العنوان حتى لا يصبح التضامن الإسلامي قيمة أسطورية
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1984
مشاهدات 68
نشر في العدد 669
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 01-مايو-1984
لعل من أهم ما يطرح للبحث اليوم موضوع «التضامن الإسلامي» نظرًا لتفرق المسلمين، واشتغال كل فرد أو كل جماعة بنفسها، وتناسيها غيرها من الأفراد أو الجماعات الإسلامية، حتى أصبحت الأنانية في هذا العصر ذي المثل المادية هي المتحكمة، وانمحى خلق الإيثار، وضعف إلى حد التلاشي خلق التضامن، وأصبحت قيمة التضامن المبني على الإيثار قيمة خرافية أسطورية، لا وجود لها في حياة الناس إلا قليلًا، ونحن سنحاول بحث التضامن الإسلامي تناولًا إسلاميًا محضًا، وسنبحثه بروح علمية محضة بعيدة عن إثارة العواطف، لأن حاجتنا إلى وضع النقاط على الحروف أكثر من حاجتنا إلى إذكاء الحماس، وسنعرضه بعون الله بشكل نظرية متكاملة بما يتناسب وهذا المقام من الاختصار.
- تعريف التضامن الإسلامي:
لو رجعنا إلى كتب اللغة لنسألها عن معنى التضامن؟ لأجابتنا هذه الكتب: أن هذه الكلمة تعود إلى ضمن: وضمن ترد في اللغة بمعاني متعددة منها قولها: ضمن الرجل ضمانًا: إذا كفله أو التزم أن يؤد عنه ما قد يقصر في أدائه. وكلمة تضامن على وزن «تفاعل» وهذه الصيغة تقتضي المشاركة، يعني أن يضمن كل طرف الطرف الآخر.
وهذا المعنى اللغوي يتفق مع المعنى المراد في العلوم الاجتماعية إلى حد كبير، إذ التضامن فيها يعني: التزام القوي أو الغني معاونًا الضعيف أو الفقير، والذي يلاحظ في هذا التعريف أنه لا يبين الإطار الذي يتم فيه هذا التعاون، وهذا ما بينه المفهوم الإسلامي للتضامن حيث يمكننا تعريف التضامن الإسلامي بقولنا: التضامن الإسلامي هو التزام القوي الوقوف بجانب الضعيف بما لا يتنافى مع مقاصد الإسلام وأهدافه.
فإذا كان هذا الوقوف يتنافى مع مقاصد الإسلام وأهدافه فهو تضامن ولكنه ليس بتضامن إسلامي بجانب شعب ضعيف ليقيم دولة لا دينية إلحادية، لأن هذه الدولة ستحاد الله ورسوله وتكن للمسلمين العداء وإن أظهرت المودة.
- الأسس العقدية للتضامن الإسلامي:
إن أي نظام اجتماعي مهما كان محكم البناء إذا لم يكن مغروسًا في أعماق المحكومين به فإنه على شفا جرف هار، لأنه لا يلبث أن تعبث به الأهواء، وتضيق به الأنفس، فيكثر الاحتيال عليه، فضلًا عن أن تنفيذه يحتاج إلى جيش من المراقبين لضبط المحتالين والمتهربين من تطبيقه.
أما إذا كان مغروسًا في أعماق المحكومين به، يؤمن به كل واحد منهم أشد الإيمان، ويؤمن بأن في تنفيذ هذا النظام رعاية مصالح العباد في الدنيا، ورضا الرب في الآخرة، فإن المحكومين به سيكونون حريصين على تنفيذه بدافع ذاتي من داخلهم، وبرقابة دقيقة من ضمائرهم ابتغاء تأمين مصالح العباد في الدنيا ورضا الله في الآخرة.
والنظم الإسلامية كلها تنطلق من داخل الإنسان، لأنها التطبيق العملي للعقيدة التي يعتقدها، ومن هنا كان المسلمون أحرص الناس على تطبيق النظام عندما يكون هذا النظام إسلاميًا، وأبعد الناس عن تطبيق النظام وأكثر الناس احتيالًا عليه عندما يكون هذا النظام غير إسلامي.
