العنوان حالة العالم الإسلامي: المجتمع (2161)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الاثنين 01-نوفمبر-2021
مشاهدات 71
نشر في العدد 2161
نشر في الصفحة 30
الاثنين 01-نوفمبر-2021
انقلاب السودان.. ما زال الحبل على الجرار
قوى وأحزاب أعلنت رفضها لخطوة البرهان واعتبرتها انقلاباً عسكرياً ودعت الجماهير إلى العصيان المدني
«ليبراسيون»: غضب شعبي كبير ضد الانقلاب الذي أوقف فجأة التحول الديمقراطي الهش
«الموندو»: الانقلاب حقق إلى الآن أهدافه بالسيطرة على السلطة التي كان يمثلها رئيس الوزراء وحكومته
«ستراتفور»: استيلاء الجيش على السلطة قد يؤدي إلى شهور من الاضطرابات العنيفة
إعداد- وحدة الرصد والتحليل:
ما زالت الأحداث في المنطقة العربية تزداد سخونة سياسية؛ فما إن تهدأ الأمور في مكان حتى تشتعل في مكان آخر بصورة أكثر دراماتيكية؛ فقبل أن تفيق المنطقة مما فعله الرئيس التونسي قيس سعيد من إجراءات استثنائية؛ بدأت الأحداث تسخن شيئاً فشيئاً في السودان؛ حتى بلغت ذروتها، يوم الإثنين 25 أكتوبر الماضي، حينما أعلن رئيس مجلس السيادة قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان حزمة من الإجراءات التي صدمت الرأي العام كله؛ حيث أعلن حالة الطوارئ في البلاد، وحل مجلسي «السيادة» و»الوزراء» الانتقاليين، وإعفاء الولاة، وتعليق العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية الخاصة بإدارة المرحلة الانتقالية، وكان قد سبق ذلك توقيف بعض الوزراء واختفاء رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، قبل أن يعلن بعدها بيومين تقريباً عودته إلى بيته.
سبقت أحداثَ السودان هذه، التي وصفها الكثيرون بأنها «انقلاب عسكري»، عدةُ إرهاصات كانت تُنبئ بما حدث، من خلال توتر العلاقة بين مكوني مجلس السيادة السوداني المعني بإدارة الفترة الانتقالية بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير عام 2019م؛ فقد اتهم رئيسُ الحكومة عبدالله حمدوك القادةَ العسكريين، على وجه الخصوص، بالفشل في تطهير صفوف الموالين لنظام الرئيس المخلوع عمر البشير، وتنفيذ إصلاحات مناسبة، في حين اتهم عبدالفتاحُ البرهان القادةَ المدنيين بالعجز عن توفير السلع والخدمات الأساسية للشعب السوداني، وأدى ارتفاع أسعار الوقود والماء والغذاء، إلى جانب نقص القمح والأدوية، إلى زيادة تدهور الوضع السياسي في الأسابيع الأخيرة؛ ما نتج عنه نزول بعض المظاهرات المعترضة على الحكومة إلى الشارع.
أما فيما يخص الوثيقة الدستورية التي تدير المرحلة الانتقالية، فقد قام البرهان ضمن إجراءاته بتعليق المادتين (11) و(12) المتعلقتين بمجلس السيادة وصلاحياته؛ حيث تنص المادة (11) على أن مجلس السيادة هو رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها، وأنه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع والقوات النظامية الأخرى، وأنه يتكون بالتوافق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير التي تختار بنص المادة (12) من الوثيقة الدستورية رئيس مجلس الوزراء.
كما قام بتعليق المادتين (15) و(16) المعنيتين بتنظيم عمل مجلس الوزراء الانتقالي، واختصاصاته وسلطاته.
وعلق البرهان كذلك المادة (24-3) التي كانت تخص تكوين المجلس التشريعي الانتقالي.
كما قام البرهان أيضاً بتعليق المادة (71) التي كانت تتناول أحكاماً متنوعة، من بينها أن أحكام الوثيقة الدستورية استمدت من الاتفاق السياسي لهياكل الحكم في الفترة الانتقالية الموقع بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، وأنه في حالة تعارض أي من أحكامهما تسود أحكام الوثيقة الدستورية.
