; حتى لا يصبح المغرب العربي.. المغرب العبري! | مجلة المجتمع

العنوان حتى لا يصبح المغرب العربي.. المغرب العبري!

الكاتب يحيى أبو زكريا

تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2003

مشاهدات 54

نشر في العدد 1568

نشر في الصفحة 36

السبت 13-سبتمبر-2003

من المتناقضات المؤسفة حقًّا أن القلاع المغاربية التي أفرزت في يوم من الأيام الأمير عبد القادر الجزائري وعمر المختار وخير الدين الثعالبي وعبد الكريم الخطابي وغيرهم من رموز المقومات الحضارية والنهضوية في المغرب العربي، بدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى أمام المد التطبيعي مع الكيان الصهيوني.

وبدل أن تلوذ الدول المغاربية باتجاه بناء الاتحاد المغاربي المصاب بحمى مزمنة منذ ظهوره أو بناء جسور قوية مع المشرق العربي، فإنها راحت مهرولة ومسرعة باتجاه الكيان الصهيوني على أمل جمع الغنائم في غير موسم الغنائم. وحسب الدول المغاربية فإنها لا يجب أن تتأخر عن ركب المطبعين الرسميين في المشرق العربي على قاعدة أن مثل هذا التأخر قد ينعكس سلبًا سياسيًّا واقتصاديًّا على الدول المغاربية. والغريب في الأمر أن الدول المغاربية تخلت تقريبًا بالكامل عن التزاماتها القومية وراحت تذعن لشروط التطبيع قبل أن تأخذ اللعبة السلمية مداها وقبل اتضاح الأفق والرؤية المستقبلية، وهي اليوم تتحرك من منطلق أنه لا علاقة لها البتة بالقضية الفلسطينية ولا بمظلومية المستضعفين من الناس في جنوب لبنان أو الجولان المحتل. 

وقد هرولت هذه الدول باتجاه التطبيع دون العودة إلى رأي الشارع المغاربي الذي يتلقى يوميًّا صدمة قاسية من قبيل الإعلان الموريتاني السابق بتدشين العلاقات الدبلوماسية مع الصهاينة، وإعلان المغرب بقرب التطبيع مع الكيان الصهيوني وعودة الحيوية إلى الجسور السرية العبرية - الجزائرية والعبرية – التونسية. والأفظع من كل ذلك أن الوفود الصهيونية تذهب وتجيء في البلدان المغاربية والشعوب لا تعلم بذلك؛ لأن الأوامر الصادرة لهؤلاء -أي شخصيات الوفود الإسرائيلية- عدم التكلم بالعبرية والاكتفاء بالحديث باللغة الفرنسية أو اللهجة المغاربية، لأن العديد منهم من أصل مغاربي. وكانت جريدة الخبر الجزائرية الناطقة باللغة العربية قد دشنت التطبيع الإعلامي في وقت سابق مع الكيان الصهيوني من خلال الحوار الذي هو الأول من نوعه في صحيفة جزائرية ناطقة باللغة العربية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يهودا باراك، والذي رحب في هذا الحوار بمقابلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ودعا إلى تطبيع العلاقات مع الجزائر. وفي الوقت نفسه دعا وزير الدفاع الجزائري الأسبق خالد نزار من خلال جريدة لوماتان الناطقة بالفرنسية الجزائريين إلى الاستعداد النفسي لتدشين العلاقات الجزائرية الإسرائيلية في حال حدوث التطبيع الكامل بين العرب وإسرائيل. ويعتقد العديد من السياسيين في المغرب العربي أن الكيان الصهيوني يراهن كثيرًا على المغرب العربي؛ وذلك لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية، وقد لعبت الجاليات اليهودية التي استوطنت المغرب العربي دورًا كبيرًا في تحقيق التقارب مع دول المغرب العربي، وقد تولى العديد من اليهود ذوي الأصول المغاربية مناصب سياسية حساسة في الكيان الصهيوني، وهذا ما يفسر مثلًا طرح المغرب نفسه كوسيط في أوج الصراع العربي الإسرائيلي، كما أن بعض اليهود المغاربة شغلوا مناصب استشارية لدى العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، ومنهم دافيد بن عمار وأندريه أزولاي الذي ما زال مستشارًا للملك محمد السادس.

وعلى مدى سنوات الصراع العربي - الإسرائيلي لعب المغرب أدوارًا غير معلنة وُصفت بأنها من الأهمية بمكان، بحيث إن رئيس الوزراء الإسرائيلي المغتال إسحاق رابين وعقب توقيعه على اتفاق غزة - أريحا أولًا في واشنطن، توجه إلى الرباط لتقديم شكره الخاص للعاهل المغربي الراحل الحسن الثاني على المساعي التي بذلها في سبيل تحقيق التقارب الإسرائيلي - الفلسطيني. صحيح أن الرباط لم تكن تعلن عن كثير من لقاءات السر والكواليس والزيارات التي كان يقوم بها إسرائيليون إلى المغرب، إلا أنه كان يصادف أن يجهر بها الملك المغربي الراحل في بعض أحاديثه الصحفية، وقد أصبح اليوم للدولة العبرية سفارة كاملة الأركان في المغرب. وللإشارة فإن موشي ديان كشف في مذكراته أنه كان ينزل في أفخم قصور الملك الراحل الحسن الثاني، وكان يشعر بكثير من الرفاهية وهو في قصور الضيافة في الرباط دون أن يعلم بوجوده فيها غالبية الشعب المغربي وحتى العديد من المسؤولين والرسميين.

وتونس التي استضافت منظمة التحرير الفلسطينية بعد خروجها من بيروت، أعلنت هي الأخرى بعد التوقيع على اتفاق غزة - أريحا عن فتح مكتب لها في تل أبيب. وكذلك فعلت موريتانيا التي أقامت مهرجانًا في واشنطن أعلنت فيه عن تدشين العلاقات الموريتانية – الإسرائيلية. والجزائر بعثت أكثر من رسالة مفادها أن التطبيع على الأبواب وأن تأجيل التطبيع الجزائري - الإسرائيلي سابقًا كان بسبب تردي الوضع الأمني، وكان الرسميون الجزائريون يخافون أن يؤدي التطبيع مع «إسرائيل» إلى مفاقمة الوضع الأمني. 

وتراهن إسرائيل على المغرب العربي لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية وجيوسياسية. فعلى الصعيد الاقتصادي تبرز الدراسات الإسرائيلية أن الأسواق في المغرب العربي تستهلك من المنتجات الصناعية والزراعية بما يفوق ٣٠ مليار دولار سنويًّا، وهذه البضائع يصل معظمها من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا، وحسب الدراسات الإسرائيلية فإن الدولة العبرية بإمكانها أن تزود الحزام المغاربي بنفس البضائع التي تأتي من دول المتوسط وبتكاليف أقل مما هي عليه التكاليف الغربية، وقد تصل هذه البضائع برًّا عبر مصر وإلى المغرب العربي في حال حصل التطبيع بكل أبعاده. كما أن الدولة العبرية تتطلع بشغف إلى اليورانيوم الجزائري الموجود بوفرة في منطقة التاسيلي الواقعة جنوب الجزائر.

وحسب الدراسات الإسرائيلية فإن الاستهلاك في المغرب العربي واسع للغاية، وتفترض هذه الدراسات بقاء الاقتصاد الاستهلاكي على المدى القريب والمتوسط وحتى على المدى البعيد.  وعلى الصعيد السياسي فإن الكيان الصهيوني يطمح في إقامة علاقات سياسية ودبلوماسية طبيعية مع دول المغرب العربي، وترى في ذلك استكمالًا لعملية السلام. وعلى الصعيد الأمني فإن أي علاقة مع دول المغرب العربي من شأنها أن تؤدي إلى تنسيق الجهود وتبادل المعلومات حول الحركات الإسلامية التي تعارض في مجملها الصلح مع الصهاينة، وتحاول إسرائيل جاهدة الحصول على معلومات تتعلق بأعضاء في حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، والذين بعضهم من حملة الجنسية المغربية. 

وعلى الصعيد الجيوبوليتيكي فإن الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية تبين أن التطبيع مع الشمال الإفريقي ضروري لجهة تكريس الدور الصهيوني في القارة الإفريقية، وتظهر بعض التقارير أن الكيان الصهيوني نجح إلى أبعد الحدود في ترميم علاقاته بكل الدول الإفريقية وأنه بدأ يجني ثمار هذا الترميم، والشمال الإفريقي هو بوابة إفريقيا فلا بد من استحكام الدور في كل الاتجاهات! وفي ظل انهيار المصالحة المغاربية - المغاربية والتي تسببت في حالة الغيبوبة القاتلة التي تلف اتحاد المغرب العربي، فإن المصالحة المغاربية - الصهيونية آخذة في التحقق وفي كل الاتجاهات.

 

الرابط المختصر :