العنوان حالة العالم الإسلامي: تركيا.. والخطوات الأولى في النظام الرئاسي:
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الأربعاء 01-أغسطس-2018
مشاهدات 2
نشر في العدد 2122
نشر في الصفحة 32
الأربعاء 01-أغسطس-2018
لقد عانت تركيا، وما زالت، من دستور عام 1982م المطبق حتى اليوم الذي كانت وضعته مجموعة انقلاب 1980م، وتعمدت أن يكون فيه الكثير من المطبات والثغرات والتقاطع في صلاحيات المؤسسات المختلفة، بحيث تكون هذه المشكلات البنيوية ومن ضمنها الصلاحيات المعطلة للرئيس -الذي يفترض أن يكون فخريًا في نظام برلماني- «فرامل» أو عقبات أمام أي حكومة غير مرضي عنها.ورغم التعديلات الكثيرة جدًا التي أجريت على هذا الدستور (18 تعديلاً منها 9 في عهد العدالة والتنمية)، فإنه بقي يحتفظ بخاصيتيه الأساسيتين: المشكلات البنيوية، وكونه دستوراً عسكرياً في المقام الأول؛ ما دفع للتفكير بصياغة دستور جديد، وحين فشلت الأحزاب التركية في ذلك على مدى السنوات الماضية، ذهبت إلى خيار يتطلب جهدًا ووقتًا أقل؛ أي إجراء تعديل دستوري هدفه الرئيس الانتقال للنظام الرئاسي لتجنب فكرة ازدواجية السلطة التنفيذية وتنازع الصلاحيات. ورغم أن الفكرة قد طرحت سابقًا ثم تراجع عنها العدالة والتنمية نسبيًا بعد انتخابات يونيو 2016م، فإن المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016م فتحت الباب مجددًا لمناقشة الأمر بعد اقتراح من «دولت بهجلي» رئيس حزب الحركة القومية، الذي تحالف لاحقًا مع العدالة والتنمية، وهكذا ناقش البرلمان المواد الـ 18 المتضمنة لفكرة الانتقال للنظام الرئاسي، قبل أن يعرض على استفتاء شعبي في 16 أبريل 2017م، ويقرّ بنسبة 51.4%، على أن يبدأ تطبيقه مع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة، التي بكّرت عن موعدها إلى يونيو الماضي. معالم النظام وفوائدهيشمل النظام الرئاسي الذي أقرته تركيا سلطة تنفيذية برأس واحد -حيث أُلغي منصب رئيس الوزراء- هو الرئيس الذي يشكل الحكومة ويقودها، وبصلاحيات أوسع بكثير من تلك المعطاة له -أو لرئيس الوزراء- في ظل النظام البرلماني؛ حيث إن من الخصائص الرئيسة للنظام الرئاسي الحكومات القوية المستقرة من جهة، والسرعة والكفاءة في آلية اتخاذ القرار التنفيذي وتطبيقه من جهة أخرى.وقد شرح الرئيس «أردوغان» قبل الانتخابات الأخيرة بأيام قليلة رؤيته لكيفية إدارة البلاد وفق النظام الرئاسي، وهي الرؤية التي باتت نافذة الآن، وبدأ تطبيقها بعد فوزه في الانتخابات، وتتضمن رؤية «أردوغان» تشكيل حكومة غير حزبية؛ أي تكون غالبيتها من خارج حزب العدالة والتنمية، وهو اختلاف جذري مع كل الحكومات السابقة التي تشكل بالكامل من أعضائه وقياداته، إضافة لمنظومة متكاملة من مكاتب وهيئات ولجان تتبع لمؤسسة الرئاسة سيعلن عنها لاحقًا. وقد شكّل «أردوغان» فعلاً حكومته التي ضمت نائباً واحداً للرئيس إضافة لـ 16 وزيراً، 4 منهم فقط من الحكومة السابقة ومن قيادات العدالة والتنمية، بينما كانت غالبيتهم من رجال الأعمال في القطاع الخاص، ويشير ذلك إلى فلسفة «أردوغان» المتعلقة بعمل الحكومة، أي أن تكون تنفيذية تعنى بسرعة التطبيق والعمل، بينما تترك رسم السياسات والإستراتيجيات العامة للرئاسة والمؤسسات التابعة لها.