; جولة في : مراكز تحفيظ القرآن الكريم | مجلة المجتمع

العنوان جولة في : مراكز تحفيظ القرآن الكريم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أغسطس-1973

مشاهدات 16

نشر في العدد 163

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 14-أغسطس-1973

الفروانية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب....»

ومجلة المجتمع تتابع تحقيقاتها عن مراكز تحفيظ القرآن لتضيء الزمن لتكون منهم الثمار الطيبة الريحة والطعم.

مركز مدرسة المثنى بالفروانية

في الصباح الباكر كنا على موعد مع 400 طالب يصطفون كالبنيان المرصوص، مشدودة أجسادهم، متعلقة أبصارهم بالسماء، تنطلق حناجرهم بنشيد إسلامي جميل يقودهم الطالب شهادة الصيني:

فتية الإسلام هبوا

أيقظوا نومى السنين
دعوة الحق تجلت

توجت هام الجبين

قولكم الله أكبر

نبه المسلم الدفين

وبعد ترديد الأناشيد الإسلامية والأدعية الصباحية المأثورة تحرك الأستاذ المشرف إلى أماكن المدرسين فساروا بنظام.

جولة بالصفوف

وكانت جولة المجتمع بالصفوف جولة ممتعة، وكان التلقي والحوار مع الدارسين يدل على مدى ما وصلوا إليه من فهم ووعي للإسلام.

فالطالب مؤيد راضي يرتل القرآن ويحفظ الكثير من السور المقررة ويجيد فهم كثير من المعاني.

وفي صف آخر كان الحديث عن الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنه، وكانت إجابة الطالبين "علي أحمد" و"ناصر بسيوني" محل تقدير.

وفي صف ثالث كان اللقاء مع درس الحديث، وقد أجاد الطلاب الطالبة ماجد خالد، وعبد الوهاب محمد، وربيعي أحمد، ورمضان أيوب، ومحمد جمال حفظ الأحاديث وفهمها.

وانتقلت إلى صف آخر فإذا بنا أمام براعم ناشئة تعطي حيوية، وشاهدنا درس فقه يتولاه الأستاذ وطلابه يتابعونه في يقظة وتلهف.

وكانت نماذج عدة من طلاب كثيرين في مختلف الفصول، منهم: شاهين أحمد، وطلال صبحي، وحسين علي، وعلي عبيد، ومحمد يوسف.

إن ما وجدناه وما سمعناه من أبنائنا يشد أزرنا ويبعث فينا الأمل، وغادرنا المركز حامدين الله شاكرين للأساتذة إخلاصهم وتقاهم.

خيطان

وكانت للمجتمع جولة أخرى في نفس اليوم مع طلاب مركز خيطان، الذي وصل عددهم إلى أكثر من 400 طالب يواظب أكثرهم على الدرس يومياً، وقد صاحبنا المشرف إلى صفوف الدارسين، باشرنا بالصف الرابع حيث كان الدرس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له»، وكان تفسير الطالب يوسف عثمان للحديث يدل على المقصود من هذا الحديث وما يجب على المسلمين أن يتصفوا به من أخلاق وآداب في الطريق.

وفي صف آخر كان درس عملي للصلاة في مسجد المدرسة.

وفي أول متوسط كانت إجابات الطلاب: عادل عبد الله، وعبد الرحمن دخيل، عبد اللطيف محمد الضيد، وطارق دخيل، ومحمد جاسم، ورعد حسن، وعلي عبد الكريم عن السؤال: لماذا جئت إلى مركز التحفيظ؟

فقد كانت إجاباتهم أنهم جاءوا لنتعلم الدين لتتقوى أخلاقهم من صدق وأمانة وتكافل، وتقوى نفوسهم بالشجاعة في الحق والقدرة على الدين والجهاد في سبيل الله، وكل هذا يؤدي إلى قوة الأمة الإسلامية ونصرها على أعدائها.

وانتقلت من صف إلى آخر وفي كل نجد ما يفرح قلب كل مؤمن.

العقيلة

وخرجنا من خيطان لتتجه بنا السيارة في الصحراء بعيداً عن أطراف الفروانية، لنجد هناك في المركز جنود الرحمن من براعم ناشئة صغيرة إلى شباب طيب ناضج، ولا غرو فهن بوصلة الصحراء خرج الرعيل الإسلامي الأول.

وسألنا الأستاذ مشرف المركز عن جنسيات طلابه الخمسين فأجاب بأنهم جميعاً كويتيون.

