العنوان جيش البوسنة بين آمال النصر ومؤامرات السياسة الدولية
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1994
مشاهدات 67
نشر في العدد 1104
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 21-يونيو-1994
- لأول
مرة منذ اندلاع الحرب يرضخ الصرب والأمم المتحدة لإرادة المسلمين وقبول
أطروحاتهم كاملة، وكان ذلك بحق يمثل رد فعل لما يحدث على ساحات القتال.
- الفيدرالية
بين المسلمين والكروات لا تعني تخلي الرئيس بيجوفيتش عن منصبه، وإنما هي ضمن
حدود سلطات بيجوفيتش.
ثلاثة أسئلة جثمت خلال الأسابيع الماضية على
صدور المهمومين بالقضية البوسنوية والمتابعين لحيثياتها وتطوراتها والقلقين على
مستقبلها:
الأول:
هل صحيح أن الجيش البوسنوي بات قادرًا على تحرير أراضيه أم أن هناك ثمة مبالغة في
ذلك؟
الثاني:
ماذا يعني تعيين كرواتي رئيسًا للفيدرالية المعلنة بين المسلمين والكروات؟ وماذا
خسر المسلمون أو كسبوا من وراء ذلك؟ وماذا عن مستقبل هذا المشروع الاتحادي برمته؟
الثالث:
ماذا يحدث على الصعيد السياسي الدولي؟ وما الخطط الجديدة المطروحة؟ وإلى أين تسير
الجهود الدولية في ذلك؟
فيما يخص السؤال الأول؛ فإنه من المهم
الاستعانة بنص تصريحات القائد العام للجيش البوسني راسم ديليتش إلى جريدة اليليان
البوسنية في الثامن عشر من الشهر الماضي، والتي لاقت اهتمامًا واسعًا باعتبار أنها
نقلة نوعية في تصريحات القادة العسكريين البوسنيين.
وجاء في حديث ديليتش أن الجيش البوسني استوفى
الشروط اللازمة لتحرير عدة مدن بوسنية (...) صحيح أننا لم نحقق حتى الآن انتصارًا
ملموسًا مثل: تحرير مدينة مهمة، لكننا استوفينا الشروط الحقيقية لإنجاز ذلك. وأضاف
الجنرال المسلم أن جيشنا بات مستعدًا لهذا العمل وإلا لما كنت أعلنته، موضحًا أن
الجيش البوسني يسعى لتحسين موقعه التكتيكي من خلال تحريره مناطق ومرتفعات عامة
لاستيفاء الشروط اللازمة لشن عمليات هجومية واسعة النطاق.
وحدد القائد البوسني سبع مدن ستكون أهدافًا
أولى لقواته، وهي «دوني فاكوف» و«دوبوي» و«تيسليتش» و«برتشكو» و«بانيتسا» و«فلاسينيتسا»
و«شيكوفيتشي»، وقال إن ذلك ليس سرًا أبوح به وأن العدو الصربي يعرف ذلك.
وفيما يخص مساحة الدولة الفيدرالية المختلف
عليها بين المسلمين والكروات من ناحية وبين المجموعة الدولية من ناحية أخرى، والتي
تطالب بألا تزيد تلك المساحة عن 51% من أراضي البوسنة فيما يطالب المسلمون
والكروات بمساحة 58%، وتعليقًا على ذلك قال القائد البوسني في اجتماع عقد مؤخرًا
لحزب العمل الديمقراطي الممثل للمسلمين في سراييفو: "إن هذه المساحة ستحددها
جبهات القتال وليس طاولات المفاوضات".
وما يمكن فهمه من هذه التصريحات لأعلى قيادة
عسكرية بوسنية هو أن هناك تحولًا في ميزان القوى العسكري لصالح المسلمين، ولا يعني
ذلك تفوقًا نوعيًا أو ماديًا للمسلمين على الحرب فإن في ذلك مبالغة كبيرة، ولكن
تحديدًا هناك تغيير إيجابي وهناك قدرة جديدة على منازلة العدو، وبات لدى الجيش
البوسني المقدرة على شن هجمات على المليشيات الصربية وتحرير مناطق خضعت له منذ
بداية الحرب، بما يعني أن عنصر المبادأة أصبح لدى الجيش البوسني في الفترة الأخيرة
أكثر قوة مما في يد المليشيات الصربية. وعلى الرغم من قوة تصريحات القائد المسلم
إلا أنها لم تعتمد على التعبيرات الحماسية أو المبالغات، بل أتت تكملة لما كان قد
ذكره الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش من أن الجيش البوسني يخوض حروبًا تحريرية
طويلة الأمد، بما يعني أن القيادة البوسنية تدرك تمامًا متطلبات المرحلة واحتياجات
التغيير، وأنها تتوقع أهدافها عبر فترة زمنية طويلة الأمد. ومن المهم كذلك أن تذكر
أن القيادة حددت أهدافها بتحرير المناطق التي كان المسلمون يشكلون أغلبية سكانها،
وبعد إعلان الفيدرالية أضيفت (المناطق التي كان الكروات يشكلون أغلبية سكانها).
الأمر الأهم أن الوقائع اليومية على جبهات
القتال تصدق على تصريحات القائد العسكري وتدعو للتفاؤل؛ ففي الفترة الأخيرة خاض
الجيش البوسني عمليات عسكرية ناجحة في مناطق تعتبر من أصعب مناطق البوسنة من حيث
التضاريس الجغرافية، ونجح في تحرير مساحات لا بأس بها من مرتفعات أوزورن التي كانت
تستخدمها المليشيات الصربية في قصف توزلا، وتقدمت خمسة عشر كيلو مترًا، وباتت في
وضع تشكل فيه خطرًا على مقر قيادة أركان المليشيات الصربية في منطقة «هان بيساك».
وبفضل عمليات الجيش البوسني انتقلت المليشيات
الصربية في مناطق أوزورن وماييفيتسا وفلاشيتش وكلاين وأولوفو من موقع المهاجم إلى
موقع المدافع، ويخوض المسلمون الآن معارك ضارية لتحرير الطريق الرئيسي الذي يربط
بين معقلهما في زينيتسا وتوزلا.
ويعتمد المسلمون على تفوقهم البشري في مقابل
العجز الشديد لدى المشاة الصرب والذي دفع بقيادتهم إلى الاعتماد على المرتزقة
ورجال الشرطة لسد هذا الفراغ، بالإضافة إلى الاعتماد على أعداد كبيرة من المدافع
الثقيلة.
وفيما يتمتع المقاتل البوسني الآن بروح معنوية
عالية فضلًا عما عرف عنه من انضباط شديد وانصياع للأوامر؛ فإن الروح المعنوية لدى
المقاتلين الصرب انخفضت بشدة، وخصوصًا أن حالة استياء تسودهم لأن مخابراتهم
العسكرية لم تبلغهم بالمعلومات الكافية عن حشودات المسلمين الضخمة في المناطق التي
تشهد هجماتهم الآن.
وحسب رأي بعض المراقبين العسكريين المحليين
فإن خطة التمويه الصربية قد فشلت، والتي اعتمدت على إثارة معارك في شرق البوسنة
عند جورازدي وغربها عند بيهاتش للتمويه على حشوداتها الضخمة التي جلبتها في الشمال
عند برتشكو لتوسيع الممر الصربي هناك، والذي يربط بين صربيا والمناطق الخاضعة
للصرب في البوسنة ومثيلتها المحتلة في كرواتيا؛ وحيث تعتبر منطقة برتشكو هي أضيق
نقطة يمر بها الممر، إلا أن الصرب فوجئوا بحشودات مسلمة ضخمة لم تنسحب أو تتأثر
بما تم في شرق وغرب البوسنة، بل احتفظت هي -أي الحشودات المسلمة- بعنصر المبادأة.
كما اتضح أن أحداث جورازدي شهدت مبالغة كبيرة؛
لقد نجحت المليشيات الصربية بلا شك في احتلال مساحات كبيرة من المرتفعات المطلة
على المدينة والسيطرة على القرى المحيطة بها، إلا أنها لم تنجز الأهداف الرئيسية
التي شنت بسببها هجماتها على جورازدي.
وتمثلت هذه الأهداف في السيطرة على الطريق
الرئيسي الذي يربط مدينة فيسيغراد شمال شرق المدينة بمدينة فوتشا جنوبها ويمر
بمدينة جورازدي، والمدينتان تقعان تحت الاحتلال الصربي الذي يضطر لاستخدام طريق
فرعي للتنقل بينهما.
كما استهدف الهجوم الصربي السيطرة على مصنع
المتفجرات «الصواعق» الموجود هناك، والذي استطاع المسلمون تشغيله وتغذية وحداتهم
العسكرية في مناطق أخرى بإنتاجه؛ وحيث يعد من أضخم مصانع السلاح الموجودة في
البوسنة والهرسك، وسعى الصرب كذلك إلى السيطرة على معمل للغازات الكيميائية يستفاد
به في إدارة وإنتاج هذا المصنع.
وقد أثيرت عدة تساؤلات بحثًا عن تفسير انسحاب
المسلمين «المتعجل» من القرى المحيطة بالمدينة رغم التحصينات المكثفة والقوية التي
كانت بحوزتهم هناك، خصوصًا أنه كان من المعروف أن وضعية جورازدي تختلف تمامًا عن
وضعية المدينتين الأخيرتين الواقعتين في شرق البوسنة «جيبا» و«سريبرينيتسا»، وقد
تداولت عدة تفسيرات لذلك منها أن ما وقع أتى كنتيجة لمحاولة فاشلة من قبل المسلمين
لاستدراج المليشيات الصربية المهاجمة عبر ثغرة مصطنعة ثم الإطباق عليها، وقد تكررت
هذه العملية كثيرًا قبل ذلك حول جورازدي بالذات وأثمرت عن خسائر فادحة للصرب الذين
نجحوا في تفادي هذه الخدعة هذه المرة، وقاموا بتوسيع الثغرة إلى الحد الذي أجبر
فيها المسلمون على الانسحاب.
كما تردد في العاصمة البوسنية أن قرار
الانسحاب جاء نتيجة قناعة كانت راسخة لدى القيادة البوسنية عن عزم حلف شمال
الأطلسي توجيه ضرباته للمليشيات الصربية هناك، وآثرت أن يتم ذلك سريعًا عبر توفير
الظروف الملائمة لذلك ومنها قيامها بالانسحاب.
وذكر مصدر بوسني يعمل ضمن القوات الدولية
وتمكن من دخول جورازدي بعد توقف المعارك أن المدينة حافظت على حدودها، وأنها تعرضت
لهجمات صربية في العام الماضي كانت أعنف من تلك التي تعرضت لها هذه المرة، وأن
التحصينات الموجودة في المدينة لا تشير إلى إمكانية سقوطها. وإذا كان صحيحًا أن
الجيش البوسني حقق تفوقًا كبيرًا في مواجهة المليشيات الكرواتية عندما كانت الحرب
مستعرة بين الطرفين، فإن وقف هذه الحرب جعل الجيش البوسني يعمل في ظل ظروف أفضل؛
فالتعاون العسكري بين الطرفين المسلم والكرواتي لم يبدأ بعد على جبهات القتال
باستثناء الألوية الكرواتية الموجودة في منطقة الشمال والتي احتفظت بعلاقات قوية
مع المسلمين حتى خلال الحرب المسلمة الكرواتية، ولم تقع أي مواجهات بين الكروات
والصرب على خطوط المواجهة الفاصلة بينهما في البوسنة والهرسك في الوقت الذي مكن
فيه توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين صرب كرواتيا المتمردين وكرواتيا من أن يقوم
صرب كرواتيا بتقديم المساعدة لإخوانهم صرب البوسنة.
والنتيجة التي يمكن أن نستخلصها من هذا الأمر
أن معجزة بالمقياس العسكري قد أنجزها المقاتلون البوسنيون، وأنهم تمكنوا من تأسيس
جيشهم في وقت حرمهم العالم فيه من حق الدفاع عن أنفسهم عبر فرض حظر السلاح عليهم،
وكذلك في وقت كانت فيه طرق المواصلات بين أنحاء البوسنة مقطوعة بسبب العدوان
الصربي الذي فرض حصاره على العديد من المدن البوسنوية.
الجيش البوسني تأسس لكنه ما زال في طور النمو
والبناء وفي إمكانه أن يحقق انتصارات ميدانية عديدة، وقد أنجز ذلك بالفعل لكن ما
زالت أمامه تحديات وعراقيل صعبة حتى يتم مهمته المقدسة في تحرير بلاده من العدوان
الصربي.
الفيدرالية لصالح من؟
انزعج الكثيرون عندما أعلن أن رئيس الفيدرالية
الجديدة سيكون كرواتيًا، فقد فهم خطأ أن ذلك يعني بالضرورة تخلي الرئيس البوسني
علي عزت بيجوفيتش عن منصبه، والصحيح أن الزعيم المسلم بقى رئيسًا للبوسنة والهرسك
الموحدة والمستقلة بحدودها التي اعترف بها العالم والمنظمة الدولية، أي منصب أعلى
من منصب رئيس الفيدرالية التي تشكل مع الأراضي المحتلة جمهورية البوسنة والهرسك
التي يترأسها عزت بيجوفيتش.
كما اختير نائبًا لهذا الرئيس الكرواتي «أيوب
جانيتش»، والذي يشغل في الوقت نفسه منصب نائب الرئيس البوسني ويمثل للكروات العدو
اللدود لتصريحاته النارية الشهيرة التي كان يطلقها في ظل الحرب الكرواتية المسلمة،
وكانت له مواقف عدائية شديدة في مواجهة العلم الكرواتي باقتسام البوسنة مع صربيا.
كما ظل حارس سيلاجينش رئيسًا للحكومة يجمع في يديه أهم القرارات وأهم خيوط اللعبة
وسيعين نائبًا له كرواتي سيكون في الوقت نفسه وزيرًا للدفاع وهو منصب مدني ليست له
انعكاسات مباشرة على أرض المعركة في ظل ظروف البوسنة القائمة.
وبعد ستة شهور سيتم تبادل المناصب أي سيكون
رئيس الدولة الفيدرالية أيوب جانيتش ونائبه كرواتي، وسيكون كرواتي رئيسًا للحكومة
ونائبه حارس فيما يبقى عزت بيجوفيتش رئيسًا للبوسنة والهرسك الموحدة، ومن الضروري
الإشارة إلى أن «الفيدرالية» لم تحصل على الاعتراف الدولي كسلطة سياسية أو دولة
بمعنى أن القرارات الشرعية ستكون من حق مؤسسات جمهورية البوسنة والهرسك الحالية
والتي يترأسها بيجوفيتش.
وإذا كان هناك من المسلمين من يعارض قيام
الدولة الفيدرالية باعتبار أن ذلك يحول دون قيام دولة مسلمة حتى ولو بالمفهوم
العرقي وليس الديني؛ فإن تيارًا كرواتيًا واسعًا يعتبر الاتفاقات التي وقع عليها
الكروات هي شهادة وفاة لأحلامهم، كما ذكرت ذلك جريدة «سلوبودنا دالماتسيا»
الكرواتية في منتصف الشهر الماضي حين قالت: "إن عزت بيجوفيتش يتملكه شعور
المنتصر، ولهذا الإحساس مبررات لأن الكروات في الحقيقة وقعوا صك الاستسلام بعد أن
خدعوا بالوعود الأمريكية" وتساءلت الجريدة: هل كانت فوهة المسدس موجهة إلى
رأس الوفد الكرواتي لحظة التوقيع؟
وإذا كنا لسنا في نطاق حصر الآثار الإيجابية
والسلبية لهذا المشروع الفيدرالي إلا أنه من المهم أن نذكر على سبيل المثال أن
المسلمين تحصلوا على ثلاث كانتونات في حين حصل الكروات على كانتونين أحدهما تقع
غالبيته العظمى تحت الاحتلال في شمال البلاد.
