العنوان حتى لا يكون سلام مر المذاق في البوسنة والهرسك...
الكاتب الفاتح علي حسين
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996
مشاهدات 71
نشر في العدد 1184
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 16-يناير-1996
لعل من نافلة القول في اتفاق السلام بالبوسنة والهرسك، والذي جرى التوقيع عليه مؤخراً بدايتون بالولايات المتحدة أن نقول - فيما يتعلق بذلك الاتفاق. إن فخامة الرئيس علي عزت لما عاد إلى البوسنة بعد التوقيع وكان ساعتئذ في غاية من الهم والحزن، تلقته جماهير البوسنة بأعظم ترحاب قد استظهرت به ما تكنه من خالص الوفاء والتقدير لهذا الرجل، نعم فما انفكت فئات الشعب البوسنوي تلوح للرئيس بالهتاف وهي تستقبله بنفس المطار الذي تعلقت به قلوبها وأبصارها عندما أخذته الطائرة إلى دايتون» ولقد كان هتافا ليس ككل الهتافات التي اعتادها الرؤساء من الرعية، فلقد تحول كل أفراد الشعب البوسنوي إلى عيال للرجل الكبير... كبير بقلبه وكبير بفكره الذي احتضن به الجميع كانوا يهتفون: الآب.
أبانا علي – الأب ابانا علي، لقد كانوا محقين في ذلك.. لم لا والرئيس علي عزت قد كان لهم بمثابة الزعيم، لا بل القائد، فهو أول مسلم يراس المسلمين بالجمهورية البوسنوية منذ وقت طويل، لقد جهر الرئيس أول ما جهر بآمال مسلمي البوسنة فاصبح لهم بمقام الزعيم والرئيس، ذلك لأنه ظل يترجم أمانيهم ورغباتهم وآلامهم في تلك الرقعة من عالمنا الإسلامي.
وإن كنتُ أسمح لنفسي بالقول فإنني قائل بأن فخامة الرئيس علي عزت من قلائل الرؤساء الذين يخلص لهم شعبهم الود والحب الجم، وصادق التجلة والاحترام، وهو فوق ذلك رجل قانون، وعالم فذ من علمائه المتضلعين فيه، وهو مؤلف وكاتب ذو قلم مسنون، يوازي ذلك قلب رحيم عطوف بالأهل والعشيرة وعموم المواطنين، بل إن قلبه الفياض، وإحساسه المناهب والباكر بمظان الهوية والذاتية المستقلة المتفردة التي تميز بها شعبه البوسنوي قد فاض بتلك الروح على الشعب فاستولدها طابعا طبع به السمت والشخصية البوسنوية المعاصرة.
لقد عاد الرئيس علي عزت وهو يحمل فوق كاهله عبد سنيه السبعين، وقد أمضاها إما تباريا في دحض باطل استشرى، أو في إحقاق حق كاد أن يطويه الباطل، فمن كان عمره سبعة عشر عاما دخل السجن مرتين فصودرت حقوقه وممتلكاته الشخصية، ومنعت عنه مستحقاته القانونية والمدنية والاجتماعية لفترات طالت في عمر الزمان، حورب وضيق عليه الخناق في عمله وفي حياته الأسرية، وكان آخر عهده بالسجن والمعتقل اليوغسلافي الرهيب هو العام ۱۹۸۸م، أي بعدما سقطت الشيوعية (٥) مستشار الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش. وفضت منها الأختام فسقطت بذلك اتهاماتها الزائفة عن الرئيس وعن صفحته النقية بيوغسلافيا السابقة. ذلك المخاض كله قد تزاحم على فخامه الرئيس فازمع أن يسجله في سجل الذكريات لكن يبدو أن المخاض كان كبيراً يستوعب ما يقارب نصف القرن من الزمان تعسر ذلك عليه فقال لي يوما يا الفاتح.. ليس لدي وقت كاف. فلو جلست منذ الآن وحتى لحظة مماتي فما أنا بمستطيع تسجيل مذكراتي، وإن كنت أريد بذلك أن يستفيد منها أهل البوسنة والمسلمين عامة إنني في سباق مع الزمن لم يكن فخامة الرئيس يدري وقتها بأن ذلك الزمن وتلك الاقدار تجري له بمقادير أخرى نعم لقد رصدت الأقدار للرجل الكبير أن يشرع في مسيرة العمل الجاد، وأن يتبوا بها الزعامة والريادة والرئاسة على الجمهورية البوسنوية الوليدة البوسنة والهرسك لقد تمنى – وظل مخلصا لذلك. تمنى غداً مشرقاً زاهراً لشعبه، لم يقنع بالأمنية العزيزة، بل عمل على تحقيقها بعد أن اعتصرها واحتضنها في قلبه الكبير بعد توليه الرئاسة، حتى شاءت الأقدار أمراً آخر قد لفظه الغيب من رحمه، فاندلعت نار الحرب في الهشيم اليوغسلافي فاكتوت بتلك النيران البوسنة والهرسك، تصدى الرئيس إلى قيادة السفينة بمهارة في فترة الحرب حتى أفاء الله به ويها إلى بر السلام ليحققه لشعبه الذي ذاق الأمرين في تاريخه القريب والبعيد.. وقد كان ذلك أمر دونه خرط القتاد.
