; حتى لا تُخدع الأمة أو تنسى | مجلة المجتمع

العنوان حتى لا تُخدع الأمة أو تنسى

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1994

مشاهدات 64

نشر في العدد 1092

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 15-مارس-1994

أمتنا الآن لا تخشى العار فقد تعودت عليه، ولا تشعر بالذلة لأنها أدمنتها، كما أنها لا تعي شيئًا لأنها فقدت الذاكرة، ولا تلتفت إلى مجد تليد لأنها مزقت صحائف التاريخ وأصبحت تعيش خارج الزمن. هانت على نفسها وعلى الناس، تصادق من يحتقرها ويحرض عليها، وتجري وراء أعدائها وتعتقد أنهم مخلصوها، وتصاحب من يخدعها -ليل نهار- وتعتقد أنه الناصح الأمين.

لا تريد أن تراجع نفسها أو تسير على منهجها أو ترجع إلى هويتها، لا تريد أن تعلم شيئًا ينفعها، أو تعتقد أمرًا يدفعها أو تعمل عملاً يرفعها، حتى صارت ملهاة العالم وأضحوكة الدنيا، تُباع وتُشترى بلا ثمن وتُذبح أو تُؤكل بلا مقابل. لا تزن في أعين الناس جناح بعوضة، ولا تعدل في ميزان الأمم شروى نقير.

صرخت على نفسها حتى هانت، ووصمت نفسها بالإرهاب حتى مجَّته، وكرهت كل مجاهد وقطعت كل لسان وقتلت كل بطل وكبتت كل مصلح من بنيها حتى تعجبت منها الأقدار، ونبذت دعوة الله حتى حل بها غضبه، وواصلت عليها البغاة حتى حل بها نقمته. وها أنت ترى الأمة تنبح من خسيس وتُقتل من كل شارد أو وارد، حتى استنسر في أرضنا البغاث وتسلطت علينا القردة والخنازير وعبد الطاغوت، فهتكت الأعراض وبقرت البطون وهدمت المساجد وقُتل المصلون الركع السجود وهم يتلون قرآن الفجر ويرددون أوراد السحر، ويُتمت الأطفال وخُربت الديار، والسفلة يضحكون والقتلة يمرحون والخبثاء يدخلون.

أبعاد مذبحة الخليل

كتب روبرت فيسك مقالاً في "الإندبندنت" البريطانية عن أبعاد مذبحة المصلين في الخليل يقول فيه: "تخيل لو أن هذه الجريمة نفذها فلسطيني في كنيسة يهودية، كيف كان سيكون رد العالم؟ سؤال صعب... أول شيء سيصف العالم الرجل المسلح بأنه «إرهابي»، وأي جماعة ينتمي إليها هي جماعة إرهابية، وأي دولة تؤوي هذه الجماعة الإرهابية ستُهدد مباشرة بعقوبات اقتصادية، وبدون شك سيقوم الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مباشرة بإدانة هذه الجريمة الوحشية".

لكن بالطبع لم يكن ذلك الحال بالنسبة لمنفذ مذبحة الخليل؛ فباروخ غولدشتاين ضابط في الجيش الإسرائيلي وكان يلبس لباس الجيش، ولم يصفه أي صحفي غربي أو أي صحيفة أو محطة تلفزيونية غربية بأنه إرهابي. وغولدشتاين كان منتسبًا لحركة «كاخ» اليهودية، وهذه حركة مشروعة في إسرائيل ولها مكتب في نيويورك. والرئيس بيل كلينتون اتبع سياسات الإدارة الأمريكية السابقة في الانحياز لإسرائيل؛ فكون الشخص الملام هو إسرائيلي وليس فلسطينيًا، فقد قام بوصف مذبحة المسجد بأنها جريمة قتل، كما لو أن الضحايا ماتوا نتيجة كارثة طبيعية مثل هزة أرضية أو فيضان.

ثم يقول: "سألني فلسطينيون في مخيم فلسطيني لماذا تفاجأنا من جريمة الخليل حيث كانوا يريدون أن يعرفوا إذا كنا نسينا صبرا وشاتيلا أم لا، لماذا يكون الفلسطيني الذي يقتل إسرائيليًا إرهابيًا، بينما الإسرائيلي الذي يقتل فلسطينيًا هو مستوطن مختل عقليًا أو مهاجر أمريكي أو عضو في جماعة يهودية سرية مقاتلة، ولكن لا يكون أبدًا إرهابيًا!!".

في 20 مايو 1990 قام جندي إسرائيلي بقتل 7 عمال فلسطينيين في عيون قارة، وطبعًا الصحافة العالمية غطت الحدث ولكنها لم تستخدم إطلاقًا كلمة إرهابي، وإنما كان مختلاً عقليًا. وبعدها بخمسة شهور فقط قتلت الشرطة الإسرائيلية 19 فلسطينيًا في مجزرة القدس، ووزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت جيمس بيكر، علق على هذه المجزرة، لكنه لم يستخدم تعبير «مجزرة» وإنما تحدث عن مأساة، وهي نفس الكلمة التي استعملها الرئيس الأمريكي كلينتون يوم الجمعة الماضي في مذبحة الخليل.

إن مجرم الخليل باروخ غولدشتاين كان ضابطًا في الجيش الإسرائيلي برتبة نقيب، لكن التقارير الإخبارية تناقلت هويته بشكل غريب، فهو لم يعد جنديًا إسرائيليًا مع أنه ارتكب الحادث بزيه العسكري وسلاحه المرخص، ومع حلول ليلة الجمعة أصبح يهوديًا أمريكيًا مهاجرًا، وأخذت هويته الإسرائيلية تتلاشى، وكأن اليهود لا شأن لهم بالحادث المفجع، وكأنهم تخلوا عن طبيعة الغدر والقتل والإرهاب التي تجري في دمائهم ونشأوا عليها ودُربوا على ممارستها ولهم فيها التاريخ الأسود الذي تشهد صفحاته على ذلك. وكأن دولتهم التي قامت على المنظمات الإرهابية وسفك دماء الأبرياء قد مسحت يدها من هذا كله، وكأن الأرض التي اغتصبوها والديار التي خربوها والمذابح التي نصبوها للأبرياء العزل كانت أكذوبة هم منها براء، وكأن إخبار الله عنهم وعن جبلتهم في القرآن الكريم كان قصصًا يفترى من دون الله، وحديثًا مدخولاً على المؤمنين، وحاشا لله أن يكون هذا.

بين التاريخ والقرآن

لقد كان القرآن صريحًا في بيان عنت اليهود وبغيهم على الأنبياء والمصلحين رغم أخذ الميثاق والعهد عليهم بالاستقامة وعدم الظلم والبهتان، وصدق الله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 70- 71]. وحكى التاريخ بغيهم وصدق القرآن، فقد قتل اليهود من الأنبياء إشعياء بن أموص الذي عاش في منتصف القرن الثامن قبل الميلاد، وقتلوا النبي إرميا رجمًا بالحجارة في منتصف القرن السابع، وقتلوا النبي يحيى، ثم قتلوا النبي زكريا عليه السلام لأنه حاول الدفاع عن ابنه يحيى، ثم قتلوا النبي حزقيال، ثم قتلوا شبه عيسى يظنونه هو، ثم حاولوا قتل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارًا كفرًا وبغيًا، حتى قال القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21- 22].

فيا قوم أبعد هذا كله نظن أن هناك عهدًا يؤخذ، أو طبيعة تستقيم، أو سلامًا يحل، أم نظل نُخدع وننسى؟!

 

الرابط المختصر :