرآن الكريم لا إلا لهم ولا ذمة ولا عهد عندهم ولا ميثاق، ولعل الدائرة لم تدر على رؤوسهم، ولم تقطع أعناقهم في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا بسبب الطبع الخياني المركب في نفوسهم، لقد أجلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يهود قينقاع بسبب نقض العهد بعد غزوة بدر، ثم حارب بني النضير وأجلى بقاياهم بسبب خيانة العهد وقطع ميثاق قطعوه على أنفسهم، ثم حفر خندق الإعدام لمعاقبة بني قريظة بسبب خيانة العهد وقطع الذمة أيضًا، أن غزوات الرسول- صلى الله عليه وسلم- لليهود كانت كلها بسبب نقضهم لعهد عاهدوه، وميثاق أخذه عليهم، هذه هي طباع اليهود، وهذه هي شخصيتهم الخائنة الذليلة الخسيسة، وهنا قد يدعي مدع بأن الحضارة الحديثة أذابت هذا الطبع من شخصية يهود ونحن ندعو مثل هذا القائل إلى دراسة الشخصية اليهودية في تاريخها الطويل مع كل أمة وفي كل بلد، لقد جاور اليهود معظم الأمم القديمة، ولم تكن حصيلة ذلك الجوار سوى حرب الأمم لهم وإجلائهم عن مساكنهم لسبب وحيد فقط هو الخيانة، كما سكن اليهود بعض البلاد الأوربية في العصور الوسطى، فكانت خيانتهم لأهل تلك البلاد تدعو ملوك أوربا وزعمائها للقضاء عليهم أو طردهم، وقد عانت أسبانيا وملوكها النصارى من غدر اليهود طيلة فترة العصور الوسطى، فنصب أهل تلك البلاد مذابح الإبادة ومقابر الموت، على أن اليهود لم يلاقوا الجوار الطيب الآمن إلا في كافة الدولة الإسلامية وهم أهل الذمة، ومع ذلك تراهم اليوم في عنفوان حقدهم على المسلمين، وفي قمة الغل والكيد لهذا الدين، لكن، الذي يدهشنا ويدهش كل من يعرف طباع اليهود وموقف الإسلام منهم، ذلك الموقف المخزي الذي وقفه كثير من العرب من يهود هذا العصر.
لقد علمنا الإسلام فنسينا، ونصحنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتغافلنا، ووعظنا التاريخ فتجاهلنا وتجاوزنا عظاته ودروسه وعبره، أن كرامة هذه الأمة لا ترد ولا تحفظ إلا بهذا الدين، والتخلص من طغيان اليهود لا يكمن إلا باقتفاء هدى القرآن الكريم وطريقة المصطفى - صلى الله عليه وسلم-، وإذا كنا تحدثنا عن موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- في العدد الماضي من بني قينقاع، فإن في هذا الشهر مناسبة أخرى من مواسم الخيانة اليهودية للمسلمين تلك الخيانة التي كانت سببًا من أسباب غزوة الأحزاب- الخندق- التي ذهبت باليهود إلى حشد قوى الجاهلية في أرض الجزيرة العربية للقضاء على دين محمد - صلى الله عليه وسلم-.
بعد اشتداد أثر الإسلام وقيام دولته الصغيرة في المدينة المنورة بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أيقن كفار الجزيرة العربية أنهم لم يستطيعوا مغالبة الإسلام وقهره والقضاء عليه إلا بحرب أشبه ما تكون بالحروب العالمية التي تشترك بها سائر أطراف عالم الجزيرة العربية، وكان زعماء اليهود أبصر من غيرهم بهذه الحقيقة، وكانوا يعرفون رغبة قوى الشر والجاهلية في الجزيرة بالقضاء على المسلمين، فقرروا أن يرسموا لهم خطة حاسمة تجعل مصير الإسلام بين أيديهم، ورأوا أن ذلك لا يمكن إلا بتخطيط شامل يكفل اشتراك كل عرب الجزيرة في أضخم معركة عرفها ذلك العصر، لذلك أجمع زعماء اليهود - بدافع من عقدة الحقد على الإسلام- على تأليب كل العرب وحشدهم في جيش كثيف ينازل محمدًا- صلى الله عليه وسلم- في معركة حاسمة.
من أجل تلبية داعي الحقد في نفوس اليهود، خاض زعمائهم معركة سياسية في أرجاء الجزيرة العربية، حيث طافوا جميع مناطقها، واجتمعوا بكافة قبائلها المشركة، وعقدوا اجتماعات الإقناع بحرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع كافة زعماء الشر والعدوان آنذاك، فقد ذهب نفر من قادة اليهود إلى قريش يسفرونهم للحرب، وكان على رأسهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي ابن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق وأبو عمارة الوائلي، ووعدوا زعماء قريش بالانضمام إليهم في القضاء على المسلمين في المدينة، والغريب أن أحبار اليهود أكدوا لعبدة الأوثان في مكة أن قتال محمد - صلى الله عليه وسلم- حق، واستئصاله أرضى لله؛ لأن دين قريش أفضل من دينه، وتقاليد الجاهلية أفضل من تعاليم القرآن الكريم، وهذه طريقة يهودية خبيثة في الإقناع، وقد سرت قريش بما سمعت وزادها إصرارًا على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما وجدته من حماس اليهود في ذلك، فتواعد الطرفان أن يكونا معًا في تنفيذ المؤامرة الضخمة.
إن اليهود اعتمدوا في تأليب قريش على التزوير وبدل الحقائق، وقلب الحق بالباطل والباطل حقا، فلقد أكد أحبارهم القرشيين سلامة دينهم وصحة عقيدتهم، وبطلان عقيدة محمد - صلى الله عليه وسلم- وفي ذلك نزل القرآن مسجلا هذه الطريقة في التحريف والتزوير وتمجيد الباطل ﴿الَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرً﴾( النساء: 51-52) نعم لقد استخفوا اللعنة، وهي نازلة بهم وبمن يواليهم في كل زمان ومكان.
وبعد أن أقنع زعماء اليهود رؤوس الكفر في قريش، خرجوا حتى أتوا غطفان يريدون إكمال شوط الحقد على هذا الدين، فدعوهم إلى حرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا معهم فيه.
هكذا حشد اليهود أكثر من عشرة آلاف مقاتل للقضاء على الدولة الإسلامية الصغيرة، وكان المسلمون يومئذ قوة صغيرة لا قبل لها بهذا العدد الهائل، إلا أن الغلبة الإلهية والإرادة الربانية التي أرادت النصر لهذا الدين ردت كيد اليهود ومن والاهم، وأبعدتهم عن الدعوة خاسئين يوم الخندق، حيث قادت عناية الله المسلمين وأرشدتهم على لسان سلمان الفارسي - رضي الله عنهم- بحفر الخندق حول المدينة لحمايتها من الغزو الهائل، وقد روت السيرة أنه لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد..
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم.. ليرد الله كيد الخاسرين وقواهم على أعقابها- لكن، هل وقف الحق اليهودي المتأصل في نفوس أصحابه عند هذا الحد؟ وما شأن يهود المدينة في مثل هذا الموقف المحيط بالمسلمين وهم على عهدهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؟
لم يقف حقد اليهود عند تأليب الجزيرة العربية وجمع الأحزاب المحاربة المسلمين، فهناك طرف آخر يمكن أن يكمل الحلقة المحيطة بالمدينة، فلماذا إذا لا يذهب إليها مؤلبة الحرب وجامعوا الأحزاب، ولماذا لا يقنع حيي بن أخطب ما تبقى من اليهود حول المدينة بقطع العهد مع محمد - صلى الله عليه وسلم- والانتكاث على ميثاقه، لقد آن الأوان للقضاء على دعوة الإسلام، فهذه هي الأحزاب تحيط بالمدينة من كل جانب وهذا هو محمد وصحبه يعيشون الساعات الصعاب والوقت العصيب.
في هذه الآونة جاءت الأخبار أن بني قريظة نقضوا معاهدتهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وانضموا إلى كتائب الأحزاب التي تحدق في المدينة، وذلك أن حيي بن أخطب اليهودي الحاقد، جاء إلى كعب بن أسد، سيد بني قريظة، فأغراه بنقض العهد مع الرسول - صلى الله عليه وسلم- وقال له: جئتك بقريش على قادتها وسادتها.. وبغطفان على قادتها وسادتها، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه، فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر ويحك يا حيي. فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء، ولم يزل حيي بكعب حتى أقنعه بالخيانة ونقض العهد، ودخلت بعدها قريظة في جملة العادين المحاصرين لمسلمي المدينة في حملة من الحقد شديدة على الإسلام. هكذا جاء الحقد اليهودي بالعدوان على دولة الإسلام، فحاصرت قوى الشر مجتمعة المسلمين، وجاؤوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، لكن رب هذا الدين له أمر آخر و-إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، إن القوة المادية تعجز عن تغيير الإرادة الإلهية التي وعدت المسلمين بالنصر فقد هبت على جموع الأحزاب ريح هوجاء مخيفة في ليلة مظلمة باردة جاءت فقلبت قدورهم واقتلعت خيامهم وقطعت أوتادهم، وذلك بعد بضعة عشر يومًا من المحاصرة التي ضربها الشر والعدوان بسبب الحقد اليهودي على المسلمين.
إن اليهود لا ينفكون عن مسلكهم في تأليب العالم لنصرتهم أبدًا، وهذا المسلك المتأصل في تعاملهم مع العالم ومع المسلمين قديمًا وحديثًا يجعلنا نجزم بأن النوع اليهودي لا يمكن له أن يدع خسته وحقده أبدًا، إن آلاف آلاف المعاهدات عقدها اليهود مع مختلف المجتمعات والأمم على مدار التاريخ، وفي كل مرة كانوا يقطعون مواثيقهم وعهودهم، وإذا كان العقل اليهودي يعرف أن عنصره لا يسود إلا على أساس بث التفرقة بين المجتمعات ومن ثم العمل على ضربها ببعضها، فإن لعبتهم السياسية تأخذ وجهًا آخر إذا برز لهم عدو مباشر، عندها فقط يجمعون العالم أجمع لضربه، ويوحدون بين شتى الأمم المتنافرة حول فكرة إبادة الخصم الذي يخشى اليهود منه، إن القبائل المتنافرة والمتحاربة وقفت كلها صفًا واحدًا يوم الأحزاب للقضاء على الدولة الإسلامية الحديثة، إن عالم الجزيرة العربية توحد في إطار اللعبة اليهودية حول خندق المدينة، إن حقد اليهودية الماكرة على الدين آنذاك- والذي جعل ابن أخطب وزمرته يضمون الأشتات إلى الصف اليهودي- هو الحقد نفسه الذي يلعب لعبته الآدمية في عصرنا الحاضر، وما اليسار واليمين المتنافس على مناطق النفوذ في هذا العالم إلا أشكال صنعتها اللعبة اليهودية عبر شخصيات مختلفة الألوان والجنسيات من أجل سواد العنصر اليهودي وتحقيق مطامحه، ولا يغيب على المرء أن العلم المعاصر الذي خاض حربين عالميتين في جبهتين كبيرتين، هو نفسه العالم الذي يحرك اليهود كلا طرفيه، وهو نفسه المتحد من أجل تحقيق المصلحة اليهودية في أرض المسلمين وعلى حساب كرامة أبناء هذه الأمة وشرفهم واستقلالهم.
إننا لو تأملنا قليلا بتطورات العلاقة بين أمتنا وبين اليهود، لوجدنا العقيدة اليهودية المنبثقة عن الحقد والكراهية لنا ولديننا هي الموجه الأساسي لليهود في التعامل معنا، ولا یغتر إنسان ما- بما سمي بالمسيرة السليمة التي خطط اليهود لها لينفذها الرئيس الأمريكي كارتر ومن يتعاون معه، فاليهود لا يهتمون بالسلم إلا بالقدر الذي يحقق له كامل مصالحهم في المنطقة، وبالقدر الكفيل الذي يمكنهم من بث حقدهم وسمومهم عبر الوسائل المختلفة في أرضنا وأبنائنا، إن اللعبة التي بدأ اليهود بها في ألمانيا إبان الحرب العالمية الثانية أيقظت كرامة الألمان وإحساسهم فهب منهم من لقن اليهود درسًا لم ينسوه مدى التاريخ، علمًا بأن الألمان ليسوا أهل حق كما هو الحال بالنسبة للمسلمين ورسالتهم التي يحملون، أما لعبة اليهود معنا، فعلي الرغم من أنها شملت العالم بقوته الشرقية والغربية لأنها كفا، وإنقاذ الرغبة اليهودية الحاقدة على حسابنا، فإن ما لدينا من منهج وعقيدة وإرث نبوي وسلوك إسلامي يكفل لنا أن نحطم أسطورة اليهود ولعبتهم فيما إذا راجعنا ما أمامنا من حسابات، فنحن ما زلنا أمة تملك موازين القوة في العالم، تلك القوة الكامنة في العقيدة الإسلامية والمال الذي هو عصب الحياة المادية الحاضرة، لكن يجب أن يكون منطلقنا مع اليهود منطلق إعداد كاف لحرب قائمة على أساس الجهاد الإسلامي المقدس، الذي هو في واقعنا الحالي فرض عين ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(الحج:40). والله أكبر ولله الحمد.