العنوان حافة الهاوية
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2011
مشاهدات 69
نشر في العدد 1966
نشر في الصفحة 46
السبت 20-أغسطس-2011
يقف العالم كله اليوم على حافة الهاوية، فالبشرية تحفر قبرها بيديها، وتسعى إلى حتفها بإرادتها حيث إن نحو أربعة أخماس العالم كفر، والخمس الباقي هو أنتم أيها المسلمون في حال لا تحسدون عليها !! الأربعة أخماس أصبحوا يقنون لسلب الأموال والأوطان وهدم المقدسات، يقنون لانتهاك الأعراض وهدم المقدسات، يقنون لسفك الدماء، يُقنون للفتنة في الدين يقنون لتحويل البقية الباقية ممن يظن بهم خير إلى أن يكونوا مثلهم، وتصير الأرض بؤرة من الشر والفساد..
لو أحسن كل واحد منا تربية أبنائه لتغير وجه الدنيا ولكان للمسلمين اليوم شأن عظيم !
إن البشرية تصنع ذلك وهي لا تدري أنها تستجلب غضب الله سبحانه وتعالى، بل إنها لتستعجل النهاية. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (الشورى : ۳۰). ويقول سبحانه: ﴿ ظهر الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ليُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤)﴾( الروم). ماذا يصنع المسلمون في هذا الجو؟ لو أنهم ظلوا على هذه الحال فهم الذين سيخسرون سيعيشون عيشة الأشقياء ويموتون إلى خسارة وإلى بوارٍ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عن ذكري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (١٢٥) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (١٢٦) ﴾ (طه).
ونحن نقول: إن المسألة تحتاج إلى رجاء بأن يعين الله عز وجل حتى تعود للأمة خيريتها، وحتى تعود إليها ذاتيتها، وحتى تعود لها قيمتها، فهي خير أمة أخرجت للناس، ولكن ذلك لا يكون أبداً بالأماني بل لابد أن نرجع إلى التجربة التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم حيث بدأ وحده، وكان يرى الكفر يحيط به من كل جانب، الكل ضرب بأطنابه في أنحاء الأرض إلا النبي محمدا ، وقلة على وجه الأرض اسمهم الحنفاء. تصور الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو قبل أن يوحى إليه بذلك !! وكان يخلو في غار «حراء» لينقطع للعبادة والتفكر والدعاء بأن تتخلص البشرية مما هي فيه على يديه ، ويقول: يا رب البشرية الآن إلى زوال وأنت رب العباد، وأنت أرحم الراحمين، خلص هذه البشرية مما هي فيه، واجعل هذا الخلاص على يدي.
وكان المشركون يرون محمداً في هذه الفترة، ويقولون إن هذا الرجل قد عشق ربه.. هذا الرجل انقطع عن الناس إلا للضرورة، إلى أن تم تكليفه بالدعوة إلى الله، وأن يبذل جهده ما استطاع حتى تستقر كلمة الله على الأرض مرة أخرى، بعد أن صار الموحدون يعدون على الأصابع.
من أنت أيها الإنسان؟
ولذلك رأيناه يرفع من قيمة هذا الإنسان، عندما يقول في الحديث: «لما خلق الله السماوات قالت الملائكة يا رب هل خلقت خلقا أعظم من السماوات؟ قال: نعم الأراضين، ولما خلق الله الأراضين قالت الملائكة: يا رب هل خلقت خلقا أعظم من الأراضين؟ قال : نعم الجبال، فلما خلق الجبال قالت الملائكة: يا رب، هل خلقت خلقا أعظم من الجبال؟ قال: نعم الحديد، فلما خلق الحديد قالت الملائكة : يا رب، هل خلقت خلقا أعظم من الحديد ؟ قال : نعم النار، فلما خلق النار قالت الملائكة يا رب هل خلقت خلقا أعظم من النار؟ قال: نعم الماء، فلما خلق الماء قالت الملائكة: يا رب، هل خلقت خلقا أعظم من الماء؟ قال: نعم الهواء، فلما خلق الهواء قالت الملائكة: يا رب، هل خلقت خلقا أعظم من الهواء؟ قال: نعم الإنسان. أنت أرقى مخلوق على ظهر هذه الأرض وحين تسلم لله فأنت أرقى وأرقى.
ولذلك رأيناه مرة أخرى يقول لأصحابه: «أخبروني عن شجرة كالمسلم لا يطرح ثمرها ولا يسقط ورقها، فذهب الناس ينظرون في هذه الشجرة، فالبعض ظنها السدر، والبعض ظنها كذا وكذا، ونسوا أو غاب عنهم جميعا أنها النخلة فالنخلة هي الشجرة التي لا يضيع فيها شيء أبداً». ولما عرفهم الرسول ﷺ فقهوا وفهموا المعنى، وهو أنكم عملة نادرة أيها المسلمون ولكنكم لا تعرفون قيمتكم ولا تعرفون منزلتكم.. الله عز وجل جعل السماوات والأرض في خدمتك أيها المسلم على وجه الخصوص، لماذا؟ لأنك تدعو إلى الله وتقيم الحق في الأرض بالعدل والقسطاس المستقيم.. فهمهم النبي ، ثم أخذ يطبق على نفسه ويدعوهم إلى التطبيق.
المسألة لا تحتاج إلى الاستعجال يأتي بواحد من هنا وواحد من هنا وواحد من هنا ويضمهم إلى بعض ويقوي ويرسخ التوحيد والإيمان في نفوسهم، ويبغض إليهم الرذيلة ويحبب إليهم الفضيلة، إلى أن كانت مجموعة من البشر خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بهم من مكة مهاجرا إلى المدينة، لم يكن عددا كبيرا، على الأكثر خمسمائة، ثم ظل الناس يكثرون ويكثرون، وفي المدينة استقبل عدداً مثل هذا، حتى تمت كلمة ربنا الحسنى.
إذا، أول شيء كان عنده الرجاء، وأعطاه الله عز وجل تبعا لهذا الرجاء التكليف، ومع هذا التكليف العمل، ولكن للعمل خصائص على رأسها الحكمة.. فقد فتحت مكة بعد ٢١ عاما من دعوته صلى الله عليه وسلم دون إراقة دماء تذكر والحقيقة أن الله عز وجل قلب نظام الكفر وجعل مكانه نظام الإسلام فقط.. فتحت مكة في السنة الثامنة، بعد ٢١ عاما من بعثته، لماذا لم يفتحها صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول؟ ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيماً، حيث أدرك أنه لن يفتحها بمفرده وإنما لابد من آخرین وكيف يفتحها وأمامه عقبات لا حصر لها ؟ اليهود موجودون في المدينة وموجودون في اليمن، وموجودون حول المدينة، والنصارى من الخارج.. إذا ، لا بد من تخطيط، ولابد من تدبير، ولا بد من إعداد ... ولذلك خطط النبي صلى الله عليه وسلم ودبر، وجعل الأمور تمشي طبيعيا تلقائيا ، كل شيء يوصل إلى ما بعده، وعندما وصل إلى السنة الثامنة وجد الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه يسعى إلى فتح مكة.
التربية الصحيحة
أين أنت من التكليف الذي كلف به النبي ؟ ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والموعظة الحسنة﴾ (النحل : ١٢٥).. أين أنت من هذا التكليف؟ ﴿ولتكن مِّنكُمْ أَمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ (آل عمران : ١٠٤) .. هل أفرغت هذا الإسلام في عقول أولادك وفي قلوبهم؟ هل أعطيت أولادك الاهتمام الذي ينبغي؟ أنت تترك أولادك للفضائيات لتربيهم وتتركهم للساقطين في الشارع ليربوهم أنت تترك أولادك لمناهج ما أنزل الله بها من سلطان هي التي تصنع عقولهم !!
وتقول: حسبنا نأكل ونشرب ؟! بئس هذا الأكل وبئس هذا الشراب، فإن الدواب تأكل وتشرب، والإنسان ما خلق للأكل والشرب وإنما الأكل والشراب شيء موصل إلى الهدف والغاية. ينبغي أن نراجع أنفسنا، فالعمل عندنا أصبح قضية ملغاة أصلا، والفقه بات قضية هامشية.. الناس يذهبون إلى المسجد يوم الجمعة ويستمعون وكأنهم يجلسون على الجمر .. إلى أين؟ الأمة إذا فهمت لا تطبق وإذا طبقت لا تحسن التطبيق، وإذا أحسنت التطبيق فلا تحسن الإخلاص !!
وهكذا قال بن جوريون: نحن ننشر خططنا لإقامة دولة «إسرائيل»، ونحن مطمئنون، لماذا ؟! لأن العرب لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يعملون، وإذا عملوا لا يحسنون، وإذا أحسنوا لا يخلصون. يا سبحان الله !! الكفار يفهمون ويحفظون هذا ، والرسول ﷺ كان آية في العمل الحسن المتقن المجود والله عز وجل يقول للذين يشتغلون ويعملون: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ(69) ﴾ (العنكبوت).
أين نحن من محاسبة أنفسنا على هداية الناس وإرشادهم ؟! أنا لا أقول لك: ارحل بعيداً، كل واحد فينا معه على الأقل ثلاثة أولاد وزوجته، لو أنك أحسنت إلى هؤلاء الأربعة لتغير وجه الدنيا، ولكان للمسلمين اليوم شأن أي شأن ولما استطاع واحد أن يأتي ليغير مناهجنا بقوة القانون، ولما استطاع واحد أن ينتهك حرماتنا ويريق دماءنا ! البشرية في ضياع ولا خلاص لها إلا بكم فاعرفوا قيمتكم واعرفوا فضلكم، وحسبنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل ..» ينبغي أن نراجع أنفسنا .. فالعمل أصبح قضية ملغاة والفقه بات قضية « هامشية » ! الأماني وحدها لا تكفي بل ينبغي الاستفادة من السيرة النبوية والاستعانة بالله حتى تعود للأمة خيريتها