كما أن المسلمين تقاسموا السيطرة مع الكروات
على موستار التي كان يطمع الكروات في أن تكون عاصمتهم لكيانهم الانفصالي، وبعد أن
انهار هذا الكيان المصطنع كانت آمالهم أن تبقى موستار في أياديهم، كما وقعت «نيوم»
المرفأ المطل على البحر الأدرياتيكي تحت السلطة المشتركة مما يمكن المسلمين من
استغلالها كمنفذ على البحر، وهي أيضًا كانت محل خلاف شديد بين المسلمين وبين
الكروات الذين كانوا يرون أنها كرواتية وستظل كرواتية إلا أنهم قبلوا في النهاية
تقاسم السلطة عليها.
وما نريد أن نصل إليه في النهاية بهذا الشأن
أنه ربما كان يجب على المسلمين القبول بفكرة الفيدرالية، لكن يجب أن نقر هنا أننا
لا يجب أن ننتظر حلولًا مثالية، ثم إن حجم الخسائر ليس كبيرًا «والمسلمون الآن
يستغلون الوضعية الجديدة أفضل استغلال» كما أن الدبلوماسية المسلمة البوسنية أثبتت
أنها تتحرك بتعقل، وأنها وصلت إلى مرحلة من النضج عالية لم تكن تتوافر لها في
بدايات الحرب.
أكاشي الناطق باسم الصرب
مواقف الفعاليات الدولية المعنية بالقضية
البوسنية سارت منذ اللحظة الأولى للحرب في مسار معاد للمسلمين على الرغم من أطنان
التصريحات والقرارات التي صدرت من كل الأطراف تندد بالعدوان وشجب ما وقع للمسلمين،
فهل المشاريع التي طرحت حاليًا تتعامل مع المسلمين كطرف مهزوم عليه أن يتحمل نتائج
إخفاقه في ميادين القتال ويقبل بها ويرضخ لإرادة المنتصر؟
ويمثل ذلك تناقضًا صارخًا مع المبادئ الأساسية
للأمم المتحدة والمنظمات الدولية التي تمثل «الشرعية الدولية» فواجب الشرعية هو
القرار الحق ونصرة الطرف المعتدى عليه حتى وإن كان مهزومًا على شاكلة ما حدث في
حرب الخليج الثانية.
على عكس ذلك سارت كل الجهود الدولية التي
استهدفت تقسيم البوسنة إلى ثلاث دويلات، واحدة للصرب لتنضم لاحقًا إلى صربيا،
وواحدة للكروات لتنضم لاحقًا إلى كرواتيا، وأخيرة للمسلمين لا تملك أية مقومات
البقاء والاستمرار كدولة، ومن ثم فإن الأيام كفيلة بذوبانها في هذا الشطر أو ذاك.
لقاء جنيف في الثامن من هذا الشهر مثل منعرجًا
جديدًا فيما يطلق عليه «الجهود الدولية لحل الأزمة البوسنية»؛ فقد رضخ الصرب ورضخت
الأمم المتحدة لأول مرة منذ اندلاع الحرب وممارسة لعبة المفاوضات إلى إرادة
المسلمين وقبلت بالكامل أطروحاتهم، وكان ذلك بحق يمثل رد فعل لما يحدث على ساحات
القتال.
ياسوشي أكاشي الموفد الأممي والمجموعة الغربية
يتملكهم هذه الأيام انزعاج شديد لتغير الواقع في ميزان القوى إيجابيًا لصالح
المسلمين بعد سلسلة من المذابح الوحشية والتهجير وحظر السلاح عليهم بما يشير إلى
أن القرار الحاسم في البوسنة لن يكون حكرًا على الصرب والمجموعة الدولية.
الصرب من ناحيتهم يشعرون أنهم أنجزوا أغلبية
أهدافهم العسكرية باحتلالهم معظم الأراضي البوسنية، وأن مغامرة استمرار الحرب
لاستكمال الأهداف قد تؤدي بهم إلى نتائج عسكرية سلبية، خصوصًا وأن حالات الهرب من
ميادين القتال ازدادت بشدة في الأيام الأخيرة بين صفوف رجالهم الذين انخفضت
معنوياتهم بشدة.