مالم يقله علي عزت عن اتفاقية السلام:
وكان فخامة الرئيس علي عزت يعتصره الألم ويراوده الهم الكبير.. هم امته الصغيرة والكبيرة معا أينما حل بدهاليز وأروقة قاعة رایت باترسون التي انطلقت منها تلك المفاوضات، وكان بين كل تفاوض وآخر يأوي إلى ركن رشيد فكان الوحيد بين القوم لا يسمر ولا يتأنس مع السامرين، لم يكن ذلك لجلافة في طبع الرئيس، وهو معروف بما جبل عليه من دماثة الخلق ورقة الحاشية، وجم التواضع ولطيف المداراة ولكنه كان قد أسلم قياده للهم الكبير والمقدس هم مستقبل البوسنة ومصيرها الذي كان يلوح تارة ويبين أخرى، فكان دائما يفتش عن سلام لأهله وشعبه بالبوسنة، لكن عله لا يكون سلام مر المذاق صعب المستساغ انفلت شريط الذاكرة بالرئيس وانفرد به..
فإذا بذكريات جهاد تليد.. جهاده هو وعمله لخير البوسنة، وعرج به شريط الذكريات أمام تلك المجاهدة النفسية والمعنوية الحاضرة، وهو برى مصير بلاده بين التطواف حول المحطات الدولية، لقد اختط ذلك حاجزاً نفسياً بينه وبين مفاوضيه، مما حدا بهؤلاء وعلى رأسهم مساعد وزير الخارجية هول بروك أن يتنحونه لمغازلة أحد معاونيه. وكان هذا يقضي جل وقته بجناح الوفد الأمريكي، وهو أمر استنكفت عنه الطبيعة العفيفة للرئيس.. أوى فخامة الرئيس إلى ركن رشيد حتى لا يكون مثل ميلوسوفيتش الذي شاء أن يتخذ من مقصف الضباط بالقاعدة الجوية سكنا دائما له لا يكاد يراوحه قيد أنملة، كما جاءت بذلك الصحائف والأنباء نعم.. لقد وضع الرجل مسافة فاصلة بينه وبين الآخرين حتى يتفرغ لهمه الكبير، وهو البوسنة والهرسك، فهو لا يكاد ينفك من أسره إلا ليعود إليه مرة أخرى، وهو طائع مختار فإذا بالأمل يراوده، وحسن الرجاء. لذا فقد بدا الرئيس البوسنوي – أثناء المداولات – وكأنه مهتم حزين.. نعم إن مثل تلك المواقف والأحداث التي تعتريه من تلقاء بلاده وشغله بها لكانت قد فتت من عضد أهل القوة والبأس، ناهيك بشيخ في السبعين من عمره، لكنها قوة العزيمة والإيمان والتصابر والجلد، وقد اكتسبهما على أيام المجالدة مع الشيوعية.