أما المادة الأخيرة المعلقة من الوثيقة الدستورية فهي المادة (72) التي تنص على أنه «يُحلّ المجلس العسكري الانتقالي بأداء القسم الدستوري من قبل أعضاء مجلس السيادة»؛ وهو ما يعني عودة المجلس العسكري الانتقالي ليكون السلطة الوحيدة الحاكمة في السودان؛ ما دفع القوى المدنية لاعتبار ذلك انقلاباً عسكرياً مكتمل الأركان.
تفاعلات داخلية
وعلى إثر هذه الإجراءات، تنادت مؤسسات المجتمع المدني السوداني للاحتجاج كل على طريقته؛ حيث أعلنت قوى وأحزاب واسعة بالبلاد رفضها لخطوة البرهان، واعتبرتها «انقلاباً عسكرياً»، ودعت الجماهير إلى العصيان المدني والنزول إلى الشوارع.
ومن أبرز القوى التي أعلنت رفضها لإجراءات البرهان «تجمع المهنيين السودانيين» (قائد الحراك الاحتجاجي)، و»التجمع الاتحادي المعارض»، و»حزب الأمة القومي» (حزب الراحل الصادق المهدي، وهو أكبر حزب وفق آخر انتخابات برلمانية أُجريت في البلاد)، و»المؤتمر الشعبي» (حزب الراحل حسن الترابي) و»حزب المؤتمر السوداني» (من أبرز أحزاب تحالف «نداء السودان»).
كما رفض تلك الإجراءات كل من «الحزب الشيوعي السوداني»، و»حزب البعث العربي الاشتراكي الأصل»، و»حركة جيش تحرير السودان» بقيادة عبدالواحد نور.
وعلى المستوى الشعبي والجماهيري، احتشد آلاف المتظاهرين في مناطق عدة من السودان، واجهتها قوات الأمن، ونتج عنها عدد من الوفيات والإصابات في صفوف المدنيين.
وما زالت هذه المظاهرات مستمرة –حتى وقت كتابة هذه السطور- ما دفع صحيفة «ليبراسيون» (Liberation) الفرنسية أن تفتتح تقريراً لها بعنوان “السودان.. الشارع هو الحصن الأخير للديمقراطية”، قائلة: “كان رد الفعل والغضب الشعبي هائلاً على الانقلاب العسكري الذي أوقف فجأة التحول الديمقراطي الهش الجاري منذ عام 2019م، نزلت الحشود السودانية إلى الشوارع بحماسة مدهشة لتبدأ في مواجهة غير متكافئة أودت بحياة العديد من الأشخاص، ولكنها السلاح الوحيد للمحافظة على تجربة ديمقراطية لم يكتب لها النجاح”.
وتساءلت المجلة: هل ما يحدث في الشارع هو آخر حركة يائسة لشعب متعطش للحرية، أم إنه اندفاع حاسم لوقف مبادرة الجيش التي تهدف إلى إنهاء ثورة الشعب التي بدأت في أبريل 2019م بإسقاط الدكتاتور عمر البشير بعد 30 عاماً من حكم دون منازع؟ وأضافت أن النزول إلى الشوارع كما يفعل السودانيون لا يشبه التظاهر في باريس -كما يقول الباحث الفرنسي “جيرار برونييه”- لأن المتظاهرين في الخرطوم استُقبلوا بالرصاص قبل عامين، وهم عندما خرجوا إلى الشارع كانوا على علم بأنهم قد يموتون، وبالفعل انفجر الرصاص عند اقترابهم من مقر قيادة القوات المسلحة، وكانت الحصيلة الأولية عدداً من القتلى و80 جريحاً.
في مقابل ردود الفعل الرافضة لقرارات البرهان، صدرت مواقف محدودة مؤيدة لها، لكنها تظل غير حاسمة؛ فقد أعلن الأمين السياسي لـ”المجلس الأعلى لنظارات البجا” (مجلس قبلي) محمد الأمين ترك، في تصريحات متلفزة، أنه يؤيد الإجراءات التي أعلنها البرهان.
إلا أن المجلس أصدر بياناً، يوم الثلاثاء 26 أكتوبر، قال فيه: إن جميع التصريحات الصحفية أو البيانات السياسية التي لا تخرج من الاجتماعات الخاصة بالمجلس، وممهورة بالصفحة الرسمية له (على مواقع التواصل الاجتماعي)، يعتبر رأياً شخصياً لصاحب التصريح أو البيان، ولا يعبر عن رأي المجلس، ولم يفصح المجلس، في بيانه الأخير، عن موقفه من قرارات قائد الجيش.
كما تناقل نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أظهرت أنصاراً لتيار “الميثاق الوطني” المنشق عن قوى “إعلان الحرية والتغيير”، وهم يحتفلون بقرارات البرهان.
هل حقق الانقلاب هدفه؟
وتعليقاً على هذه الأحداث، نشرت صحيفة «الموندو» الإسبانية تقريراً، تحدثت فيه عن الوضع المضطرب الذي يشهده السودان في ظل الانقلاب العسكري، وما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في الفترة القادمة، وقالت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمه موقع «عربي 21»: إن الانقلاب حقق إلى الآن أهدافه التي تشمل السيطرة على السلطة التي كان يمثلها رئيس الوزراء وحكومته، والاستيلاء على مقرات قنوات التلفزيون والراديو، وقطع شبكة الإنترنت في جميع أنحاء البلاد لمنع توحد جهود المعارضة، والسيطرة على الموانئ والمطارات.
أما موقع «ستراتفور» (Stratfor) الأمريكي، فقد علق على تسارع الأحداث في السودان، مؤكداً أن الانقلاب العسكري الحالي قد يعرض انتقال البلاد للخطر بإثارة الاضطرابات وإعاقة جهود الخرطوم لتحقيق الإعفاء من الديون.
وقال الموقع الأمريكي الاستخباري: إن هذا الانقلاب يأتي بعد أشهر من التوترات المتصاعدة بين الجيش السوداني والمسؤولين الحكوميين المدنيين، إذ اتهم الزعيمان على رأس الفصيلين (رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك) بعضهما بعضاً بالفشل في تنفيذ السياسات اللازمة لإجراء انتخابات ديمقراطية وعملية انتقالية.
وأشار الموقع إلى إفادة بعض معارضي الانقلاب، على وسائل التواصل الاجتماعي، بأن القادة العسكريين تلقوا أولاً موافقة ضمنية للاستيلاء على السلطة من بعض الدول العربية، بالإضافة إلى دولة الاحتلال “الإسرائيلي”، وأنه من المحتمل أن تكون هذه الحكومات داعمة لسودان مستقر بقيادة الجيش من أجل الحفاظ على التحالفات الجيوسياسية والاقتصادية القائمة والأمن الإقليمي.
ولفت “ستراتفور” أيضاً إلى أن استيلاء الجيش على السلطة قد يؤدي إلى شهور من الاضطرابات العنيفة في السودان، مما يهدد انتقال البلاد إلى الحكم المدني، وبالتالي وصولها إلى المساعدات المالية الدولية.
سياسيون تونسيون: انتهاء العمر الافتراضي للانقلاب وسقوطه مسألة وقت
بن فرح: لا يمكن لبرنامج سعيّد ومشروعه في الحكم أن ينجح
بن عمر: الانقلاب وُلِدَ ميتاً وزعيمه يعاني حالياً من عزلة داخلية وخارجية
الدالي: توحيد صفوف السياسيين والنقابيين مؤشر على نهاية الانقلاب
تونس- عبدالباقي خليفة:
يؤكد سياسيون ومحللون تونسيون أن العمر الافتراضي للانقلاب قد انتهى، وأن سقوطه مسألة وقت يراها البعض بعد بضعة أسابيع، ويراها آخرون في بحر الشهور الستة القادمة؛ وذلك لأسباب تتعلق بالوضع السياسي والاقتصادي والشعبي في البلاد.
تتآكل شعبية الرئيس التونسي قيس سعيّد رغم عمليات سبر الآراء المزورة، تحت ضغط الارتفاع غير المسبوق في الأسعار، والفجوة المالية في ميزانية الدولة لسنة 2021م التي تقدر بـ4.4 مليار دينار تونسي (1.5 مليار دولار)، وفق الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، رغم التقشف في نفقات الدولة الذي شمل أساساً نفقات التنمية (مليار دينار تونسي)، ونفقات التسيير (700 مليون دينار).
وفي ظل الانقلاب، تتنامى المصاعب الاجتماعيّة والاقتصاديّة، التّي تمر بها تونس، ويؤكد الخبراء أنّ هوامش تحرّك الانقلاب أصبحت، اليوم، محدودة، فضلاً عن اتساع رقعة المعارضة والرفض للانقلاب ووعوده بإقامة نظام (اللجان الشعبية) أو ما يشبهه، ليغلف استبداده وتفرده بالسلطة باسم الشعب، كما يقولون، وهي عادة معروفة لدى كل منقلب.
وقال القيادي في حزب «تحيا تونس» الصحبي بن فرح، لـ»المجتمع»: لا يمكن لبرنامج قيس سعيّد ومشروعه في الحكم أن ينجح في تونس، التي خرج شعبها في ثلاثينيات القرن الماضي ينادي ببرلمان تونسي، وقد اقترن حلم الاستقلال بوجود البرلمان منذ عهد الاحتلال الفرنسي الذي أطلق عليه سعيّد اسماً استعمارياً وهو «الحماية»، كما أطلقت بريطانيا على احتلالها لفلسطين اسم «الانتداب».
وتابع: المجتمع السياسي والمدني في معظمه أعلن وقوفه ضد هذا المشروع منذ بدأ أنصار سعيّد يتحدثون عنه، ومنذ أعلن سعيّد عن الاستعاضة عن الحوار وبالمنابر الإلكترونية للشباب، حيث يمكنهم أن يقولوا ويطالبوا بما يشاؤون ويفعل هو ما يرى.
وحذّر بن فرج من تداعيات مثل هذا المشروع، الذي سيفرغ الدولة من مؤسساتها، ويحوّلها إلى مسرح للمونولوج (مسرحية بممثل واحد غالباً ما يكون خطابه تهريجاً لإضحاك المتفرجين).
واستدرك قائلاً: الرئيس سعيّد لم يتحدث عن تفاصيل مشروعه، ولكن ما يتحدث به أنصاره جدير، كما وصفه د. الصغير الزكراوي، أستاذ القانون الذي كان موالياً للانقلاب، بأن يجعلنا أضحوكة أمام الشعوب! وخلص إلى أن آفاق الانقلاب محدودة، وهو يسير إلى حتفه، وعسى أن يكون قريباً.
وُلِدَ ميتاً
وقال الأمين العام لحزب المؤتمر سمير بن عمر لـ»المجتمع»: الانقلاب وُلِدَ ميتاً، وإمكانات زعيمه ومن حوله محدودة، ويعاني حالياً من عزلة داخلية، وخارجية، رغم أنها ليست بنفس الوتيرة التي يتعامل بها العالم ومجلس الأمن مع السودان.
وأوضح أن منسوب المعارضة في تونس يتعاظم يومياً، ويقفز من سفينة الانقلاب يومياً بعض المفسّرين تباعاً، حتى من ساند الانقلاب بعد 25 يوليو تأكدوا من الخديعة، ما عدا شرذمة قليلة لا تمثل سوى جزء بسيط من المجتمع التونسي.
وجدّد قوله: الانقلاب لا يملك مقومات البقاء، ولا يملك برامج ولا حلولاً، وهو آيل للسقوط بأسرع ممّا يتصوره البعض.
وأكد بن عمر أن سعيّداً فقد شرعيته ومشروعيته، وهو يناور في ظل الضغط الداخلي والدولي، فهو لا يؤمن بالحوار ولم يسعَ إليه، وإن كان هناك من حوار فهو مع نفسه والمحيطين به، وأردف: هذا رجل لعبت السلطة برأسه، ويريد الاستفراد بالحكم ليقيم نظاماً استبدادياً يكون فيه سلطاناً بلا منازع.
وحول ما يقال عن التفويض الشعبي، أشار بن عمر إلى أنه لو تجرى انتخابات الآن لن يحصل سعيّد على نصف ما حصل عليه في انتخابات عام 2019م، ولذلك ورغم عمليات استطلاع الآراء التي تعطيه تقدماً هائلاً على منافسيه لن يجرؤ على إعلان انتخابات مبكرة، لأنه يعلم أن عمليات استطلاع الآراء تلك لا مصداقية لها، بل هي تزلف، وطبخة من طبخات الانقلاب، ومَنْ وراءه.
وخلص بن عمر إلى أن الوضع يحتاج حواراً حقيقياً؛ لأن البديل هو الهاوية التي تسير تونس نحوها بسرعة، فالوضع يسوء يوماً بعد يوم، والأسعار ترتفع، والدولة عاجزة، وكل المؤشرات حمراء.
قد يستمر6 أشهر
أستاذ التحليل النفسي بالجامعة التونسية، الخبير الأمني، القيادي البارز في ائتلاف الكرامة، عضو البرلمان المعلقة أعماله يسري الدالي أكد، لـ»المجتمع»، أن الانقلاب لا يمكنه أن يستمر أكثر من 5 أو 6 أشهر أخرى؛ نظراً لعجزه وكمّ الضغوط المسلطة عليه من الداخل والخارج.
وأوضح الدالي أن ما يطيل في أنفاس الانقلاب ليس الإرادة الشعبية، ولا الشرعية الانتخابية التي جاءت بسعيّد إلى الرئاسة، وإنما الدبابة التي لا تزال تحرسه، ومع ذلك لا يريد أن يسمي انقلابه انقلاباً.
وأردف: حتى عندما أراد أن يعطي لانقلابه طابعاً شعبياً يوم 25 يوليو، كان باستثارة مجموعات من الهمج قذفت نواب الشعب بالحجارة، والعنف المادي واللفظي الذي يندى له الجبين.
وعن مؤشرات زوال الانقلاب، أفاد الدالي بأن توحيد صفوف السياسيين، والنقابيين الذين أعلنوا عن سلسلة من الإضرابات العامة في مختلف محافظات البلاد الواحدة تلو الأخرى بداية من صفاقس، يوم 28 أكتوبر الماضي، مؤشر من مؤشرات نهاية الانقلاب.
المؤشر الثاني، وفق الدالي، تراجع الكثير من داعمي الانقلاب بمن في ذلك الجيش عن التورط في الانقلاب، فبعد زيارة قائد القوات الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) لتونس ولقائه بجنرالات الجيش، تم سحب الدبابات من بوابة البرلمان وعوضتها قوات من الأمن.
المؤشر الثالث يتمثل في الوضع الاقتصادي، فهناك 1.5 مليار دولار فجوة أو نقص في ميزانية عام 2021م، فضلاً عن ميزانية عام 2022م التي كانت تعد في مثل هذا الشهر، ولكن حتى الآن لا حديث عنها ولا اعتمادات لها، وللشهر الثالث تتأخر الرواتب عن الموظفين، وقد يجدون أنفسهم بدون راتب، مع حديث عن تقليص الأجور؛ وهذا ما سيدفع نحو مليون موظف تقريباً للثورة على الانقلاب.
والمؤشر الرابع هو الضغط الأمريكي والأوروبي، وهناك مهلة بـ45 يوماً سيكون لها ما بعدها بخصوص الموقف الدولي من الانقلاب، وسط وقف تام للتعاملات المالية مع البنك وصندوق النقد الدوليين.
وكشف الدالي عن زيارة يعتزم «الاتحاد الدولي للبرلمانيين» القيام بها إلى تونس، يلتقي خلالها بالنواب ويزور السجناء منهم، ولا سيما القيادي في ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف.
يحمل بذور فنائه
وقال الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، لـ»المجتمع»: إن بعض الأطراف ساندت الرئيس سعيّداً في بداية الانقلاب بتعلة مجابهة حركة النهضة، لكنها بدأت الانسحاب تباعاً، حيث تم الوصول إلى قناعة لدى أغلبية النخبة السياسية والشعب التونسي بأنه لا مجال الآن لمساندة توجهات سعيّد، ولا سيما بعد الحديث عن مشروع اللجان الشعبية.
وأردف: المواقف الوطنية والمسيرات التي انطلقت منذ 18 أغسطس الماضي، والمواقف الدولية، ساهمت في تراجع الكثيرين عن دعم الانقلاب، ويبدو أن بعض الدول تراجعت أيضاً عن دعمه بعد وعود سابقة في هذا الخصوص؛ وهو ما مثل رسائل قوية جداً وشديدة اللهجة على مستوى الخطاب الدبلوماسي، فالإدارة الأمريكية حملت مسؤولية الانقلاب للرئيس سعيّد، والمؤسسة العسكرية (مطلب الكونجرس الأمريكي حول مدى مشاركة المؤسسة العسكرية في الانقلاب)، هذا إلى جانب قرار الاتحاد الأوروبي، وإشارة البرلمان الأوروبي شديدة اللهجة حيال بعض الدول العربية التي أعلنت دعمها للانقلاب في بيانه بشأن تونس.
وأشار إلى أن الشراكة التي أمضتها تونس مع الاتحاد الأوروبي عام 2015م أصبحت مهددة، خاصة أنها تنص على احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير والتنظيم والمسار الديمقراطي التعددي.
وأكد الشابي أن نهاية الانقلاب بدأت؛ نظراً للأزمة الخطيرة في تونس، علاوة على الجبهة الوطنية التي بدأت في التشكل من قبل بعض الشخصيات والأحزاب التي تصدت بقوة للانقلاب.
ووصف الانقلاب بالعاجز عن استشراف المستقبل وقراءة الرسائل الدبلوماسية التي ترد من الخارج؛ أي ليس له القدرة على التقاط الرسائل من المجتمع الدولي، وهو ما يؤكد حمله لبذور فنائه.
بعد تصريحات الرئيس الفرنسي المسيئة..
ردود فعل جزائرية ثقيلة ودعوات لتحجيم النفوذ الفرنسي اقتصادياً وثقافياً
الرئاسة الجزائرية: تصريحات «ماكرون» تمثل مساساً غير مقبول بذاكرة 5 ملايين و630 ألف شهيد
تبون لـ»ماكرون»: عودة سفيرنا إلى باريس مشروطة باحترام كامل للدولة الجزائرية
أحزاب سياسية نادت بضرورة تفعيل قانون تجريم الاستعمار الفرنسي
3 وزارات قررت إنهاء استخدام «الفرنسية» وتعميم «العربية» في المراسلات الرسمية والتدريس
الجزائر- عبدالعالي زواغي:
تشهد العلاقات الفرنسية الجزائرية، منذ مطلع أكتوبر الماضي، توترات شديدة بسبب تصريحات وُصفت بأنها «غير مسؤولة»، أدلى بها الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، ونشرتها الصحافة الفرنسية دون نفي من قصر الإليزيه، وصلت إلى حد التشكيك في تاريخ الأمة والدولة الجزائرية قبل الاحتلال الفرنسي، وكذا قوله: إن الجزائر كان يحكمها نظام سياسي عسكري له تاريخ رسمي لا يقوم على الحقيقة، بل على كراهية فرنسا، ويقصد المرحلة التي أعقبت الاستقلال، متهماً أيضاً الأتراك (الخلافة العثمانية) بتزييف الحقائق وإعادة كتابة التاريخ الجزائري، وقال في هذا الصدد: أنا مندهش لقدرة تركيا على جعل الناس ينسون تماماً دورها في الجزائر والهيمنة التي مارستها، وترويجها لفكرة أن الفرنسيين هم المستعمرون الوحيدون، وهو أمر يصدقه الجزائريون!