لقد رتل الطالب شراح فزاع سورة "الملك" أحسن ترتيل، كما رتل الطالب الصغير مطلق سعود "سورة النبأ"، واشترك الطلبة في حوار مع مندوب المجتمع حول رسالتهم نحو الإسلام، وكانت إجاباتهم موفقة، خاصة الطلاب: عيد فالح، وحميد عبد الله، وفهد فزاع، وعيسى منيف، وعويضان حميد، ومشعل عبد الله.

وجدنا من جولاتنا حصيلة وافرة من الجهود المبذولة من القائمين بأمر هذه الدورة وهذه المراكز، وعن مدى ما حققوه نحو رسالتهم في تربية النشء تربية إسلامية واعية.

وفق الله الجميع وهدانا إلى سواء الصراط.

الأحمدي

في الأحمدي سمعت نشيد «القرآن»..

فجأة انتظمت صفوف ثلاثة في ساحة مركز تحفيظ القرآن الكريم بمدينة الأحمدي.. وبصوت رتيب، راح الأطفال يرددون نشيد «عقيدة المسلم» بكل براءة، ويبعثون في النفس انشراحاً بتطلعهم وهمتهم.. ثم تردد صوتهم شجياً مرة أخرى بنشيد «القرآن» مداعباً القلوب المتطلعة.

ثم اتجه كل صف من هذه الصفوف إلى حجرة من حجرات الدراسة، ومع كل صف مشرفه الخاص ومعلمه القائم على تدريسه.

حملت أوراقي ودخلت أحد هذه الفصول.. وبكل براءة نظر الأطفال إلى القادم.. وفي عيونهم أكثر من سؤال.. فألقيت التحية.. فردوها كاملة، وحاولت التعرف على ما يحفظون وما يعلمون من أمور دينهم، وما تعلموه من خلال الأيام التي قُضوها يتعلمون فيها كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام.

البراعم الصغيرة.. تشدو بالقرآن!

واستوقفت أحدهم أسأله قراءة سورة كريمة.. فوقف في خشوع هادئ حملني على التأمل الشديد نحوه، وهو يتلو بصوت عذب سورة «المدثر»، وبنبرات متزنة تدل على مدى تأثره.. وفكرت كيف يكون هذا من طفل لم يتعد العاشرة، فحدثتني نفسي أن أسأله عن بعض المعاني والمفردات.. فوقف في طمأنينة ظاهرة يتلقى الأسئلة، وبهدوئه المعتاد وقف يردد دون تلعثم…

وسجلتها في خاطري قبل أن يجري بها القلم.. أنه الوعي المبكر، وخططت في أوراقي اسم الطفل:

أسامة أحمد محمد، طالب بالصف الرابع الابتدائي.

قصة سلمان يرويها طاهر

بعد أن تعرفت على حفظ هؤلاء البراعم ومدى قدرتهم على الفهم وحسن التفتح، أردت أن أنتقل إلى السيرة النبوية أستجلي منها صفحات وضاءة، وعرفت أنهم أخذوا شطراً من حياة الصحابة، وسألت أحدهم أن يروي طرفاً من سيرة الصحابي الجليل سلمان الفارسي... فوقف يسرد قصة سلمان رضي الله عنه كأنما يقرأ من كتاب لتتبعه حوادث القصة وبترتيب زمني معدود... سألت الطالب عن اسمه، قال: طاهر فضل أحمد ــ طالب فلسطيني من الصف الأول المتوسط.. عمري 11 عاماً!

قصة أصحاب الأخدود

وحول قصة أصحاب الأخدود استنهضت طالباً تبدو مخايل الذكاء في عينيه اسمه محمد خميس، وهو أيضاً في العاشرة من عمره.. ومن وحي السورة الكريمة ــ سورة البروج ــ تناول القصة، وبأسلوب الصغار المحبوب تعرض هذا الصغير إلى أشياء لفته في حقائق الإيمان وما يجب على المسلم أن يتمسك به وثبت عليه، وحاشت أسئلة كثيرة في ذهني.. فسألت سؤالاً عاماً:

ــ ماذا لو خيرت بين القتل والكفر؟!

وارتفعت الأصابع الصغيرة كلها تريد الأذن بالإجابة:

ووقف أسامة أحمد فقال: الموت أفضل!!

ــ لماذا يا عزيزي؟!

ــ لأن أُقتل في سبيل الله شهيداً!!

فهدأت حركة الصغار وأدركت أن الجواب واحد؛ لأن صدورهم كانت تفيض وعيونهم كانت تشرق وهم يسمعون جواب تربيتهم معبراً عما في نفوسهم.

أليس في هذا ما يبعث على الاطمئنان والانشراح في أن يتلقى في هذه السن مثل هذه المعلومات لينشأ مؤمناً يعرف دربه!

مع حديث الرسول

وأردت أن أنتقل إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم استطلع ما حفظوه، وراح أحد الصغار يردد حديثاً حفظه، وتتابع من بعده عدد من البراعم التي تتفتح مروية بماء الإيمان بصنعها الإسلام كما صنع رجالاً من قبل ملأوا الدنيا علماً ونوراً!

وقرأ أحدهم حديث المفاضلة بين صلاة الفرد وصلاة الجماعة.. وسألته عن فضل صلاة الجماعة على الفرد.. فقال: تفضلها بـ 25 درجة.. وذلك لحفظه الحديث الشريف وهذا فهم مترابط في أذهان الصغار إن أحسن توجيههم إليه فقد يكونون هم هداة المستقبل ليوم باسم.

والعباس أيضاً يعرفونه

وفي فصل جمع فيه الصغار.. المرحلة الابتدائية الأولى.. عرفت من مشرفهم أنهم درسوا سيرة عم رسول الله.. العباس بن عبد المطلب.. وخطر لي خاطر السؤال عنه في وسط هؤلاء البراعم، وإن كان كبير شبابنا لا يفقه من حياة الصحابة شيء إلا أن المسلم الحق هو من يدرك إسلامه بكل جوانبه.. ووجهت سؤالاً نحو الصغار: أنعرف به سنة إسلام العباس رضي الله عنه؟ وأشرت إلى طفل صغير الحجم لا يكاد يبين من وراء المكتب الصغير الذي يجلس إليه.. وقف الصغير حسن أحمد محمود البالغ من العمر 9 سنوات ليقول:

إن إسلام العباس كان في عام فتح مكة!

وأزواج الرسول

ولمحت أمامي طفلاً لم يتعد السابعة عرفت منه أنه يدرس في السنة الثانية الابتدائية.. فتوجهت إليه بسؤال ظننته أنه لن يجيب عليه.. قلت له:

ــ عدد لي أسماء ثلاث من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم.

فاندفع الصغير دون التفات إلى تحديد السؤال وراح يسرد الأسماء سردًا متوالياً... وشدني ذلك إليه.. ووقع في نفسي أنه أكبر من سنه.. فدعوت الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيه..

الدعاء في حياة المسلم

تكونت عندي فكرة عن فهم هؤلاء الصغار لأشياء كثيرة مما يدرسون من قرآن كريم وسنة مطهرة، وأردت أن أعرف نقطة هامة في حياة المسلم.. ذلك أنه رهين عند كل عمل يقوم به بدعاء يدعو الله به أن يوفقه فيه.. فما من شيء في حياة المسلم إلا وله ميزان معلوم كما أن له نصيبه من الأجر والثواب.. فحياة المسلم سلسلة متوالية لا تعرف التوقف؛ إذ أن حياته منذ مطلع الفجر إلى مغيب الشمس عمل دائب دؤوب وثواب مكتسب وأجر مكتوب. وسألت الصغير حران مجبل عن الدعاء الذي يقوله إذا أراد أن ينام فأجاب، ثم عن دعاء الاستيقاظ، وارتفعت الأصابع من جديد كل يريد أن يبرهن على حفظه، فأعطيت الفرصة لبعضهم في أن يقول ما كان يتسع من وقت لحظات من العمر سعيدة عشتها مع هذه البراعم اليانعة في غصن الإسلام الرطيب.. أتأمل حديثهم العذب وتؤنسني الكلمة الطيبة الصادرة من نفوس بريئة طاهرة لم تعرف أي أنواع الإثم بعد!!

ورفعت كفي للسماء.. أسأل الباري عز وجل أن يجعل من صغار اليوم رجال الغد، رجالاً يخدمون هذه الأمة بأعظم رسالة حملهم العزيز ليبلغوها إلى الناس كافة.. ليبرز الناس شمس الحق وهي تسطع على مطامع البشرية المتلاشية، ولنكتشف أن لا يزال دين الله هو الأعلى وأن الحق أحق أن يتبع، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال!

 

الرابط المختصر :