كانت سلواه الوحيدة. ربما. في ذلك اللجب العسكري الذي هو جيش البوسنة المقدام، وقد خرج به في ساعة الصفر العسكري بعد أن أشرف هو ومن يليه من أحبابه على أمر تكوينه، والإشراف عليه حتى غدا بمثل ذلك السموق كما تواسيه تلك المواقف البطولية المشرفة المسلمي البوسنة والهرسك وتلك الشجاعة التي يندر فيها المثال وقد عكسها هؤلاء دفاعا مستمينا عن وطنهم.
الرئيس أول المبادرين للسلام:
كذلك مر بشريط الذكريات.. الكثير من المعاهدات التي كان يمكن أن تؤدي إلى وقف الحرب لو كان هنالك طرف آخر ملتزم، وقد حق عليه الالتزام، ولو كانت هناك أسرة دولية تلتزم وتستطيع أن تلزم باتفاقياتها الدولية، كان المبادر إلى تلك الاتفاقية. اتفاقية لشبونة – هو فخامة الرئيس علي عزت بيجوفيتش. تلك الاتفاقية كان فخامة الرئيس هو صاحبها، وهو الداعي إليها: قيام البوسنة بتشعباتها العرقية والدينية على ثلاثة كانتونات الكروات، والصرب والمسلمين، ذلك هو السلام الذي بادر إليه، وركب موجه المتلاطم حتى قبل وقوع الحرب.. نعم كان يمكن أن تتوقف الحرب أراد ذلك المجتمع الدولي، ولعمري إنه نفس المجتمع الذي يسعى الآن إلى تحقيق السلام وتحقيقه بأي ثمن، وها هي ذي الآن بين أيدينا اتفاقية السلام التي وقعت به دايتون أو الاتفاقية الأمريكية، فإن نحن أمعنا النظر في تلك الاتفاقية لوجدنا أن المسلمين قد كان لهم بنص تلك الاتفاقية أن تبقى جمهوريتهم في حدودها المعترف بها دوليا رغم تلك الكيانات الداخلية التي منحت للصرب، وبمقتضى تلك الاتفاقية فالمسلمين الحق في أن يفك حصار سراييفو على أن تظل مدينة موحدة تحت حكم الفيدرالية التي تجمع الكروات إلى المسلمين.
لكن في نفس الوقت نجد أن الصرب قد حصلوا على %٥٠ من أراضي جمهورية البوسنة والهرسك بما في ذلك مدن بريدور وبانيالوكا.
وزفورتيك، وسربيرينيتسا وجيبا، ودويوي، وبرجكو، بالإضافة إلى دولة صرب البوسنة بداخل الجمهورية البوسنية، كما نجد الكروات مثلا قد استفادوا كثيرا من تلك الاتفاقية، وذلك بتحرير مناطق كرواتيا المحتلة بكرايينا عدا مناطق محدودة بسلافونيا الشرقية، والتي ستلحق بالخارطة الكرواتية إن اجلاً أم عاجلاً فهي مسألة وقت ليس إلا استفادت كرواتيا من تلك الاتفاقية الأمريكية، وذلك بخروج الصرب من أراضيها، كما أنها استفادت مرة أخرى بمشاركتها للمسلمين في النصف المتبقي لهم من جمهوريتهم، فتبعا لما تنص عليه الاتفاقية ينال كروات البوسنة ما يعادل ٢٥ من جملة أراضي الفيدرالية، وينال المسلمون ٢٥ أيضا.
لا أكثر من تلك الأراضي أي النصف بالنصف. أضف إلى ذلك فوائد أخرى ثانوية على أهميتها، ومنها أن تلك الاتفاقية قد أمنت وجهة النظر الكرواتية في كيفية إدارة الفيدرالية، بل اعتبار الكروات بالبوسنة تابعين لكرواتيا الدولة. وهم في الأصل مواطنون بوسنيون فيفهم من ذلك ضمناً بأن أراضيهم ستتبع بالمثل لكرواتيا. هذه نظرة عابرة للاتفاقية، وما نود قوله في هذا الخصوص أن أية اتفاقية سلام تلي الحرب لابد أن تكون موجهة لغرض إنهاء الحرب فالحرب في الغالب تتعلق بثلاثة عوامل. والحرب البوسنية ليست بدعا في ذلك. فثمة أهداف ومسببات للحرب، وهنالك تلك القوات التي يتم تجريدها للحرب لتحقيق تلك الأهداف. وثمة الوسائل التي بها يتم تنفيذ أو تحقيق تلك الأهداف، إذن فمن المفترض الاتفاقية دايتون هذه. باعتبارها اتفاقية سلام - أن تكون قد احتوت هذه العوامل بإزالتها إن أمكن ذلك أو حتى بمعادلتها لكي تتوقف الحرب وينشأ السلام الحقيقي مكانها، لقد قال الرئيس المستقبلية بالمطار إنها اتفاقية السلام غير عادل ولكنه خير من مواصلة الحرب.
هل يتحقق السلام؟
فهل يا تُرى حققت اتفاقية السلام ذلك؟ وهل احتوت تلك الاتفاقية على الأهداف والمسببات وأدواتها فإن نحن وضعنا النقاط على الحروف نجد أن أهداف الحرب البوسنوية هي إقامة صربيا الكبرى، فعلى الأقل ذلكم هو الهدف المعلن ظاهريا، ولكننا نجد فرض الإزالة لهذا الهدف لم يتحقق بتلك الاتفاقية بمعنى أن فكرة صربيا الكبرى لم يتم إلغاؤها أبدا، نعم...
فقد قامت لصرب البوسنة جمهورية أكبر نسبيا تتمنع من فيدرالية كل الكروات والمسلمين وهي : بحقوق كثيرة، بل لا تقل عن حقوق الدولة المركزية نفسها، وقد جعل ذلك أحد مسؤولي الصرب يتبجح قائلا: لقد قمنا بالكثير الآن. لقد عبرنا نهر درينا وأسسنا جمهورية بالبوسنة وأخذنا الكثير من المدن البوسنوية المهمة، فعلى الأجيال القادمة أن تكمل المشوار وذلك إنما يعني بأن الصرب مبقون على هدفهم بقيام صربيا الكبرى، ولو على حساب المسلمين. ذلك الهدف الصربي لم تشأ الاتفاقية أن تزيله، بل إنها دعمته ولو بصورة غير مباشرة، وذلك باعترافها بوجود جمهورية للصرب بالبوسنة والهرسك، وقد كتب ذلك في مذكرة تلك الاتفاقية، حيث ذكر بالاسم جمهورية كرواتيا، وفيدرالية البوسنة والهرسك، وجمهورية يوغسلافيا الاتحادية والجمهورية الصربية.
نعم.. إن ذلك يعني ضمنيا أن تلك الدويلة التي قامت بالاغتصاب قد صار لها كيان معترف به صحيح أنه لا يوجد اعتراف دولي بها، ولكن الاعتراف موجود إذن فالعامل الأول من عوامل تلك الحرب الأهداف والمسببات، ظل قائما كما هو.
أما العامل الثاني فيتعلق بمن ينفذون عادة اهداف الحرب من أفراد وقوات، وهم في هذه الحالة سلوبودان ميلوسوفيتش ومعاونوه رادوفان كارانيتش، وقائد الجيش راتكو ميلادين وفيتش، فبدل أن تتم معاقبة هؤلاء وبترهم باعتبار أنهم هم الذين أشعلوا نار الحرب وسعوا إلى تحقيق أهدافها، تمت مكافاتهم، فصار ميلوسوفيتش أحد الموقعين على الاتفاقية، رغم حقيقة أنه مجرم الحرب الأول، فهو منذ توليه للحكم بصربيا أدار دقة التخطيط للحرب وقرع لها الطبول، لقد احتفل ميلوسوفيتش هذا بمرور ٦٥٠ عاما على معركة سهل كوسوفو تلك التي خسر فيها الصرب إمبراطوريهم وحكمهم للأبد. إنها لعمري أول مرة في التاريخ تلك التي يحتفل فيها المهزوم بهزيمته بل وبمرور ٦٥٠ عاما على ذكرى تلك الهزيمة، لقد رام ميلوسوفيتش بذلك لأن يذكي
نار الحقد والكراهية في نفوس الصرب ضد المسلمين وضد أهل البوسنة ومرامه من ذلك شحذ همم الصرب لتحقيق الهدف الأول، أو الهدف الكبير، الا وهو قيام صربيا الكبرى نعم لقد كرم ميلوسوفيتش هذا فوقع على الاتفاقية، بل كان من الضيوف الذين لقوا اتم الترحيب والاحتفاء بقاعدة باترسون هذا العامل الثاني لم تتم إزالته كما كنا نتوقع أي أن يقدم ثلاثتهم للمحاكمة: ميلوسوفيتش وكار اذيتش، وميلادين فيتش باعتبارهم من الحرب، وأن ينالوا جزاء ما فعلوه مجرمي بالمسلمين وبغيرهم بالبوسنة والهرسك، إن ما فعله هؤلاء ندر مثاله في الزمان القريب والبعيد.
