; حاجتنا إلى التربية الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان حاجتنا إلى التربية الإسلامية

الكاتب محمد حسين الخالدة

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998

مشاهدات 81

نشر في العدد 1306

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 30-يونيو-1998

إذا كانت الجامعات وهي أعلى المراكز التعليمية الثقافية في جميع البلدان تخصص مكانًا للتربية فيها فمعنى ذلك أن أقسام التربية في الجامعات مهمة جدًا.

والجامعات لم تفتح كليات التربية إلا لعلمها بأنها تؤدي مهمة عظيمة في تربية الجيل وتثقيفه وتعليمه، ويجمع كثير من الباحثين بين لفظي التربية والأخلاق لعامل الوحدة بينهما لأن معظم وسائل التربية هي نفسها وسائل جلب الأخلاق الفاضلة، ولأن التربية مقصود منها التخلق بالصفات الفاضلة فقد سمت بعض المدارس تعليم القرآن والسنة والحديث والسيرة مادة التربية الإسلامية والتربية من حيث اللغة هي الزيادة والنماء.

ومن حيث الاصطلاح تختلف باختلاف مقصودها وهدفها، فالتربية عند أهل الدنيا تختلف عن التربية عند أهل الآخرة، وأهل الدنيا وأهل الآخرة يختلفون فيما بينهم بنسب متفاوتة وبشكل عام هي لا تخرج عن الإطار العام لمقصود الشارع في جلب ما يصلح الإنسان ودرء ما يفسده ويعيبه، ونجد في ديننا الإسلامي الحنيف قواعد ووسائل عظيمة لتربية الإنسان تربية صالحة منذ النشأة، بل قبلها أقرأ إن شئت كتاب تربية الأولاد في الإسلام للشيخ عبد الله علوان -رحمه الله- أنه أعطى صورة واضحة عن نظرة الإسلام للإنسان من قبل ولادته، وقبل أن يكون نطفة في رحم أمه.

والرسول ﷺ يوصي بقاعدة تربوية واستراتيجية بقوله: «اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس» أو كما قال فهذه وصية نبوية شريفة للوقاية ولحفظ النفس الإنسانية من انحراف قد يطرأ عليها، وقد أجمع ذوو العقول الراشدة على أن أعظم وسيلة لاكتساب التربية والأخلاق الفاضلة هي القدوة المثلى وهي وسيلة أقرها رب العالمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15) فالرسل كانت مهمتهم بيان الحق والدعوة وتبليغ رسالة الإسلام لمن أرسلوا إليهم وذلك بتطبيق ما يدعون إليه قولًا وفعلًا، حتى يكونوا المثل والقدوة، ولقد كان خاتم الأنبياء والمرسلين سيد الخلق أجمعين محمد ﷺ القدوة المثلى لدعوة الإسلام قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21)، وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: 7)، وقالت السيدة عائشة -رضي الله عنها- تصف خلق رسول الله ﷺ بقولها: كان خلقه القرآن، وقال الله عز وجل في مدحه لنبيه ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، وكان وما زال حبيبنا المصطفى المختار ﷺ المعلم الأول والمربي والقدوة الحسنة للجيل الأول من الله الصحابة الكرام رضي عنهم أجمعين حتى جعل منهم جيلًا فريدًا في صفاته وأخلاقه بل كانوا أفضل أجيال البشرية تربية وأخلاقًا وعلمًا على الإطلاق.

اقرأ كتاب «مع الرعيل الأول» لمحب الدين الخطيب رحمه الله تعالى لتتعرف من خلاله كيف تربى الصحابة الكرام رضي الله عنهم في مدرسة النبوة وتخرجوا فيها لينشروا العلم والمعرفة والنور في العالمين، فقد تخرج في هذه المدرسة النبوية أعلام ونجوم وشموس وأقمار أضافوا وأناروا بفضل الله وهدي رسوله ﷺ البشرية جمعاء، ونور الهداية موصول بسند متصل، فنحن أمة الإسلام أمة أنساب وإسناد لذا لانقبل حديثًا أو خبرًا بغير سند متصل برواية العدل الضابط لحفظه ونصه. 

كما أن كتابنا العزيز «القرآن الكريم» وصلنا بسند متصل من الله تبارك وتعالى عن جبريل عليه السلام عن محمد رسول العالمين ﷺ ثم عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين حيث وصلتنا النسخ التي نسخت في عهد عثمان رضي الله عنه وقد أجمع المسلمون قاطبة إجماعًا لم يجمع عليه أي خلق من لدن ادم عليه السلام حتى قيام الساعة على صحة كتاب الله تعالى وصحة نقله عن رسوله ﷺ، لاسيما أنه قد تكفل الله بحفظ كتابه فقال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، فالمربي والمعلم الأول والقدوة المثلى، رعاه الله سبحانه وتعالى منذ أن كان ذرة في صلب آدم عليه السلام. 

والرسول -عليه الصلاة والسلام- ربي الصحابة الكرام تربية ما زلنا نطمح للوصول لشيء منها، ومما لا شك فيه أننا نستطيع بإذن الله تعالى الوصول إلى بعض الخير الذي وصل إليه الصحابة باتباع الطرق والوسائل والأساليب التي تربوا وربوا أبناءهم والتابعين عليها. 

ومن أعظم الأمور المتبعة في الوصول إلى ما وصل إليه الرعيل الأول ثلاثة أصول:

 أولها: المثال والقدوة الحية، وثانيها: توافر الوسائل والإمكانات لكسب الأخلاق الفاضلة، وثالثها: الابتلاء والامتحان.

أولًا: أما المثال والقدوة الحية فإن وجد فهو يدعو بلسان المقال والحال ويكون لذلك الأثر العظيم في التربية وقد أرسل الله سبحانه الأنبياء والرسل ليكونوا القدوة والمثال للدعوة الإسلامية التي اشتملت على كل الوسائل الفاضلة لتربية النفس البشرية على ما يصلحها ويزكيها. 

ولكل فترة زمنية فترة يحتاج الناس فيها لمجدد ينفض الغبار ويعيد لهم النشاط وقد ورد في الأثر «على رأس كل قرن يأتي مجدد لهذه الأمة ينهض بها مما أصابها من الوهن والفتور» أو كما قيل وهذا المجدد هو القدوة الحسنة والمثلى: «ولان الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن».

ثانيًا: وأما الوسائل المتبعة لكسب الأخلاق الفاضلة فنذكر أعظمها:

  1. الصدق: فهو وسيلة وصفة عظيمة من أولى الصفات الواجب توافرها في رسل الله أجمعين وعلى الداعية إلى الله أن يحرص عليها في قوله وفعله، ثم حديث «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة.. إلخ» فيه بيان ووضوح لأهمية هذه الصفة وعظمها.
  2. الإخلاص: بحيث يكون العمل من أجل الله ولله فقط قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (يونس: 106:105)، وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ (الزمر: 14).
  3.  الصواب: بحيث يكون منشأ كل عمل وقول ومرجعه إلى ما يرضي الله تعالى ويرضي رسوله ﷺ كله ومصادر الصواب في الإسلام -والتربية جزء مهم منه- هي مصادر التشريع الإسلامي:

1- القرآن الكريم  2- السنة النبوية  3- الإجماع  4- القياس: فالرجوع إليها يعني استمداد القوة والحق والصواب منها.

4- حسن الخلق: وهي وسيلة وصفة في أن قال تعالى مادحًا حبيبه وحبيبنا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن، وقال عليه الصلاة والسلام: «أقربكم منى مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون»، أو كما قال والمرء عندما يكون كذلك تهون عليه الصعاب وتسهل عليه المشاق ويكون قدوة لغيره نافعًا لأمته، فإن درجة بلوغ حسن الخلق درجة رفيعة وعظيمة وهناك مجموعة صفات ووسائل مهمة حري بالداعية المربي أن يحرص عليها ومنها: 

1- العلم والتعلم 2- التواضع 3- الكرم والجود 4- التخطيط السليم 5- الصبر والمصابرة 6- الرفق في كل شيء 7- الرحمة 

ثالثًا: وأما الابتلاء والامتحان فعندما يأتي بقدر من الله تعالى يكشف ما كان قد اعد الإنسان نفسه وأعد له، فالمحن والمصائب نوع من الامتحان والاختبار والتمحيص قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2).

فهذه الأصول الثلاثة:

1- القدوة الحسنة.

2- توافر الوسائل والصفات.

3- الابتلاء والامتحان هي أركان التربية الصالحة المثمرة وما على الداعية المربي إلا العمل الجاد لتوفيرها في نفسه ومحيطه وفي أمته. 

وإذا ما تحقق ذلك نكون قد حققنا غاية المني ووصلنا في أمتنا إلى السعادة والهنا. 

والحمد لله رب العالمين.

(*) ماجستير في العلوم العربية والإسلامية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

126

الثلاثاء 02-مايو-1972

الأسرة "98"

نشر في العدد 358

112

الثلاثاء 12-يوليو-1977

من شذرات القلم (العدد 358)

نشر في العدد 453

127

الثلاثاء 10-يوليو-1979

الأســــــرة (العدد 453)