ولذلك فإنه من المفيد للطرفين (الصرب
والمجموعة الدولية) تجميد الأوضاع على ما هي عليه تمامًا كما حدث في كرواتيا عبر
إعلان لوقف إطلاق النار لفترة طويلة ونشر القوات الدولية بين الطرفين لمنع أي منهم
من الهجوم.
وحمل ياسوشي أكاشي موفد بطرس غالي للأزمة
البوسنية هذه الأحلام الصربية بكل أمانة في صورة مشروع تقدم به خلال هذه
المحادثات.
ولهذا الرجل مواقف لا يمكن تحملها، وهو يلاقي
انتقادات وتعليقات الصحفيين اللاذعة خلال مؤتمراته الصحفية، وهو يقابل ذلك كله
بابتسامة صفراء.
لقد منح الدبابات الصربية حق المرور في مناطق
يحظر التواجد فيها للأسلحة الثقيلة حول سراييفو حسب قرار حلف شمال الأطلسي، وتطوع
بإرسال قوات دولية مع هذه الدبابات الصربية التي كانت تنتقل من نقطة إلى أخرى وذلك
لحمايتها من القوات المسلحة، وهو يرسل ضباطًا صربًا إلى مطار توزلا الذي انسحب
المسلمون منه ومنحوه للقوات الدولية لفتحه أمام طائرات الإغاثة، فلم تأت طائرات
الإغاثة وأتى ضباط صرب قال عنهم أكاشي إنهم مراقبون دوليون.
المسلمون في لقاء جنيف هذا قرروا مقاطعة
جلساته حتى ينسحب الصرب من حول جورازدي حسب قرار حلف شمال الأطلسي، وبعد عدة أيام
انسحب الصرب وبدأت الجلسات، أصر الصرب وأكاشي على وقف دائم وشامل لإطلاق النار مع
نشر قوات دولية بين الأطراف المتحاربة، فيما أصر المسلمون «ومعهم الكروات» على أن
تكون الهدنة مؤقتة ولا يتم خلالها نشر قوات دولية بين الطرفين، وذلك في وقت كانت
تتقدم فيه وحدات الجيش البوسني في شمال البلاد.
وفي النهاية استجاب الصرب وأكاشي للمسلمين،
وتردد أن الاتفاق الذي وقع عليه هو النص الحرفي لمشروع المسلمين والمبكر ذلك نصرًا
دبلوماسيًا للمسلمين لأول مرة على مدى أكثر من عامين من المفاوضات لكنه يمنحنا في
الوقت نفسه إشارة لما يمكن أن تحمله الأيام القادمة، فماذا سيكون بعد شهر إذا خرج
هذا الأكاشي وقال إن المسلمين يرفضون الحلول السلمية التي طرحها في وقت أعلنت فيه
الولايات المتحدة الأمريكية أنها ستطلب مع المجموعة الغربية فرض عقوبات على الطرف
الذي لا يقبل مشاريع السلام المطروحة التي تدعو لتقسيم البوسنة، لنكتشف فجأة أن
مسلمي البوسنة أصبحوا هم الطرف المعتدي.
خلاصة القول: إن الجهود الدولية تستهدف تجميد
الأوضاع لإجهاض أية نجاحات للمسلمين ممكنة على جبهات القتال فيما أن الدبلوماسية
البوسنية المسلمة والتي تتعرض لضغوط شديدة تتحرك كما ذكرنا بذكاء شديد، وهي لا
تمنح الذين يعادونها فرصة التشهير بها وهي تعرض الموافقة على أي قرار دولي شرط أن
تلتزم المليشيات الصربية بتطبيق كافة قرارات (الشرعية الدولية) السابقة وهو الأمر
الذي لا يمكن أن ينصاع له الصرب الذين اكتشفنا أنهم باتوا أقل عداءً من أطراف
دولية أخرى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل