; جيبوتي.. الحوار المفقود بين الحكومة والمعارضة | مجلة المجتمع

العنوان جيبوتي.. الحوار المفقود بين الحكومة والمعارضة

الكاتب محمد عاشور مهدي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1994

مشاهدات 128

نشر في العدد 1092

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 15-مارس-1994

في تطور للأحداث على الصعيد الجيبوتي يعتبره البعض خطوة في طريق المفاوضات والحوار بين الحكومة والمعارضة المسلحة التي تقودها جبهة إعادة الوحدة والديمقراطية، تم تبادل للأسرى المدنيين والعسكريين بين كل من الحكومة والمعارضة، كما قامت الحكومة بإصدار عفو عام عن أكثر من 50 سجينًا عفريًا سبق أن أدانتهم المحاكم بتهمة التآمر الانقلابي ضد نظام الحكم القائم.

وتأتي عملية تبادل الأسرى بين الحكومة والمعارضة بعد سلسلة من المعارك والصراعات بينهما حيث بدأ التمرد المسلح في جيبوتي في نوفمبر 1991م من جانب جبهة إعادة الوحدة والديمقراطية، حيث تتهم الجبهة رئيس الدولة حسن جوليد أبتيدون الذي ينتمي إلى قبائل العيسى باحتكار السلطة منذ استقلال جيبوتي في يونيو 1977م حتى يناير 1993م وإسناد المناصب الرئيسة في الدولة إلى أبناء قبيلته في مقابل تهميش العفر وإهمال التنمية في مناطقهم وهو السبب الرئيس في إعلان العفريين حربهم عبر جبهتهم المسلحة. هذا في الوقت الذي تعتبر فيه الحكومة الجيبوتية المعارضة المسلحة قوة أجنبية غازية.

وقد اعتمدت حكومة جيبوتي على الأسلوب العسكري للتأثير في الموقف الداخلي لمصلحتها، حيث سيطرت قواتها على مناطق وبؤر التمرد العسكري العفري في شمال البلاد، وحاصرت المعارضة في شمال البلاد في الجبال داخل الأراضي الإثيوبية، لكن هذا الأسلوب لا يكفي وحده لضمان المصالحة الوطنية ودوام التهدئة والتفرغ لقضايا التنمية، ولهذا فإن وسائل الإعلام تشير إلى أنه عقب مدة انحسار موقف المعارضة عادت قواتها للقتال -من جديد- في صورة حرب العصابات أو بأسلوب الكر والفر الذي يسبب إزعاجًا كبيرًا للاستقرار الداخلي.

ومن ناحية ثانية، فقد كشفت الحكومة عن الصعوبات الاقتصادية التي ترتبت على الإنفاق العسكري الذي تكبدته الحكومة، فقد بلغت نفقات الحرب حتى الآن 13 بليون فرنك جيبوتي «65 مليون دولار» وهو يمثل كل احتياطي الدولة الذي كان مدخرًا، كما ترك آثاره في عدم انتظام دفع المرتبات الشهرية للموظفين. ويضاف إلى هذه الصعوبات أن الحكومة الفرنسية اتخذت قرارًا بتجميد الإعانة السنوية المقررة لدعم جيبوتي حيث تهدف الحكومة الفرنسية من وراء ذلك إلى الضغط على الأطراف المتصارعة من أجل معاودة التفاوض والحوار واستخدام الأسلوب السياسي لحل القضايا بين الحكومة والمعارضة.

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن المصالح الفرنسية في جيبوتي كانت وراء القرار الفرنسي بالمشاركة في القوات الدولية المتدخلة في الصومال خوفًا من سريان العدوى إلى هذه المنطقة التي تعاني من اضطرابات وقلاقل سياسية وعرقية. الجدير بالذكر أن حكومة جيبوتي يسيطر عليها شعب العيسى، بينما تتحدث المعارضة المسلحة باسم شعب العفر الذي يتواجد في كل من جيبوتي وإثيوبيا وإريتريا؛ لذا لم يكن من المستغرب التحرك الإثيوبي الإريتري لوقف العمليات المسلحة والدعوة للحوار بين الحكومة والمعارضة حيث تستضيف إثيوبيا مجموعة كبيرة من اللاجئين ومجموعات كبيرة من المعارضة الجيبوتية التي فرت عبر الحدود إلى إثيوبيا.

كما تسعى إريتريا من جانبها إلى التواجد الفعال في محيطها الإقليمي وتنشد دورًا مؤثرًا في منطقة القرن الإفريقي يسمح لها بأن تكون دولة كبرى إقليميًا، وفي هذا الصدد يمكن فهم زيارة أسياس أفورقي رئيس الحكومة الانتقالية في إريتريا قبل أسبوعين لجيبوتي. وإذا كانت عملية تبادل الأسرى قد تمت بين الحكومة والمعارضة إلا أنه لا تزال هناك عدة موضوعات وعقبات قائمة بين وجهتي نظر الحكومة والمعارضة في إطار العودة للتفاوض حيث ترفض الحكومة مطالب المعارضة بشأن اعتماد مرحلة انتقالية بالمعنى السياسي والدستوري وترى أن الدستور قد سبق تعديله مع قبول الديمقراطية التعددية بمعاونة مستشارين فرنسيين، كما إن الانتخابات البرلمانية والرئاسية قد جرت بحضور مراقبين دوليين وأخيرًا تم إطلاق سراح الأسرى والإفراج عن المسجونين.

أما المعارضة فترفض اختيار العاصمة مكانًا للتفاوض بين الطرفين وترشح أديس أبابا حيث تخشى المعارضة الوصول إلى العاصمة ويتم إلقاء القبض عليهم، كما تطالب المعارضة بحضور مراقبين فرنسيين ومن دول الجوار وترفض الحكومة حضور أطراف أخرى من خارج جيبوتي إذ تتهم حكومة جيبوتي السياسة الفرنسية بمساندة المعارضة العفرية بوجه عام. وعلى الرغم من هذه الخلافات المعلنة والتي تستخدم أسلوب التصعيد الإعلامي والمطالبة بالحد الأقصى كوسيلة للوصول إلى حل وسط مقبول، فإن السياسة الفرنسية وسياسة المحور الإثيوبي الإريتري توالي الضغط أحيانًا واقتراح البدائل الأخرى من أجل اكتشاف نقطة بداية مقبولة من الطرفين لانطلاق عملية التفاوض والحل السياسي.

وفي النهاية يمكن القول بأن هذه الأحداث تأتي لتؤكد أن جيبوتي تأتي ضمن الدول التي تلعب فيها القبيلة دورًا هامًا ومحوريًا في التأثير على مجريات الأحداث، كما إن دول الجوار الجغرافي تسعى من جانبها للحيلولة دون تفاقم الأوضاع في جيبوتي حيث إن من مصلحة هذه الدول عدم تصاعد العمليات المسلحة في جيبوتي التي إن استمرت فسوف تمتد داخل هذه البلاد التي يتواجد فيها العفريون، والتي تشهد هي الأخرى حركات معارضة متصاعدة تمثل تهديدًا بشكل أو بآخر لأنظمة الحكومات والمعارضة والتي تؤدي كما هو الحال في جيبوتي إلى إنفاق الحكومة لكل احتياطي الدولة على الحرب الدائرة بين الحكومة والمعارضة.

كما تؤكد الأحداث فشل الأسلوب العسكري الذي اتبعته الحكومة في التعامل مع المعارضة، الأمر الذي يجعل الحوار ضرورة ملحة لوقف نزيف الحرب الدائرة بين الحكومة والمعارضة حيث يعتبر الحوار هو البداية الحقيقية لوضع نهاية حاسمة لهذا الصراع الذي - إن دام - سيؤدي إلى انهيار الدولة كما انهار الاقتصاد، وليست الصومال عن جيبوتي ببعيد.

 

الرابط المختصر :