الثلاثاء 01-سبتمبر-1987
في خطوة متوقعة، أقدم حزب «الاتحادي الديمقراطي» على فض الائتلاف بينه وبين شريكه في الحكم «حزب الأمة» وذلك بعد مرور أقل من سنة ونصف على شراكة الحزبين في الحكم السوداني! وقد صحب الإعلان الرسمي عن فض الائتلاف إعلان اتفاق ودي بين رئيسي الحزبين، يقضي بأن تمضي الحكومة الحالية في إدارة شؤون البلاد حتى السابع من أيلول «سبتمبر» الحالي وذلك «لتجنب إحداث أي نوع في الحكم، قد يؤدي إلى انهيار دستوري».
لماذا فض الائتلاف؟!
وجاء فض الائتلاف كتعبير عن احتجاج «الاتحادي الديمقراطي» على موقف شريكه «حزب الأمة» من اختيار العضو البديل لمحمد الحسن عبد الله ياسين والذي استقال من منصبه كعضو في مجلس رأس الدولة، وكانت وجهة نظر حزب الأمة الاعتراض على المرشح البديل المطروح من قبل الاتحادي الديمقراطي وهو «أحمد السيد حمد»، لأنه كان من المتعاونين مع الرئيس السابق «جعفر نميري»، ولكن الاتحادي الديمقراطي أصر على مرشحه، وطالب حزب الأمة بانتخابه وفقًا لشروط الائتلاف القائمة بينهما.. وكانت المفاجأة أن مرشح الاتحادي الديمقراطي «أحمد السيد حمد» قد سقط في الانتخابات، حيث نال منافسه «الميرغني النصري» ٧٠ صوتًا، في حين نال أحمد السيد حمد ٥٨ صوتًا... وهنا ثارت ثائرة الاتحاديين، واضطر رئيسهم «محمد عثمان الميرغني» إلى قطع زيارته في الخارج، والعودة إلى السودان لمناقشة التطورات الجديدة... وبعد مشاورات ومفاوضات مستمرة، تم الإعلان عن فض الائتلاف!
الخيارات الجديدة!
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن.. ما هي الخيارات المطروحة للحكومة السودانية الجديدة، خاصة وأنه لا يستطيع أي حزب من الأحزاب تشكيل الحكومة وحده، لعدم توافر الأغلبية عند أي منها؟!!
والخيارات التي هي مدار حديث الشارع السوداني الآن:
1- حكومة «قومية» تضم جميع الأحزاب السياسية داخل البرلمان «الجمعية التأسيسية» إضافة إلى بعض الفعاليات من خارج البرلمان.
٢- حكومة ائتلاف بين الحزبين «الأمة، الاتحادي الديمقراطي» مرة أخرى، ولكن بشروط ووجوه جديدة!
3- حكومة «أقلية» بسيطة من حزب الأمة والأحزاب الجنوبية، بحيث ينتقل الاتحادي الديمقراطي جنبًا إلى جنب مع الجبهة الإسلامية القومية في المعارضة!
قانون الطوارئ!
وجاءت الأزمة الحكومية هذه لتغطي على «قانون الطوارئ» والذي أعلن عنه رئيس الوزراء «الصادق المهدي» قبل الأزمة، وأثار سخط الأحزاب السودانية الأخرى، وعلى رأسها الجبهة الإسلامية القومية.. فقانون الطوارئ يمنح رئيس الوزراء صلاحيات مطلقة، كما كان عليه الأمر في عهد نميري من بينها: اعتقال الذين يعتقد أنهم يمثلون خطرًا على الأمن العام، دون محاكمة طبعًا! ووقف إصدار الصحف، وفرض حظر التجول، ومنع القيام بإضرابات.. وبعيدًا عن الطعونات الدستورية التي قدمت ضد هذا القانون، من حيث عدم دستوريته، فإن هذا القانون يعني العودة إلى حكم نميري بصورة وثياب «ديمقراطية»! والتذرع بمبررات الحفاظ على الأمن والمصلحة العامة وغيرها، لا نظن أن لها ما يسندها!
حتى لا يعود «العسكر»!
ورغم مرور سنة ونصف تقريبًا على الحكم «الديمقراطي» الجديد، إلا أن أوضاع السودان تتردى أمنيًّا واقتصاديًّا... ولعل انشغال الحزبين الحاكمين، ساهم فيما وصلت إليه البلاد الآن.. وما قضية فض الائتلاف الحكومي من أجل منصب رئاسي، إلا دليلًا واضحًا على ما نقول.
إن السودان بحاجة إلى حكومة تهتم بمصالحه، وتتجاوز مشاكله وأزماته، لا أن تزيدها! وبحاجة إلى حكومة تغلب المصلحة العامة على الأهواء الشخصية والحزبية.. ولا نريد للعسكر أن يعودوا مرة أخرى إلى السلطة، فيكفي السودان ما ذاق من ويلات على أيديهم! ونحن نحذر من أن تردي الأوضاع عادة ما يجعل «العسكر» ينقضون على السلطة، تحت شعارات الإصلاح والتغيير!
الجبهة الإسلامية القومية
ولا بد من التذكير هنا بأن «الجبهة الإسلامية القومية» والتي تأتي في المرتبة الثالثة- برلمانيًّا- لها وزنها السياسي والشعبي، ولا ينبغي لأي حكومة مقبلة تجاهل دورها... فالجبهة- وإن كانت في مواقع المعارضة- إلا أن أخلاقياتها والتزاماتها تحتم عليها القيام بالمساهمة الفعالة في انتشال السودان من أزماته، ومساعدة الحكومة في تجاوز أزمانها... وأما مناصبة الجبهة العداء لأغراض حزبية، فهذا حتمًا لن يكون في مصلحة السودان، بل يعني مزيدًا من الضياع!
إننا نقول ذلك: من باب الأمانة وحرصنا على أن يكون للسودان دوره الفعال في تقدم الأمة الإسلامية.