العنوان خمسة أشكال للعلاقة بين الشمال والجنوب.. أفضلها في- زعمه- الانفصال.. جون قرنق يرسم الخطوط العريضة لمشروعه التآمري
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2002
مشاهدات 84
نشر في العدد 1495
نشر في الصفحة 32
السبت 06-أبريل-2002
القتال هو البطاقة الضاغطة على الخرطوم
في إطار تدخلها في الشأن السوداني وتحركاتها المريبة وجهت واشنطن دعوات رسمية لقادة التمرد وزعماء المعارضة في السودان وهم جون قرنق زعيم حركة التمرد والسيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة ومحمد عثمان الميرغني زعيم طريقة الختمية المتحالف مع حركة التمرد وكذلك بعض الشيوعيين والعلمانيين المتحالفين مع قرنق.
وبعد الزيارة رأينا التهافت على الرهان الأمريكي لتحقيق السلام في السودان ولوحظ أن السيد المهدي قد بدأ يوجه انتقادات لاذعة للمبادرة المصرية الليبية المشتركة وذكر نواقصها كما يراها هو، مما يوحي بأن هذه المبادرة مع مبادرة الإيجاد قد ابتلعهما المشروع الأمريكي الجديد.
واشنطن أكدت للوفود المعارضة الزائرة رفضها لأي اتفاق جزئي بين الحكومة السودانية وحركة التمرد ورفضها التام لأي اتفاق لوقف إطلاق النار قبل التوصل لاتفاق الحل السياسي الشامل.
وهذا ما يتفق تمامًا مع رؤية حركة التمرد بقيادة قرنق، وقد طمأنت الإدارة الأمريكية أنها لن تكرر نموذج جبال النوبة على مناطق أخرى إلا وفق الاتفاق الشامل وأبلغتهم أن أمريكا لن تطبع علاقاتها مع الحكومة السودانية القائمة إلا في إطار الديمقراطية والالتزام التام بالحريات.
وبمباركة أمريكا وتسهيلاتها التي تقدمها لحركة التمرد ماديًا ومعنويًا، استضافت واشنطن ندوات حول أطروحات حركة التمرد، وفي خضم التسارع إلى الرهان الأمريكي تبدلت مواقف بعض الجنوبيين تحت ضغوط أمريكية وكنسية ومن هؤلاء د. فرانسيس دينق الذي كان يشارك في ندوات وحوارات يعارض فيها أطروحات قرنق الانفصالية داعيًا إلى الوحدة والسلام ولكنه في واشنطن تحدث بلغة مغايرة فقد تبنى رؤية قرنق وطالب بإيقاف ضخ النفط السوداني حتى لا تستخدم الحكومة عائداته في تمويل الحرب، كما دعا إلى فصل الجنوب لأن الحكومة الحالية ترفض فصل الدين عن الدولة وترفض إلغاء الشريعة، وردد مقولة إن أهل الشمال يعاملون المواطن الجنوبي غير المسلم كمواطن من الدرجة الثانية.
وفي نفس الاتجاه نظمت ندوة لجون قرنق الذي يعامل من قبل الإدارة الأمريكية معاملة خاصة وفيها جرى حشد المجموعات الجنوبية الموجودة في الولايات المتحدة ومنها أولئك الشباب صغار السن الذين هُجروا إلى أمريكا قهرًا أو قسرًا العام الماضي وعددهم أربعة آلاف صبي جنوبي بتدبير من أمريكا وحركة التمرد واليونسيف في إطار ما يسمى ببرنامج التوطين والهدف من التهجير هو تعليمهم وفق المنهج الغربي الذي يبث كراهية العرب والمسلمين، وتدريبهم عسكريًا ليقودوا التمرد مستقبلًا كما هو الحال مع قرنق وزملائه قادة التمرد الذين تعلموا وتدربوا وصنعوا على أعين الغرب وأشربوا في قلوبهم كراهية العروبة والإسلام.
خاطب قرنق في بداية حديثه هؤلاء الذين كانوا ضمن ما يعرف بالجيش الأحمر قائلًا: كنا نخاطبكم في جنوب السودان ونقول لكم يجب أن تتسلحوا بالكلاشينكوف والقلم وما نريده منكم اليوم هو التسلح بالقلم. وقال بوضوح إن دولة عربية إسلامية لا يمكن فرضها على الآخر بالقوة ومن هذا المنطلق الرافض للإسلام والعروبة شرح زعيم التمرد رؤيته لحل قضايا السودان ومشكلاته ولخصها في خمس نقاط:
1- السودان الجديد وهي دولة انتقالية فيها فصل واضح وكامل بين الدين والدولة، باعتبار أن هذا هو الحل الذي قاتلت من أجله حركة التمرد منذ عام 1983م، ويرى قرنق أن هذا الحل غير ممكن وغير عملي لأن النظام الحالي يرفض هذا الفصل بين الدين والدولة، ولهذا فقد أوضح قرنق لوزير خارجية أمريكا كولن باول ومستشارة الأمن القومي كوندا ليزارايس أن نظام البشير هو «طالبان إفريقيا» ولا يصلح معه أي اتفاق!
2- لذلك يرى زعيم التمرد الذي زعم في السنوات السابقة أنه وحدوي يرى اليوم أن الخيار العقلاني الموضوعي هو الكونفدرالية التي ربما تؤدي إلى قيام دولة السودان الجديد العلماني اللا ديني على أنقاض نظام الجبهة الإسلامية على حد تعبيره أو ينتهي الأمر إلى قيام دولتين منفصلتين، ويزعم قرنق أنه اضطر لهذا الخيار رغم أن الحكومة الحالية تقول إن الشريعة لا تطبق على الولايات ذات الوجود المسيحي، وإن لكل ولاية الحق في سن قوانينها التي تحكم بها.
وذكر قرنق أنه بدأ حوارًا حول دولتين شمالية تطبق الشريعة الإسلامية وأخرى جنوبية علمانية ديمقراطية، لكن هذه الأخيرة لن تكون دولة ديمقراطية بل ستكون دولة مسيحية تتحكم فيها الأقلية المسيحية على الأغلبية المسلمة والوثنية ويضطهد فيها المسلمون وترفع في غاباتنا المنظمات الكنسية التنصيرية كما حدث في عهد الاستعمار الصليبي البريطاني.
3- أما النموذج الثالث فهو ما سماه بالنموذج العربي الإسلامي وهو حسب ادعائه شكل السودان الراهن وهو شكل غير مقبول لديه لأن العرب حسب ادعائه لا يشكلون إلا 30% فقط من السكان وأن غير العرب 70% وقال إن المسلمين في السودان نسبتهم 70% وغير المسلمين 30% ولكنه اعترف أنه من الصعب تحديد من هو العربي ومن هو غير العربي لأن البريطانيين وضعوا الهوية السودانية على أساس اللغة وقال إنه إذا تحدث قوم عن الأغلبية المسلمة فإننا سنتحدث عن الأغلبية غير العربية.
ولا يفوتن أحدًا أن ما ذكره المتمرد قرنق في واشنطن غير صحيح جملة وتفصيلًا وفيه تضليل كبير، وهو يعلم أن المسيحيين في السودان لا تتجاوز نسبتهم 5% فقط وأن نسبة المسلمين في الجنوب أكبر من نسبة المسيحيين باعتراف مجلس الكنائس العالمي. وكان البابا قد اعترف عام 1988م بأن المسلمين يشكلون غالبية ساحقة في السودان، وقول قرنق إن نسبة العرب في السودان 30% غير صحيح إطلاقًا، وهو يعلم أن اللغة المشتركة بين الجنوبيين أنفسهم هي اللغة العربية المعروفة «بعربي جوبا».
4- النموذج الرابع لدى قرنق هو دولة علمانية إفريقية صرفة، وقد اعترف بأن هذا النموذج غير مقبول أيضًا.
5- النموذج الخامس الذي يتبناه هو ومن يرعاه من الغرب: دولتان منفصلتان كليًا: الأولى شمالية إسلامية تحكم بالشريعة والأخرى جنوبية علمانية.
بعد هذه الرؤية يطرح زعيم التمرد ثلاثة مسارات للوصول إلى السلام: المسار الأول هو الحوار المباشر بين الحكومة القائمة وحركة التمرد وقد زعم أن المفاوضات تصطدم بأربع عقبات هي:
علاقة الدين بالدولة.
مسألة العروبة والإسلام.
حق تقرير المصير.
نوع الحكومة في الفترة الانتقالية.
أما المسار الثاني فهو نموذج التحالف الوطني الديمقراطي الذي يضم الحركة الشعبية، وأصحاب الإسلام النموذجي كما سماهم وهم محمد عثمان الميرغني والشيوعيون والعلمانيون الشماليون، أما المسار الثالث حسب رأيه فهو إقامة حكومة انتقالية في الأجزاء التي تسيطر عليها حركة التمرد كنواة للسودان الجديد.
البطاقة الضاغطة
وقد سئل قرنق عن سبب انعدام الديمقراطية في حركته فدافع عن ذلك دفاعًا واهيًا بقوله: إننا أقمنا عدة مؤتمرات لأعضاء الحركة، كما دافع عن الفساد الموجود في التعامل مع المنظمات الكنسية العاملة هناك، وأكد قرنق أنه لن يضع السلاح أبدًا لأنه البطاقة الضاغطة وذكر ثلاث طرق لتغيير النظام الحالي في السودان:
الأولى: هي استمرار الحرب في الجنوب.
الثانية: الانتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح في الشمال.
الثالثة: الانقلاب العسكري.
وبعد كل هذه الأفكار يتحدث زعيم التمرد في جنوب السودان عن السلام! وأن عام ٢٠٠٢م سيكون عام سلام، وهو تصريح مناقض لما يؤمن به ويقوله في الخارج.
حركة التمرد محكومة بقوى خارجية وأهمها وأكبرها تأثيرًا هي واشنطن التي ألقت بثقلها في الشأن السوداني.
ورغم ذلك فإن القيادات السياسية كلها هرولت نحو المشروع الأمريكي، وكان الواجب أن ينظروا بثاقب البصر إلى متطلبات الحل الشامل دون وضع كل بطاقات اللعبة في سلة أمريكا والركض وراءها ووراء حركة التمرد وإلا فلن تكون أحسن حالًا من أولئك الذين وثقوا في قدرة أمريكا على الحلول فوضعوا كل أوراقهم في يدها وكانت النتيجة ما نعرف.