العنوان جولة ميرفي والفرز الطائفي
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أبريل-1985
مشاهدات 78
نشر في العدد 715
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 30-أبريل-1985
• مذابح جديدة تعد للمسلمين «فلسطينيين ولبنانيين»
• ما هو الثمن المنتظر للانسحاب الإسرائيلي؟
• أحداث طرابلس وبيروت فواتير مقدمة على حساب التسوية والتقسيم
• هل استطاع الوكلاء «الثوريون» للولايات المتحدة تسوية بعض الأوضاع الشاذة؟
ماذا وراء جولة «ميرفي»، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا؟ ماذا وراء جولته إلى بعض دول المنطقة؟ يقول وزير الخارجية الأمريكية «شولتز» «أن هناك حركة ما في هذه المنطقة تطلبت من الإدارة الأمريكية اهتمامًا كبيرًا».
فما هي هذه الحركة؟ هل هي اتفاق عمان وما أعقبه من تحرك عربي نشط يجرجر في أذياله تحركًا فلسطينيًا لاهثًا لعقد صلح مع الكيان اليهودي في فلسطين، ينهي الصراع العقدي الحضاري على الساحة الفلسطينية وما حولها؟ أم أنه الفرز الطائفي الذي بدت ملامحه ظاهرة للعيان على الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة؟
مما لا شك فيه أن رحلة ميرفي الأخيرة إلى المنطقة ذات هدف ثنائي يجمع الأمرين معًا فلسطين ولبنان ضمن خطة واحدة، ولكن لماذا هذا الاهتمام البالغ والحركة النشطة للولايات المتحدة في هذا الوقت بالذات هي التي استقبلت ببرود كل توسلات القادة العرب لها بالتحرك والضغط على اليهود لقبول الصلح؟
هل كانت الولايات المتحدة تنتظر من وكلائها ومن المعروف أن نبيه بري على خلاف مع الشيخ حسن فضل الله زعيم «حزب الله» والشيخ مهدي شمس الدين اللذين شجبا هجوم حركة أمل التي يتزعمها نبيه بري يساندها الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتزعمه وليد جنبلاط على بيروت الغربية التي يسكنها المسلمون السنة وعلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا. ومن المعروف أيضًا أن جبهة الإنقاذ الفلسطينية الخاضعة لسوريا لم تحرك ساكنًا لإنقاذ المخيمات الفلسطينية من هجمات «جعجع» في صيدا وهجمات بري وجنبلاط في «الثوريين» في المنطقة «تسوية بعض الأوضاع الشاذة» قبل أن تتحرك؟ كل الدلائل تشير إلى أن حركة «جعجع» لم تنشأ من فراغ وأنها لم تكن «انتفاضة» على الحكم اللبناني أو الوجود السوري في لبنان وإنما كانت واحدة من الفواتير التي تم توقيعها في عاصمة عربية يدور الصراع في ساحتها وعاصمة عربية أخرى «ثورية» متنفذة في لبنان ضمن مؤامرة كبرى تستهدف هذه الأمة وجودًا ومصيرًا وكيانًا وحضارًة، وكانت الفاتورة الثانية ما جرى في بيروت الغربية وحول مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا على أيدي قوى «ثورية» صغيرة تستغل الحرمان الطويل الذي عانت منه طوائفها المغلوبة على أمرها لتشكل «كانتونات» هي بمثابة دمامل قامت بأثر رجعي للدمل اليهودي الكبير في فلسطين.
يقول ياسر عرفات في حديث له مع مندوب جريدة الرأي العام الكويتية نشر بتاريخ ٢٥/٤/١٩٨٥ «إن ما تشهده عاصمة الجنوب -يقصد صيدا- يصب في مخطط إقامة الكانتونات الطائفية وأن التطورات المقبلة قد تفرز «جعجعًا» مسلحًا يختفي وراء ستار وطني لتنفيذ مؤامرة التقسيم والتقاسم في لبنان» ويستطرد قائلًا: «إن قائد قوات الجيش اللبناني في صيدا، الذي حاولوا إبعاده، اتصل به مؤخرًا وأبلغه أنه يملك ٦ دبابات لكنها بلا ذخيرة، وأن قيادة الجيش رفضت إمداده بالذخائر.. وأن القوة العسكرية اللبنانية التي دخلت النبطية تأتمر فعليًا بأمر السيد نبيه بري الذي يبدو أنه يواجه ضغوطاً شديدة في هذه الفترة بالذات حتى يجبر على إكمال ما بدأه سمير جعجع بشكل مباشر أو غير مباشر؛ لأن الخطة تقضي بتفريغ منطقة الجنوب من الفلسطينيين ومن ثم البدء بعملية فرز السكان الطائفية حتى تصبح المنطقة شيعية بالكامل وتكتمل حدوة الحصان التي من شأنها تطويق صيدا».