وبينما بقي وزراء الخارجية والداخلية والعدل في مواقعهم، تثبيتاً لمعنى استقرار الحكومة واستمرار عملها وفق نفس النهج والسياسات السابقة، إضافة لنجاح هؤلاء الوزراء في أعمالهم، أوكل «أردوغان» وزارة الخزينة والمالية لصهره ووزير الطاقة السابق «براءة البيرق»، ويبدو واضحاً أن «أردوغان» يريد استثمار كافة الصلاحيات المعطاة له وفق النظام الجديد، والاستفادة من كل ما يتيحه ذلك الأخير فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية لتحقيق أفضل النتائج المرجوة، خصوصاً أنه ضرب لنفسه أمام الناخب موعداً أولياً للتقييم بعد المائة يوم الأولى للحكومة الجديدة، ولعل كلمة «أردوغان» خلال أداء القسم كانت مشبعة بتلك المعاني، حين قال: إنه «لم يبق لي ولا لأي رئيس بعدي أي عذر، فالصلاحيات كلها اليوم متاحة».أولويات الفترة القادمة)أولويات الفترة القادمةما زالت تركيا في الأمتار الأولى فقط من رحلة الألف ميل، وما زالت مؤسسات النظام الجديد في طور التشكيل، والمراسيم الرئاسية تتسارع لتغطي احتياجات هذه الفترة الانتقالية المهمة.ولذا، فمن أهم أولويات هذه المرحلة الجديدة استكمال بناء مؤسسات النظام الرئاسي، أي المكاتب والهيئات واللجان، ورسم منظومة الصلاحيات والعلاقات بينها وبين الوزارات ثم بين الجميع ومؤسسة الرئاسة، بحيث يتحقق التنسيق وينتفي التقاطع والتعارض، إضافة لذلك، ثمة أمور ينبغي أن تستكمل لتحقيق الانتقال السلس من النظام البرلماني للرئاسي، ومن أمثلة ذلك تعديل النظام الأساسي للبرلمان بحيث يتواءم مع ظروف ومفردات النظام الجديد.ومن أهم الأولويات أيضاً الملف الاقتصادي، المجال الأهم في سجل إنجازات العدالة والتنمية منذ عام 2002م الذي تداخلت فيه بعض المؤشرات الإيجابية والأخرى السلبية مؤخراً، ومن هنا جاء تركيز «أردوغان» عليه من خلال تخفيض عدد الوزارات ذات العلاقة به من 6 إلى 4، وزيادة التنسيق بينها من جهة وإسناد إدارة الملف الاقتصادي من خلال وزارة الخزينة والمالية إلى صهره «البيرق»، وسيكون أمام الوزير تحديات مهمة وطارئة بسعر الليرة ونسب البطالة والتضخم والفائدة وغيرها من المؤشرات، وليس أمامه من خيار سوى النجاح لأهمية الملف وللانتقادات التي وجهت للرئيس بسبب اختياره.السياسة الخارجية أيضاًمن ضمن أولويات المرحلة المقبلة خصوصاً أنها سجلت في الفترة الأخيرة نجاحات مهمة، لا سيما في جزئية «مكافحة الإرهاب»، والضربات التي وجهتها أنقرة للمنظمات المصنفة على قوائمها للإرهاب في الداخل وفي كل من سورية والعراق، ويبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد استمراراً لنفس النهج وربما بوتيرة أسرع، من خلال فتح ملفي منبج في سورية ومعقل العمال الكردستاني في جبال قنديل في العراق، فضلاً عن الندية والتفهم اللذين باتت تظهرهما الكثير من الأطراف لدى التعامل مع تركيا ومصالحها.وبكل الأحوال، ثمة أولويات أخرى كثيرة على جدول أعمال الحكومة الجديدة في تركيا، لكن الملفات المشار إليها تقتضي شيئاً من السرعة والإتقان؛ لأنها من أهم المعايير والمؤشرات التي ستوضع أمام الشعب التركي بعد 100 يوم لإقناعه بأن خيار النظام الرئاسي أولاً، ثم انتخاب «أردوغان» ثانياً، كان خياراً صائباً وفيه النفع والفائدة له وللبلاد.
مع الإعلان الرسمي الذي صدر عن اللجنة العليا للانتخابات في تركيا بخصوص النتائج الرسمية والنهائية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت في 24 يونيو الماضي، ثم أداء "أردوغان" اليمين الدستورية رئيسًا وفقًا لتلك النتائج، تكون تركيا قد وضعت قدمها على أول الطريق الجديد الذي بدأته وعنوانه النظام الرئاسي.
رغم التعديلات الكثيرة على دستور 1982 فإنه احتفظ بخاصيتين.. المشكلات البنيوية وكونه دستوراً عسكرياً""حكومة «أردوغان» ضمت نائباً للرئيس و16 وزيراً منهم 4 من العدالة والتنمية وغالبيتهم من رجال الأعمال"
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل