العنوان حتى لا تطأ الخنازير «أرض إسرائيل»!
الكاتب حازم غراب
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1999
مشاهدات 64
نشر في العدد 1360
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 27-يوليو-1999
اقتضت طبيعة عمل الرجل شبه الرسمية أن يذهب للكيان الصهيوني، ولم يجد مفرًا من الذهاب، وإلا طحنت تروس البيروقراطية الحكومية مستقبله الوظيفي، فسافر على كره منه، وإن بيت النية على أن يفتح مسامه وعينيه وأذنيه عن قرب على ذلك المجتمع اللقيط المزروع في فلسطين.
أمضى صاحبنا بضعة شهور هناك، وقبل أن تنتهي مهمته شبه الرسمية شاءت إرادة الله أن تغير رئاسته في القاهرة، وحتمت الظروف عودته.
التقيت هذا المصري مؤخرًا، وسألته أن يقدم للقراء مشاهداته وانطباعاته، فوافق شريطة ألا نشير إلى اسمه أو مهنته لاعتبارات لا تخفى على فطنة الجميع.
تعالوا نقرأ السطور وما وراء السطور مما يرويه هذا الرجل، دون أن نتدخل بالأسئلة ولا بالمراجعات، فقد استرسل صاحبنا في كلام لا يحتاج إلى أي جهد صحفي.
«عندما علمت بأنه لا مفر من سفري، وبعدما تحدد الموعد، كان لا بد أن أذهب لوالدي في قريتنا الصغيرة للسلام، وإبلاغه بأنني مسافر إلى إسرائيل، وصلت لبيت الأسرة، وكان الوالد يجلس أمام شاشة التلفاز، وقد ظهر فيها مسؤول عربي كبير، وفوجئت بوالدي يتأفف بغضب، ويقول مبررًا تأففه: لقد زار «إسرائيل» مرتين. بعد هذه العبارة لم أملك إلا أن أبلع رغبتي في إبلاغه بوجهة سفري الحقيقية، واضطررت أن أكذب وأدعى أنني مسافر إلى بلد أوروبي.
الخوف الخوف
سافرت كثيرًا بالطيران، وخبرت معظم شركات الطيران العالمية والإقليمية، ولم أجد سوى طيران الكيان الصهيوني يستجوب ركابه قبل إجراءات صعود الطائرة، فقد أخذ مسؤولو مكتبهم في المطار يفتشون كل راكب تفتيشًا ذاتيًا دقيقًا، ثم يسألون الواحد تلو الآخر العديد من الأسئلة، قبل السماح له بالانتقال للطائرة.
في فلسطين المحتلة وجدت البلاد تعيش حالة حرب حقيقية، وإن كانت غير معلنة، ففي أسفل كل مبنى أو عمارة مخبأ أو ملجأ، يهرع إليه السكان في حال الطوارئ، وعلمت أن هذا شرط أساسي عند بناء البيوت والمباني هناك.
أما الأفراد فهم مسلحون تسليحًا شخصيًا، ولا يفارق السلاح أجسادهم، وتصوروا مثلًا شخصًا يقف على سلم خشبي أو كرسي، ويقوم بإصلاح النافذة، بينما يتدلى سلاحه الشخصي من حزام حول وسطه.
الجنود في بلادنا، وفي كل بلاد العالم- على ما أعلم- عندما يخرجون من معسكرات الجيش أو الشرطة لإجازة طالت أم قصرت، يسلمون أسلحتهم الشخصية، ولكن الجنود في الكيان الصهيوني لا يفعلون ذلك، وإنما يأخذ كل واحد منهم سلاحه معه لمنزله، حتى لو كان هذا السلاح كلاشنكوف، أو بندقية آلية سريعة الطلقات، ويبقى الجميع رجالًا ونساء تحت سن الاحتياط حتى سن ٥٥ عامًا، ويتم استدعاؤهم لتدريب سنوي لمدة ثلاثة أسابيع.
ركبت حافلة من مدينة إلى أخرى، وحرصت على أن أتجاذب الحديث مع جاري، وتطرقنا في التعارف حتى قلت إنني من مصر، ولم أكد أنطق الكلمة حتى قفز أمامي شخص بسرعة، وأمطرني بأسئلته المتوالية: أحقًا أنت من مصر؟ ألا تمزح؟ إذن أبرز أوراقك الثبوتية، والحقيقة أن اندفاعه نحوي ولهجته الآمرة هزتني قليلًا، وخاصة أنه بعد برهة من تأكده من جنسيتي توجه للسائق، وأظهر له بطاقة، فانحرفت الحافلة بسرعة ليمين الطريق ثم توقفت تمامًا، وأصر ذلك المخبر أو رجل الأمن أن يفتشني وحقائبي بفظاظة وغلظة، وبعد دقيقة مرت ثقيلة، انفرجت أسارير الرجل، وأبدى لي أسفه!!
عندما يحين موعد نشرات الأخبار، لاحظت أن الجميع يقطعون ما يشغلهم، ويرهفون السمع بإنصات، ويهتم الجميع بما يذاع عن بلادنا وأحداثنا بشكل ملحوظ.
وتحصلت على شريط فيديو رسمي يشرح بالتفصيل مصادر الأخطار التي تحيط بدولة بني صهيون، ومن عجب أن جيش مصر والحركة الإسلامية فيها يأتيان على قمة تلك الأخطار.
فئة رجال الدين اليهود ذوي اللحى والشعر والضفائر الطويلة المدلاة والملابس السوداء متفرغة لما يسمى القبالاه، أي شرح التوراة وتفسيرها، وأفراد هذه الفئة يبلغ تعدادهم عشرات الآلاف، ويقال إنهم حوالي نصف مليون، وهم متفرغون لهذه المهمة الدينية، وتدفع لهم الحكومة مرتبات شهرية، وهم لا يلتحقون بالجيش، حيث إن وظيفتهم استراتيجية تعبوية، تخدم هدف التكامل القومي بين شراذم اليهود.
وكما فعل اليهود قديمًا في التحايل على صيد السمك يوم السبت، فإنهم يتحايلون على التحريم الديني اليهودي لتربية أو وجود الخنازير على أرض إسرائيل، وذلك بأن يصنع أصحاب مزارع الخنازير أرضية خشبية ذات ارجل قصيرة ترفعها عن الأرض، وبذلك لا تمس الخنازير أرض إسرائيل!.
حازم غراب