; حاجة الخطاب الإسلامي إلى التجديد (2 من 2): قراءة الواقع | مجلة المجتمع

العنوان حاجة الخطاب الإسلامي إلى التجديد (2 من 2): قراءة الواقع

الكاتب سعيدي دحمان عبدالرحمن

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2008

مشاهدات 77

نشر في العدد 1787

نشر في الصفحة 66

السبت 02-فبراير-2008

ذكرنا في العدد الماضي أن تجديد الخطاب ينطلق من جهتين: جهة التصور، وجهة الواقع، وقد تحدثنا عن الجهة الأولى واليوم نتناول الجهة الثانية.

فقد عرف الخطاب الإسلامي في فترات غلبة التيار اليساري العلماني والقومي على الساحة الفكرية والثقافية والأدبية والسياسية والفنية قوة وعمقا في تفنيد وإسقاط مبررات التوجه اليساري والعلماني في رفع التحدي والعودة بالدولة الوطنية إلى موقع الاستقلالية والمقاومة، فاتسم الخطاب بالعلمية والمجادلة الثقافية والفكرية والأيديولوجية الإيجابية، فكان الخطاب يظهر من خلال المناظرة بالانفتاحية والاستيعابية لكل القضايا المطروحة، منها: حقوق الإنسان، والحريات المختلفة، والشورى والديمقراطية ونبذ الحكم الفردي والاستبداد السياسي، وحق التملك.. وعرف الخطاب رواجا في الساحة العربية والإسلامية وبدأ يتوسع بين الأوساط الجامعية والمثقفين والنخبة، ولكن بعد فترة من الغلبة والهيمنة الفكرية والسياسية له لم يتمكن الخطاب من مواصلة مسيرة الاستيعاب، وسقط من فضاء التيار واستيعاب قضايا الأمة العربية الإسلامية إلى فضاء الحزبية والتنظيم السياسي والفكري المصغر والتراجع في حمل هموم الأمة وعدم استيعابها، وانحصر الخطاب في المسألة الذاتية ومطالبها وتداعياتها المختلفة.

فانصرف الخطاب الإسلامي إلى الكليات والعموميات وترك التدقيق والتشخيص وحصر المشكلات وتحديد الأفاق مع رسم المسارات الكبرى لنهضة الأمة والشعب، فالحديث مثلا، إن الإسلام يمثل حلا لمشكلات الأمة هو حديث كلي شامل ومقبول غير مرفوض، ولكن الحقيقة التي يجب أن ندركها في العمق ماهية مشكلات الأمة؟ وأين الأولوية في حل هذه المشكلات؟ ومن هو المؤهل في الأمة لتحديد المشكلات وتوضيحها الدولة أم الحركات الإسلامية أم النخبة المثقفة أم الأحزاب والجمعيات والمنظمات المدنية أم الكليات والجامعات والمعاهد أم الجميع؟ وعند تحديد الجميع كيف يكون السبيل لهذه الحلول؟

وقد تغلف الخطاب الإسلامي بالبعد العاطفي والوجداني. وذلك مطلوب  - على حساب المنهجية العلمية الموصوفة بالدراسة والبحث والتحقيق وحسن التقدير بالإحصائية واستغرقته الجزئيات والفروع.

التجديد المطلوب:

إن تجديد الخطاب الإسلامي يجب أن يبنى في سياق الاتصال بالآخر ودعوته إلى إقامة علاقة سليمة، مبنية على أسس الاحترام والتعايش والتعاون، فلا يجب إلغاء الآخر مهما كان فكره وخلفياته.

 ومن أبرز مظاهر تجديد الخطاب الإسلامي أن ينسجم مع الحقائق القائمة في المجتمع، ومنها الحقائق العرقية والمذهبية واللغوية والطائفية والثقافية والتراثية والتاريخية، فلا يمكن للخطاب أن يبقى جامدًا وكل ما حوله متطور، ويبقى هو رهينة الرؤية الماضية التقليدية للأشياء، منها مفهوم الدولة الوطنية الذي تطور وتنوع وعرف تحولات كثيرة، والمشاركة السياسية والمساهمة في البناء الوطني، وكذلك قضية حقوق الإنسان وحرياته المختلفة والمتنوعة والعمل على إثرائها.

ومن أكثر القضايا السياسية التي يتعثر فيها الخطاب الإسلامي مسألة البعد الوطني وتوافقه مع البعد العالمي للأمة الإسلامية، وكيفية الترجيح في العملية السياسية الداخلية.

لا نريد تجديد الخطاب الإسلامي في التعبير والعبارة، وإنما نتعدى ذلك إلى تجديده في الإثارة والإنارة، ونقصد بذلك إثارة كل الإشكالات والاختلالات والقضايا الضاغطة علينا في ساحة التجاذب السياسي والثقافي والاجتماعي، وبالدرجة الأولى إثارة كل الإشكالات التي أسهم فيها الخطاب الإسلامي وأفزرها من تعاطيه للشأن السياسي والثقافي والاجتماعي والدولي والوطني، وإلى جانب ذلك التركيز على الإنارة ونريد بها أن يستنير الخطاب الإسلامي بأبعاد المجتمع، لأن المجتمع أسبق حضورًا من الخطاب، والخطاب هو تعامل مع مجتمع قائم، ولا تكون إنارة جيدة في التعامل مع القضايا الضاغطة إلا بإعادة القراءة، فهي مدخل معرفي لكل شيء، وتقويم له، ومعالجة، ولا نقصد بالقراءة المطالعة في الكتب والصحف، وإنما القراءة المقصودة التي تتعدى السطور إلى قراءة حياة الناس وأوضاعهم وحالة الأنظمة القائمة فيها، ومدى علاقتهم بأوطانهم وقيمهم وتراثهم، وقراءة الأوضاع المستجدة في الأمة الإسلامية والعالم. وإعادة النظر في كل ما من شأنه أن يعيق اندماج الخطاب الإسلامي في مراحل بناء المجتمع وتجذره في العمق والحيز الجغرافي.

إن أبلغ مظهر من مظاهر القراءة هو الزمن، والزمن هو جزء من الحضارة والفعل الحضاري، فإغفال الفعل الحضاري هو ترك للحضور والإشهاد الحضاري في الأمة الإسلامية قال أحد العارفين بمكانة الزمن: «رحم الله من عرف زمانه فاستقامت طريقته».

 ومن أبرز ما يحتاجه الخطاب الإسلامي في عملية القراءة: قراءة الأحداث والظروف الطارئة والتحولات السريعة في العالم، ولا يمكن للخطاب أن يتجاوز ما يقع ولا يفرز فيه رؤية أو موقفًا أو تحليلًا.

الرابط المختصر :