وإذا أردنا أن نبحث عن الصلة بين نظام التضامن الإسلامي، وبين العقيدة الإسلامية لوجدنا أن هذا النظام ينبع من هذه العقيدة، ومن هنا نجد أن أكثر الناس تطبيقًا للتضامن الإسلامي أعمقهم إيمانًا، فإذا ما وجدنا من الناس إعراضًا عن تطبيق التضامن الإسلامي، كان علينا أن نداوي ذلك بجرعات من الإيمان ونحن -على العموم- نستطيع أن نعيد التضامن الإسلامي إلى الأسس العقدية التالية:
1- إن هذا النظام هو دين من عند الله تعالى وتطبيقه والأخذ به طاعة لله تعالى والتنكب عنه معصية لله تعالى.
2- المال مال الله تعالى وضعه الله تعالى تحت أيدي عباده وجعلهم مستخلفين فيه قال تعالى ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7) والناس عبيد الله تعالى وعياله قال صلى الله عليه وسلم: «الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» ومن الحكمة أن ينفق مال الله على المحتاج من عيال الله قال تعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33).
3- الأنفس ملك الله وهي بيده، وهو الذي وهبها الصحة والقوة، فمن الحكمة أن تستعمل هبة الله من الصحة والقوة لما فيه خير عيال الله تعالى.
4- المسلمون أخوة، بمقتضى العقيدة الإسلامية، عقد الله تعالى هذه الأخوة بينهم في السماء فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) وهذه الأخوة ليست شعارات يكتفي منها برفعها، بل هي واقع عملي يعيشه المسلمون وأول مظهر من مظاهر هذه الأخوة التضامن بين المسلمين ضمن دائرة الإسلام.
5- إن العقيدة الإسلامية تفرض على المسلم أن يؤمن بأن كل تصرف يتصرفه الإنسان فإن ثماره سيجنيها هو في الدنيا والآخرة.
- أما في الدنيا: فإن الله تعالى لا بد من أن يهيئ لمن وضع نفسه وماله في خدمة الآخرين من ينصره في ساعات الشدة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» وقال صلوات الله وسلامه عليه موصيًا ابن عباس رضي الله عنه: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة».
- وأما في الآخرة: فإنه سيجد أجره مدخرًا له ينفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7-8).
إن هذه الأسس الخمسة هي التي يبنى عليها التضامن الإسلامي وهي الحوافز التي تدفع المسلم إلى الأخذ بالتضامن الإسلامي أخذًا قويًا وإلزام نفسه به.
- حكم التضامن الإسلامي:
إن قمنا بجولة في بطون كتب الفقه الإسلامي -وهي الكتب المعنية بحكم التضامن الإسلامي- أمكننا أن نميز بين صنفين من التضامن الإسلامي من حيث الإلزام به وعدم الإلزام به، والالتزام به وعدم الالتزام.
1» الصنف الأول: تضامن مفروض بقوة القانون، أعني بذلك أن الإنسان إذا ما رفض القيام بهذا الصنف من التضامن ألزمه القاضي بالقيام به ونفذه عليه جبرًا شاء أم أبى، فإذا ما رفض الالتزام بما ألزمه به الشارع منه كان ضامنًا لما يترتب على تركه القيام به من أضرار.
ونحن سنتحدث عن الأصول العامة التي تندرج تحت هذه الصنف فيما يلي:
أ- الزكاة: والزكاة هي فريضة تضامنية فرضها الله تعالى على الأغنياء وتؤخذ منهم وتعطى إلى الفقراء والمحتاجين، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: 43) من أداها طيبة بها نفسه يفرج بها عن مكروب، ويعين بها ضعيفًا، كانت طهرة لنفسه وكان له أجرها وذخرها عند الله تعالى، ومن امتنع عن أدائها كان عليه إثم ترك الزكاة، وأخذت جبرًا منه مع زيادة، إن رأى الحاكم فرض العقوبة المالية عليه مجديًا في ردعه ومنع غيره من إمساك الزكاة، فقد روى أبو داود والنسائي والإمام أحمد في المسند 5/2 عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعطى زكاة ماله مؤتجرًا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء» وقد كانت الزكاة إلى جانب الفروض التضامنية الأخرى كفيلة باجتثاث الفقر من المجتمع الإسلامي في وقت قصير، رغم أن الفقراء كانوا كثرًا، والمال في أيدي الناس قليلًا، فقد نقلنا في كتابنا «موسوعة فقه عمر بن الخطاب» مادة: زكاة/7 أن معاذ بن جبل بعث بشيء من أموال الزكاة التي جمعها في اليمن إلى عمر في المدينة- فأنكر عليه ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيًا، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم، فقال معاذ: إني لم أبعث إليك بشيء وأنا أجد أحدًا يأخذه مني، فلما كان العام الثاني بعث إليه بشطر الصدقة فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها فراجعه بمثل ما راجعه، فقال معاذ: ما وجدت أحدًا يأخذ مني شيئًا».