أثارت تصريحات الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» ضد الجزائر موجة غضب عارمة في الأوساط الرسمية ولدى عموم الشعب الجزائري، حيث تعالت الأصوات الداعية إلى قطع العلاقات مع فرنسا، وتحجيم نفوذها الثقافي والاقتصادي بالبلاد.
وفي أول رد فعل رسمي لها، قامت الجزائر، في 2 أكتوبر الماضي، باستدعاء سفيرها لدى باريس، متهمة فرنسا بالتدخل غير المقبول في شؤونها، وأصدرت الرئاسة الجزائرية بياناً قالت فيه: إنها سحبت سفيرها في أعقاب تقارير إعلامية عن تصريحات الرئيس الفرنسي، التي لم يتم نفيها، وقال البيان: إن تصريحات «ماكرون» تمثل مساساً غير مقبول بذاكرة 5 ملايين و630 ألف شهيد ضحوا بأنفسهم عبر مقاومة شجاعة ضد الاستعمار الفرنسي بين عامي 1830 و1962م.
رد الفعل الجزائري لم يتوقف عند هذا الحد، فسرعان ما أخذت الأمور منعرجاً آخر، عندما قررت الجزائر غلق مجالها الجوي أمام جميع الطائرات العسكرية الفرنسية التي تتجه إلى منطقة الساحل لتنفيذ عمليات حربية في إطار عملية «برخان»، ما اعتبره مراقبون بمثابة ضربة موجعة وتصحيح لخطأ إستراتيجي سابق، على اعتبار أن مرور الطائرات العسكرية الفرنسية كان امتيازاً تحصلت عليه فرنسا في فترة حكم الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، وظل سارياً لمدة 4 سنوات كاملة، مما سيؤثر بشكل واضح على العمليات العسكرية الفرنسية في الساحل، مع ارتدادات على التعاون العسكري بين البلدين الذي لطالما استفادت منه فرنسا، ولا سيما في ملفات مكافحة الإرهاب التي تحوز الجزائر خبرة طويلة في هذا المجال.
وفي 5 أكتوبر الماضي، حاول الرئيس الفرنسي البعث برسائل تهدئة للطرف الجزائري، من خلال تصريحات قال فيها: إنه يكنُّ احتراماً كبيراً للشعب الجزائري، وإنه يملك علاقات ودية مع الرئيس عبدالمجيد تبون، لكن الأخير رد عليه في تصريحات لوسائل إعلام محلية بالقول: إن عودة السفير الجزائري إلى باريس مشروطة باحترام كامل للدولة الجزائرية، مشدداً على وجوب أن ينسى «ماكرون» أن الجزائر كانت مستعمرة في يوم من الأيام، وعلى ضرورة عدم تزييف التاريخ، مؤكداً أن الجزائر قوية بجيشها وشعبها الأبي الذي لا يرضخ إلا لله تعالى.
أما رئيس الوزراء الجزائري أيمن بن عبدالرحمن، فقد قال في رد فعل آخر: إن الجزائر أكبر من كل التصريحات التي تحاول المساس بتاريخها وبجذورها، قائلاً: لا نرضى أبداً بتصريحات «ماكرون»، فالجزائر شعب وأمة واقفة وضاربة في التاريخ.
تجريم الاستعمار
وعلى صعيد آخر، تجندت جميع الأحزاب السياسية الجزائرية؛ معارضة وموالاة، إلى الرد بحدة على التهجمات الصادرة عن الرئيس الفرنسي، فأصدرت بيانات استنكار وظهرت أصوات تنادي بضرورة تفعيل قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر في الفترة من عام 1830 إلى 1962م، داخل البرلمان الجزائري، قادتها حركة «مجتمع السلم»، من خلال اتصالات رسمية مع رؤساء الكتل البرلمانية بالمجلس الشعبي الوطني لتوحيد الرؤية حول مبادرة مشروع تجريم الاستعمار، في حين دعت «المنظمة الوطنية للمجاهدين»، وهي هيئة رسمية واسعة النفوذ في الجزائر، إلى ضرورة مراجعة العلاقات الجزائرية الفرنسية بشكل كامل.
ووصفت حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي بالجزائر)، تصريحات «ماكرون» بأنها عدائية وإهانة للدولة والشعب، وجاءت في سياق عقلية «كولونيالية» (استعمارية) واستعلائية لفرنسا الرسمية، وأن هذه التصريحات كشفت عن الوجه الحقيقي للسياسة الرسمية الفرنسية تجاه الجزائر، هو ما يفضح زيف علاقة الصداقة والاحترام المتبادل، داعية إلى تفعيل قانون تجريم الاستعمار وقانون منع استعمال اللغة الفرنسية في الوثائق والخطاب والاجتماعات الرسمية، وتحويل الشراكات الاقتصادية الدولية نحو دول غير معادية للجزائر.
أما حزب جبهة التحرير الوطني، صاحب أكبر كتلة برلمانية، فقال في بيان: إنه تلقى باستياء وتذمر كبيرين تصريحات «ماكرون» التي تنم عن حقد دفين تجاه الجزائر، وجهل مريب بتاريخها، وأضاف أن «ماكرون» أطلق اتهامات خطيرة تضمنت إساءة بالغة للجزائر؛ مما يؤكد أن فرنسا لم تتخلص بعد من عقدتها الاستعمارية، وما زالت أسيرة ماضيها.
إنصاف "العربية"
كما قررت 3 وزارات، هي «التكوين المهني»، و»الشباب والرياضة»، و»العمل»؛ إنهاء استخدام اللغة الفرنسية، وتعميم اللغة العربية في المراسلات الرسمية والتدريس، بالتزامن مع الأزمة المتصاعدة بين الجزائر وباريس.
ونشرت وزارة التكوين المهني، عبر صفحتها على موقع «فيسبوك»، تعليمات على لسان الوزير ياسين مرابي، جاء فيها: «المطلوب منكم استعمال اللغة العربية في ميدان التدريس، وكل المراسلات الصادرة عن مصالحكم»، مضيفاً: «أولي أهمية قصوى للتطبيق الصارم لهذه التعليمة».
وبصيغة مماثلة، نشرت وزارة الشباب والرياضة، عبر «فيسبوك»، تعليمات للوزير عبدالرزاق سبقاق، جاء فيها أنه يطلب استعمال اللغة العربية في كل المراسلات الداخلية للوزارة ابتداء من مطلع نوفمبر الجاري.
ووجه وكيل وزارة «العمل» وثيقة إلى المسؤولين والمؤسسات التابعة لقطاعه، جاء فيها أنه يجب الاستعمال الحصري للغة العربية في جميع المراسلات والتقارير ومحاضر الاجتماعات وكل الوثائق دون تهاون أو تقصير.
وفي يناير 1991م، أصدرت السلطات الجزائرية قانوناً يقضي بتعميم استعمال اللغة العربية في المعاملات كلها داخل القطاعات الحكومية.
غير أن تطبيق القانون بقي معلقاً لأسباب يقول معارضون: إنها تعود إلى نفوذ ما يُسمى اللوبي الداعم لفرنسا في الجزائر.
وباستثناء وزارة الدفاع، تستعمل كل الوزارات في الجزائر اللغة الفرنسية في أغلب مراسلاتها الداخلية وحتى في بياناتها الرسمية، على الرغم من أن الدستور ينص على أن «العربية هي اللغة الوطنية والرسمية الأولى، كما أن اللغة الأمازيغية لغة رسمية ووطنية ثانية».
وتتواصل، منذ الشهر الماضي، ردود الفعل الجزائرية دون توقف، ويبدو أنها ماضية في التزايد؛ بما سينعكس حتماً على العلاقات الفرنسية الجزائرية التي باتت تعاني من كسور وجراح لا يمكن الشفاء منها، ووحده المستقبل الكفيل بكشف مآلاتها وارتداداتها.