بيروت، وكانت تنتظر هي الأخرى دخول المخيمات بعد تطهيرها من المشبوهين على رأي أحد المسئولين السوريين!! ولكن دحر المخيمات الجنوبية للهجوم الصليبي وصمود مخيمات بيروت أمام الهجوم الوطني والتقدمي بالإضافة إلى مساندة المسلمين اللبنانيين الذين اكتشفوا المؤامرة وخطورتها.. كل ذلك أوقف تنفيذ المؤامرة أو أجلها.
ويتابع ياسر عرفات حديثه لصحيفة الرأي العام: أن ما حدث في صيدا وفي بيروت «نتيجة حتمية لاتفاق الأسد- ميرفي.. وأن ما حدث في بيروت كان قرارًا سوريًا... وكان من المفترض ضمن المخطط أن تكون مخيمات بيروت الحلقة الثانية بعد كل الذي حدث في شوارع وأحياء العاصمة اللبنانية».
كان من المفروض أن تتم تسوية موضوع الفلسطينيين والمسلمين اللبنانيين قبل وصول ميرفي إلى المنطقة ليصار بعد ذلك إلى تسوية القضية الفلسطينية بلا فلسطينيين وتسوية القضية اللبنانية بلا مسلمين، دون أن يكون هناك دور يذكر لهؤلاء ولا لأولئك، ولكن وعي الطرفين يبدو أنه أوقف المخطط أو أجله كما قلنا وهناك دلائل قوية على أن المسلمين في لبنان أصبحوا يرحبون بعودة الفلسطينيين وأن أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين قد عادت فعلًا وأن معارك الجنوب ضد اليهود يشارك فيها الفلسطينيون ويبدو أن عرفات حين اختفت أخباره في الأسابيع الأخيرة كان في لبنان يعيد تنظيم البنية التحتية لمنظمة التحرير وبالتحديد «فتح» لتكون ورقته التي يساوم بها للحصول على مقعد في قطار التسوية الذي يتسارع بركابه محاولًا الإفلات منه.
أذاع راديو العدو الصهيوني أن قوات جعجع أوقفت إطلاق النار على صيدا والمخيمات الفلسطينية وعادت إلى بيروت خوفًا من تطويقها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية ثم أعلنت حكومة العدو بعد ذلك عن انسحابها من جبل الباروك المواجه للقوات السورية والمطل على دمشق كما تقول إذاعة لندن، فهل كان انسحابها من الجبل المذكور بلا ثمن؟ صحيح أن المقاومة اللبنانية الإسلامية هي السبب الرئيسي في هذا الانسحاب، وحين يعجز الصهاينة عن تصفية هذه المقاومة يعلنون أنهم عائدون إلى المنطقة إذا لاحقتهم المقاومة إلى فلسطين المحتلة، فمن يتولى أمر منعهم من ملاحقة اليهود إلى فلسطين؟ لقد أعلن بري أكثر من مرة ومعه جنبلاط أنهما لن يسمحا للفلسطينيين بالوصول إلى الجنوب، وأن المقاومة ستنتهي باستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني وأعلنت المقاومة الإسلامية في الجنوب أنها ستلاحق اليهود في فلسطين وأن عينها على القدس.
ومع انسحاب قوات جعجع من صيدا كان هجوم بري وجنبلاط على بيروت الغربية والمخيمات الفلسطينية حيث تمت السيطرة على بيروت وطوقت المخيمات، ثم انسحب اليهود من جبل الباروك وبعد ذلك قدم مورفي إلى المنطقة، ومع قدوم مورفي إلى المنطقة زار فلسطين المحتلة واجتمع بعدد من فعاليات الضفة الغربية لبحث أمر المشاركة في الوفد الأردني الفلسطيني، ثم قامت سلطات العدو باستجواب الفلسطينيين الذين اجتمع معهم ميرفي. فماذا يعني هذا؟ لا شك أن هناك ترابطًا بين كل ما يجري في المنطقة وأن الولايات المتحدة تتحرك الآن لضبط الأمور في تجاه التسوية المزدوجة بإقامة الدويلات الطائفية في لبنان وإسدال الستار على القضية الفلسطينية. والعقبة التي تشغل بال الأطراف المعنية هي هوية المقاومة في جنوب لبنان والتلاحم الفلسطيني الإسلامي في صيدا وبيروت.
ولقد قلنا سابقًا أن هناك مذابح تعد للفلسطينيين والمسلمين في لبنان، ولقد حصل ذلك، ونقول اليوم أن مذابح أشد فتكًا يجري إعدادها بغلاف وطني وستكشف الأسابيع القادمة إلى أي مدى يستطيع المسلمون فلسطينيون ولبنانيون وقف المؤامرة وإفشال مخطط الأعداء الكبار والصغار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل