; حال المسلمين في قمتهم الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان حال المسلمين في قمتهم الإسلامية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2010

مشاهدات 62

نشر في العدد 1896

نشر في الصفحة 37

السبت 03-أبريل-2010

تيئيس الأمة الإسلامية من أية فاعلية إسلامية تنهض بهم وتجمع شتاتهم وتلم شعثهم. يبدو أنه شيء مراد، شئنا أم أبينا، بيدنا أو بيد عمرو، ودورانها في حلقة مفرغة لا يدرى أين طرفاها، يظهر أنه أمر كتبناه على أنفسنا وخيار ارتضيناه لمستقبلنا.

أن تجتمع الأمة الإسلامية في مؤتمر قمة شيء جميل وواعد وتنتظره الشعوب الإسلامية بلهفة وشوق وتطلع وأمل، وأن تبحث فيه هموم المسلمين وشؤونهم وقضاياهم وأحوالهم أمر يبشر بخير ويدعو إلى التفاؤل بانكشاف الغمم وانقشاع الظلم، لكن أن ينفض عن سراب خادع وضباب تائه ووعود خلب، وبيانات خطابية وقرارات هلامية وشعارات رمزية، فهذه هي الكارثة بعينها، لما تحمل في طياتها من تيئيس للأمة، وذبح لأمال الشعوب وقتل لأحلامهم، وتمزيق لاعتزازاتهم، التي تعيش عليها الأفراد والجماعات بعد أن فقدت الكثير والكثير، وهذا يفتح الباب على مصراعيه للمروجين لتفكيك الأمة والحاقها بالنموذج الغربي وتشجيع لأقرانهم الذين ما برحوا يغرسون بذور التيئيس من كل ما هو إسلامي، وفي مقدرته على استرداد أي حق للأمة، والتشكيك في عافيتها في كل مناسبة والعمل على زعزعة ثوابت الأمة في الهوية والوحدة، والدعوة إلى الانعزالية، والالتحاق بركب العولمة، بعد أن صارت الوحدة من قبيل التضييع للوقت والجنوح إلى الرومانسية.

وقد يتطرق بعد هذا إلى اعتبار التدين تطرفًا وأصولية لابد من القضاء عليها، والجهاد جريمة ونضال المحتل إرهابا يجب التخلي عنه، ومعروف سلفًا لكل ذي عينين أن أعداء الأمة لن يألوا جهدًا في تزكية هذا التيئيس واستغلال مناخه حتى تظل الأمة بلا هوية وبلا اتحاد أو تقدم فيسهل القضاء على قوتها وتهميشها واستغلالها وخداعها عن حضارتها ومستقبلها.

ومعروف أن الثقافة قوة للشعوب، والهوية نصر لها وإعلاء لشأنها ولهذا تحاول كل الشعوب أن تحتفظ بثقافتها وهويتها، إذا لم تستطع أن تغزو بها وتصدرها إلى الشعوب الأخرى، وهيمنة النظام الأمريكي ليست كلها سلاحا وقوة وإنما هي في أغلبها، ثقافة، ولهذا يقول الكاتب الأمريكي جيمس تشيس، إن الهيمنة الأمريكية هي في الغالب ثقافية ولا تقل قوة عن هيمنتها العسكرية ولئن كانت الولايات المتحدة هي المنتج الأول للسلاح المتقدم في العالم، إلا أن التسلية الأمريكية تعادل صناعة الطيران الأمريكية وهما يمثلان في حقيقة الأمر أضخم صادرات البلاد، وفي رأيه أنه إذا كانت صناعة الطيران لها منافس يتمثل في شركة إيرباص الأوروبية فإن صناعة التسلية الأمريكية متمثلة في السينما والإنتاج التلفزيوني ليس لها أي منافس في أي مكان في العالم، وأن أمريكا تسيطر الآن على ٨٠٪ من الإنتاج الثقافي والفني في العالم، وبنها الإعلامي حقق اكتساحا غير مسبوق حتى أصبحت قادرة على تشكيل الوعي في ٨٠% من مساحة الكرة الأرضية، واستطاعت أمريكا أن تفسد أجيالًا وتلفتهم حتى بتافه المسلسلات عن نهضتهم وواجبهم الذي يناط به معايشهم ليصبحوا عالة عليهم حتى في أرزاقهم وأفكارهم، ويضحوا ذيولًا لا استقلال لهم ولا هوية.

وهذا الزخم الإعلامي والتصديري للهوية الأمريكية هو الذي ألقى بظلاله على شعوب العالم. واستفز أطرافًا كثيرة على مقاومة تلك الهيمنة الأمريكية الغازية لبلادهم، فرأينا دول منظمة آسيان في جنوب شرق آسيا تتحرك دفاعا عن قيمها وهويتها كما رأينا الدول الفرنكوفونية بقيادة فرنسا تعمل في نفس الاتجاه، ورأينا الصين تجدد حصانتها في مواجهة الهيمنة الحضارية الغربية، ورأينا حربًا للنموذج الأمريكي في الحياة من الأمم الأخرى خوفًا على ثقافتهم وهويتهم. والأمة الإسلامية اليوم - ممثلة في مؤتمرات قمتها مدعوة إلى الحفاظ على ثقافتها وهويتها، حتى لا تؤكل وتضيع وهي وارثة المجد التليد، ومدعوة إلى التجمع والوحدة حتى تتماسك لبناتها ويشتد عودها وتستطيع مقاومة الظلم والبغي والاغتصاب الواقع عليها من كل حدب وصوب، ولن تقدر على ذلك إلا بخطوات لابد أن تخطوها، وأعمال لابد أن تنجزها حتى لا يجرفها التيار من جميع جوانبها من ذلك:

1- الاتحاد الفكري والثقافي: وخير ما يوحد الفكر ويجمع الشتات الثقافي هو الإسلام، وصدق الله، ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(الأنفال: 63)، فالإسلام هو الذي يزرع الأخوة التي ترتبط برباط العقيدة والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها كما يقول الشيخ البناء والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر وأول القوة قوة الوحدة ولا وحدة بغير حب، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا.

2- الاتحاد الاقتصادي والتكنولوجي: فالأمة عندها من الموارد والأسواق ما تستطيع به أن تكون قاعدة اقتصادية صلبة والصعود إلى القمة والانطلاقة نحو التقدم ينطلق من قاعدة اقتصادية عظيمة، ويصعب على المسلمين أن ينهضوا وأن يكونوا فاعلين وهم ضعفاء اقتصاديًا يعيشون عبنا على العالم.

3- أن تحدد الآمال وترسم الخطوات لأهداف واضحة وجلية تعيشها الأمة وتدفع إلى تنفيذها ولا تلهيها المشكلات الصغيرة عن الطموحات الكبيرة.

4- أن تتخلص الأمة من كل سيطرة أجنبية تدفعها إلى التخريب الثقافي أو العلمي، أو الاقتصادي، أو إلى القطيعة والخلاف بين بعضها بعضًا، وأن تكون هناك آلية للتحاكم وتنقية الأجواء حتى لا يتدخل عدو فيوغر الصدور ويقطع الأوصال.

٥- يجب أن تعيش الأمة أجواء الحرية والعدالة والنزاهة الاجتماعية والخلقية، وأن يفسح فيها للرأي الآخر، وأن يعمل على تقبل النصح وجمع شتات الأمة ورعاية المخلصين منها.

6- يجب أن تلتفت الأمة إلى عدوها المشترك الذي يهدد كيانها ومقدساتها، ولا يكف عن الاستهانة بكل الأعراف الدولية ولا يرعى للمسلمين إلا ولا ذمة.

والمؤتمر الإسلامي الذي بلغ عمره اليوم حوالي أربعين عامًا منذ عقد مؤتمره الأول، ويشترك فيه خمس وخمسون دولة إسلامية، وأصبح في وقتنا الحاضر المظلة السياسية للأمة على الساحة الدولية، لم يفعل شيئًا يُحمد عليه للآن - وكذلك مؤتمرات القمة العربية والأمة تنتظر منها الكثير على الساحة الدولية والمحلية، تنتظر أن يكون لها دور في المعادلة الدولية وأن يكون دافعًا للأمة نحو التقدم والريادة، وأن يعمل على تكوين حلف إسلامي، يعز الأمة ويحميها ويشد من أزر الأقليات في العالم، وأن يكون له دور في حل الخلافات وإنهاء الفتن بين الدول الإسلامية، وحصر التدخلات الأجنبية، وأن يكون للمؤتمرات ميثاق شرف يلتزمه الجميع حتى يتخلى البعض عن الصراعات والمشكلات الهامشية، ويتوقف نزيف الدم والمهاترات وإهدار الطاقات والفعاليات التي تحتاجها الأمة لبناء مستقبلها، فهل تكون المؤتمرات ورجالها على مستوى المسؤولية ومواجهة الأخطار والظروف المعاشة؟ وهل يثبت المجتمعون أنهم صالحون وقادرون، أم سيظلون عاجزين تائهين ناكسين يمثلون علة الأمة وأوجاعها، التي لابد أن تزول؟ وصدق الله: ﴿وإن تتولَّوْا يَسْتَبْدِلَ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمثَالكمْ﴾ (محمد: 38).

الرابط المختصر :