ونحن نؤمن بأن ما أوجبه الله تعالى من زكاة في الأموال التي وضعها الله تعالى في أيدي الأغنياء كفيل باجتثاث فقر الفقراء إيماننا بقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (الحجر: 21).
واليوم مع فيضان الأموال بأيدي المسلمين نرى الفقر منتشرًا بينهم وهذا دليل إمساكهم عن أداء الزكاة المفروضة عليهم، وقد ضمني مجلس مع أحد الأغنياء من المسلمين فدعوته لإخراج زكاة أمواله، وبعد الحساب الذي أجريته وجدنا أنه إن دفع زكاة ماله فإن هذه الزكاة التي يدفعها تكفي لإعالة ثلاثة آلاف عائلة فقيرة لمدة سنة إذا أعطي لكل عائلة منها راتب شهري مقداره مائة دينار كويتي، أو ما يعادل ألفًا ومائتي ريال سعودي.
ونحن لا نذكر بأن هناك أسبابًا شخصية لإمساك الناس عن دفع زكاة أموالهم، كالجشع، والأنانية، والتعلق بالدنيا مع أن الواحد من هؤلاء ينفق الملايين على رغباته الجنسية ونحوها، إلا أن المسلمين أيضًا قد أهملوا علاج المرض المستشري في هؤلاء فلم يضعوا من القوانين ما يجبرهم على الزكاة ولم يقيموا المؤسسات المعنية بأمر الزكاة، لا بجمعها فحسب، ولكن بتوجيه الإعلام لبيان أهميتها ودورها في المجتمع، لا بأسلوب الواعظ المباشر فقد أقفلت قلوب أكثر الناس عن هذا الأسلوب ولكن بأسلوب الواقع، كفيلم عن أسرة كانت مشردة فأوتها الزكاة وردت إليها كرامتها، ومجاهدين كانوا يهربون من مواجهة العدو لأنهم لا يملكون الرصاص الذي يواجهونه به فأمدتهم بالرصاص، ومريض كان في حال بئيس فعولج بمال الزكاة وعاد صحيحًا منتجًا، ثم إن قامت هذه المؤسسات في بعض البلدان، فهل تتبع في عملها أسلوب سد الجوع مؤقتًا بحيث يبقى الفقير فقيرًا، ويبقى عنصرًا مستهلكًا بحيث لا تعطيه من مال الزكاة إلا ما يكفيه لقوت يومه، أم أسلوب تحويل الفقير إلى عنصر منتج مستغن عن الزكاة.
ب- زكاة الفطر: وزكاة الفطر فريضة تضامنية أخرى، يؤديها القادر عليها عن نفسه وعمن يعوله إلى المحتاجين.
وإذا كانت الزكاة تتناسب طردًا مع ما يملكه المسلم من الأموال النامية، فإن زكاة الفطر تتناسب طردًا مع عدد الأشخاص الذين يعولهم وهذه الزكاة رغم إقبال جمهور المسلمين على دفعها لا تكفي للقيام بحاجة المحتاجين، وإن كنا لا ننكر مساهمتها في سد جزء من هذه الحاجة.
ج- الكفارات: الكفارات التي شرعها الله تعالى لارتكاب بعض الذنوب هي فرائض تضامنية أيضًا، والواجب في الكفارات لا يخرج عن الصيام، أو الإعتاق، أو الكسوة، أو الإطعام والصيام: هو تضامن مع النفس لتهذيبها وكبح جماحها، وتقوية إرادتها، والإعتاق: تضامن مع جماعة من بني الإنسان أسقط بأيديهم فضرب عليهم الرق، ويقدم إعتاق المسلم على غير المسلم، بل لا يقبل في بعض الكفارات إعتاق غير المسلم، لأن الحرية أثمن ما يناله الإنسان، فيقدم المسلم فيها على غيره. والكسوة والإطعام ويدخل في الإطعام الدماء الواجبة في الحج هي تضامن واجب مع فقراء المسلمين لتخفيف ما بهم من الفقر.