نها هي أجندة جرائم الحرب العالمية الثانية ما زالت تفتح ويعاد فتحها وإغلاقها من جديد وقد كان للعالم أن يشهد قبل فترة وجيزة إحدى قضاياها رغم مرور خمسة عقود من السنين على تلك الحرب، وربما سمع الجميع بقضية ذلك الضابط الإيطالي بجيش الفاشي والذي تم تسليمه بعد أن أحضر من أمريكا الجنوبية وعمره يناهز الأربعة والثمانين عاما.
قدم ذلك الضابط رغم طول المدة، وطول العمر إلى المحاكمة لما اقترفه من جرائم – حسب زعمهم. بالحرب العالمية الثانية.
قال الرئيس بيجوفيتش لمستقبليه في المطار: إنها اتفاقية السلام غير عادل ولكنه خير من مواصلة الحرب.
فإن جاز في تلك الحالة رغم ملابساتها تطبيق قانون مجرمي الحرب، أفلا يكون من باب أولى تطبيق نفس القانون على كاراديتش وميلوسوفيتش ولم تجف أياديهم بعد من التلطخ بدماء أبرياء البوسنة من الشيوخ والأطفال والنساء بسريرينيتسا وجيبا وبغيرها من مدن البوسنة.
لقد قتل ذلك الضابط ۳۰۰ شخص قبل خمسين عاما، ربما جلهم من العسكريين أو القادرين على أن يردوا اذاه لولا القدر، وذلك في معركة خسرتها إيطاليا وكسبها الحلفاء.
ثالوث الإرهاب:
أما ثالوث الإرهاب الصربي هذا فقد قتل ٢٥٠ الفا على أقل تقدير، ولم يسع أحد لمحاكمتهم بنفس الجدية، إن فشل الاتفاقية في تقديم هؤلاء إلى المحاكمة إنما يعني فشلها في احتواء العامل الثاني من عوامل الحرب وهو الجهة المنفذة لأهدافها أفرادا وجيوشا يتبقى العامل الثالث من تلك العوامل الا وهو جيش يوغسلافيا الوطني، ونسبة لأن هذا الجيش يعد واحداً من أخطر العوامل في الحرب التي تعرضت لها البوسنة واكتوت بنارها لأربعة أعوام كان الأجدر بهذا الجيش أن يحل بل أن يطارد، وأن تصادر أسلحته الثقيل منها والخفيف، لكن في واقع الأمر مازال هذا الجيش قائما في الساحة وفي كامل السلاح والعتاد، بل إنه يمتلك كميات ضخمة من السلاح فيما يشبه الترسانة بتلك المنطقة. والتي تشكل خطورة ليس على البوسنة وحدها. وإنما بأطراف البلقان الأخرى، حيثما وجد مسلمون، ووجدت أقليات مسلمة، إنه بمثابة الرصيد لصربيا الكبرى الرصيد المذخور لمعركة بلقانية أخرى تتجدد ثانية بسهل كوسوفو أو بمرتفعات البوسنة سيان ليس ذلك فحسب، بل إن تلك الترسانة الضخمة قد تزايدت خطورتها بعد توقيع اتفاقية عسكرية بالبروتوكول بين روسيا والصرب في الأسابيع القليلة الماضية.
إذن فالعامل الثالث من عوامل الحرب وهو وسائلها التي أشعلت بها لا يزال عاملاً قائما وذلك إنما يعني من الجانب الآخر أن هذه الاتفاقية ليست أبداً باتفاقية سلام.
أعلنت إذن فماذا تكون اتفاقية دايتون؟ فهي إما أن تكون لها نفس أهداف اتفاقيات السلام المعروفة، وإما أن تكون لها أهداف غير تلك الأهداف المعلنة، كأن يكون ذلك الهدف مثلا ليس قيام صربيا الكبرى، وإنما إبادة المسلمين أو أن يكون الهدف هو استنزاف شعب البوسنة والضغط عليه، ومحو فكرة قيام دولة للمسلمين بأوروبا أو بالبوسنة والهرسك، والأدهى والأمر أن هذه الاتفاقية رغم ذلك تحاول أن تجعلنا نؤمن بأنها اتفاقية مبتغاها وغايتها سلام مر.
وهو سلام، مزعوم، مقصده أن يحقق للصرب ما لم يحققوه أو عجزوا عن تحقيقه بالحرب.
إن هذه الاتفاقية بصورتها تلك التي بها تجعلنا نعتقد بأن الصرب بتعدادهم الكبير الذي يتجاوز الإثنى عشر مليونا وبسلاحهم الكثير والحديث الذي تزودهم به روسيا وكثير من دول العالم الأخرى وبالأموال الضخمة التي رصدت لتمويل الحرب، وبالمشاعر الملتهبة حقدا وكراهية لأهل البوسنة المسلمين، أضف إلى ذلك ظرفا غير مؤات للبوسنة والهرسك بعد أن حظر عليها الدواء والغذاء إلا من بعض المساعدات الشحيحة في بعض الأحيان، وحينما سمح لها بذلك سمح لها بنسبة ضئيلة تتشاركها مع الصرب، كل ذلك يجعلنا في غاية التأكد بأن الصرب قد عجزوا في القضاء على مسلمي البوسنة رغم تهديد المدن وقصفها ليلاً ونهاراً.
وترويع مواطنيها وتشريدهم بالآلاف، وحجب الغذاء والدواء عنهم.
لقد روعت تلك الحقائق المثيرة الجهات الغربية حتى خافت تلك الجهات من هذا الموار الذي لم تتكشف أبعاده بعد قد برت تلك الاتفاقية لأداء ما عجزت صربيا وترسانتها الحربية في أن تحققه بأرض البوسنة.
عندما يريد الإنسان أن يصف حالة بعينها أو أن يتكلم عن موضوع بعينه فمن الأفضل عندئذ أن يركز على جوانبه الأساسية والهامة، والا تفوته نقطة. من نقاط الموضوع الذي هو بصدده ولكن ليس بالضرورة.
بالطبع - أن يناقش أدق التفاصيل أي عندما يكون الإنسان مثلاً بصدد وصف لوحة ما فإنه يبدأ بوصف الإطار ثم المعالم الرئيسية للوحة والنقاط الهامة بها.
الحرب بدأت منذ وقت طويل:
إن الحرب - أي حرب - سواء تلك التي جرت وقائعها على أيامنا هذه بالبوسنة أو بأي مكان آخر لهي جماع ظاهرة ضخمة ومخيفة من حيث تجلياتها المختلفة، فهي لا تكون نتاج ليلة أو ضحاها، أو وقع لحظة واحدة، بل هي بمثابة التواتر المضطرد في فترة تطول ولا تقصر وتتجمع فيها الأسباب وتتراكم فيها الانفعالات والعواطف.
يبدأ النفير تدريجيا حتى يسمع دوي الرصاص وإطلاق النار عندها تكون اللحظة الحاسمة والأخيرة في عملية الاحتراب، أردت بذلك أن أقول بأن الحرب التي نشبت بالبوسنة والهرسك قد بدأ الإعداد لها منذ زمن بعيد ذلك منذ أن بدأ بالتضييق على المسلمين، فأبعدوا عن الوظائف الهامة بالدولة.
بدأت الحرب أوزارها منذ أن أبعد المسلمون عن حقوقهم المدنية في التساوي بالمواطنة، ومنذ أن حجرت عليهم حرياتهم الدينية بأرض يوغسلافيا السابقة بدأت الحرب بتدمير المعالم والأثر الإسلامي بعد أن استأثر الصرب بالسلطة في الإمبراطورية، وفي العهد الشيوعي واستعرت إرهاصات الحرب - المبيتة - منذ أن أجبر المسلمون على الدخول في الحزب الشيوعي، حيث صاحب ذلك تزوير هويتهم باعتبارهم صرب أو كروات أو يوغسلاف تجريداً لهم من هوية قومية تميزوا بها، وانتماء جدا، وقد جرى ديني عزيز لديهم.
فشل الاتفاقية في محاكمة ثالوث الإرهاب الصربي يعني انهيار ركن أساسي من أركانها:
نعم.... لقد بدأت الحرب فعلاً منذ ذلك التاريخ، فإذا بالمسلمين وقد أجبروا بطريقة مباشرة على تغيير أسمائهم الإسلامية وأخذ أسماء صربية مكانها، وإذا بالمسلمات النشامي من نساء البوسنة يساق بهن مرغمات للزواج بمن ليس على دين ابائهن والزواج بالصرب بعد أن زوج حلائلهن من المسلمين بالصربيات.
مجبرين وبعد أن بدأت الحرب إرهاصاتها تلفت المسلمون فإذا بهم يأكلون من لحم الخنزير اثناء عملهم بالجيش أداء الخدمة عسكرية إلزامية، وقد هجر الصرب أعداداً كبيرة من شاكلتهم هجروهم من المدن الصربية التي كانوا بها إلى المدن الإسلامية التي كان بها المسلمون بالبوسنة وبغيرها من أماكن تواجد المسلمين لكي لا تكون للمسلمين الأغلبية بتلك المدن والحرب قد بدأت منذ أن اقتطعت السنجك من البوسنة، وبدأت تلك الحرب منذ أن نزعت الصيغة الاستقلالية التي كانت لكوسوفو وأدمجت في صربيا، كل تلك الأشياء كانت بمثابة اللبنات في هرم الحرب التي أعد لها الصرب بالمنطقة، وعندما بدأ إطلاق النار كان الإعداد لذلك قد تم بصورة ضخمة كما رأينا من نفس هذا المنطلق نقول بأن تلك الاتفاقية.
نسبة لعدم إنصافها للمسلمين ولعدم ردعها للمعتدين والمجرمين - ستكون في حد ذاتها المقدمة لحرب قادمة أو لجولة ثانية من الحرب لذا نقول بأنه إذا ما أريد لهذه الاتفاقية أن تضع حداً للقتال دائم فيجب أن تكون اتفاقية سلام حقيقي أولا، ويجب أن تكون اتفاقية حقيقية وليست اتفاقية على الورق حول وصول ٦٠ ألف جندي من قوات الناتو إلى البوسنة والهرسك نقول إنه من المعروف أن قوات الناتو هذه هي من أحسن القوات أو الجنود تدريبا في العالم، بل وأفضلهم في التسلح وحسن الإعداد، لكن هذا العدد يعتبر عددا كبيرا ليتواجد على أرض البوسنة. ثم إن لنا بالبوسنة تجربة غير حميدة وغير سارة مع قوات الأمم المتحدة، خاصة تلك الوحدات التي كانت مكلفة بحراسة مدينتي سربيرينيتسا وجيبا، فمن المعروف أنه كان هنالك تواطؤ لم ينته التحقيق بشأنه بعد، ولم تظهر نتائجه للعالم المتابع، وكذلك لنا نفس التجربة مع القوات الفرنسية خاصة تجربتنا معها في مقتل حقيا ترايليتش - نائب الرئيس علي عزت – بجانب الود الذي كان يربط بين هذه القوات والقوات الصربية المعتدية، فحتى بعد أن وقعت تلك الاتفاقية يُصرح قائد القوات الفرنسية بسراييفو بأنه يجب أن يعطى الصرب ضمانات أكبر على حياتهم بالعاصمة البوسنوية، لقد علمتنا القوات الدولية - وبالتأكيد ستكون قوات الناتو على الشاكلة. علمتنا بالا نطمئن إليهم والا تركن إليهم، فإذا كان ذلك مثل تعاملهم في الماضي، فما هو الضمان لأن يكون تعاملهم شريفا في المهمة القادمة.