; جولة في سوق خضراوات المباركية وفواكهها | مجلة المجتمع

العنوان جولة في سوق خضراوات المباركية وفواكهها

الكاتب أبو هالة

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1971

مشاهدات 530

نشر في العدد 76

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 07-سبتمبر-1971

جولة في سوق.. خضراوات المباركية وفواكهها

وللاستغلال هناك دولة يجب أن تسقط!

مطلوب إزالة السوق.. وإنشاء محلات صحية!

تحقيق: أبو هالة

 

قضايا الحياة

إن وجود الإنسان في هذه الحياة قضية منتهية.. من حيث إن الله هو الذي خلقه، ولا دخل لإرادته هو ومشيئته في ذلك؛ حتى ولو اتخذ كل الوسائل الصالحة للإنجاب..

ولكن استمرار وجوده بصحة وعافية هو القضية التي تشغله، وتأخذ اهتمامه وأبحاثه، سواء كانت وقايته من الأمراض أو علاجه منها.

وشغلت صحته الفكر الإنساني؛ حتى أُنشئت المؤسسات العالمية، وأقيمت الدورات المشتركة لالتقاء خلاصة الأبحاث والتجارب على مستوى العالم كله، وأنشئت الكليات والوزارات من أجلها..

قبل الرحلة

لذلك كان لزامًا عليّ قبل أن أصل بالقارئ إلى ساحة سوق الخضراوات والفاكهة في المباركية. أن أتوقف به قليلًا عند الأهمية الكبرى للخضر والفاكهة في حياة الإنسان، ومدى القيمة الغذائية التي تحتوي عليها.. لندرك سويًا:

أولًا: ضرورة توفيرها لجميع طبقات الشعب وأفراده؛ بحيث لا يخلو منها بيت على الإطلاق.

ثانيًا: ضرورة رخص أسعارها؛ بحيث تكون في متناول كل يد، ولا يحول غلاء سعرها عن تواجدها لدى كل الناس.

ثالثًا: ضرورة العمل على صيانتها من التلف، وألا تذهب سدى.. فإنه فضلًا عن أن هذا يعتبر في نظر الإسلام نوعًا من جحود النعمة وعدم تقدير المنة؛ يوقع الإنسان المختار في ذلك تحت طائلة الإثم والغضب ويعرضها للزوال عقوبة من الله..!!

رابعًا: ضرورة الحرص على عدم تلوثها بالجراثيم والميكروبات التي تقوم بعملية نقلها وتوزيعها على الناس في سهولة ويسر.. حتى امتلأت المستوصفات والمستشفيات بمراجعيها من النزلات المعوية والدوسنطاريا.. وهلم جرا.

خامسًا: ومسئولية الدولة تجاه هذا الأمر الحيوي.

 

أهمية الخضر وقيمتها الغذائية

والخضر والفاكهة غنية بالأملاح الأساسية والأحماض اللازم وجودها في الجسم وأهمها البوتاسيوم والحديد..

- وتحتوي على كمية كبيرة من الفيتامينات، مثل: فيتامين (أ) الخاص بالإبصار والأعصاب، فيتامين (هـ) الذي لا يوجد في المواد الحيوانية، وصاحب اليد الطولى في المقدرة الإنجابية، وفقده يؤدي إلى العقم..!!

أما فيتامين (جـ) الذي يوجد بكثرة في الخضراوات التي تؤكل نيئة -لأنه يتأثر بحرارة الطهي- فهو يمنع الالتهابات الجلدية والحميات، ويزيد مناعة الجسم ضد كثير من الأمراض..

-ويوجد «السليولوز» بكثرة في الخضراوات، وهو يقوم بعمله كملين طبيعي، ويعالج حالات الإمساك.

- وتمتاز الخضراوات بكونها موردًا للمواد «الكربوأيدرائية» غير ما يوجد فيها من مواد دهنية، وزلالية، وماء.

- وتمتاز الخضراوات كذلك بأنها لا تؤدي إلى «السمنة»، وزيادة الوزن مهما أكثر من تناولها الإنسان؛ ولذا تعتبر من أهم أغذية الخاضعين «للرجيم» أي النظام الخاص لإنقاص الوزن..

- والخضراوات الطازجة غنية بما تفتقده في المعلبات المحفوظة من قيمة غذائية.

لست أدري؟!

§ لست أدري: هل كتب علينا -معشر العرب- أن لا نعترف بنعمة الله علينا، وألا نحرص عليها، وأن نبددها، وألا نشعر بالإثم حين لا نحسن استعمالها؟!

§ ولست أدري: هل نفتقد العقل الواعي حينما نقلد الغرب؛ فنجري لاهثين وراء المظاهر الكاذبة، والانحرافات الأخلاقية، ولا نبصر علم خير وصلوا إليه؟!

§ ولست أدري: كيف ننفق الأموال على الكماليات، ونغفل الضروريات، ونسخو في الملاهي، ونبخل في الإنفاق على صحتنا؟!

§ دارت بنفسي هذه الأسئلة وأنا أهبط إلى سوق الخضر والفاكهة بالمباركية، وقد رأيت ما رأيت.. وتراه كل الأعين، وهي ساهية غافلة..!!

 

الفاكهة المكشوفة!

النظرة الأولى لهذا السوق الذي يقع في شارع ضيق مقابل بناية البنك البريطاني للشرق الأوسط، وقريبًا من المبنى الفخم للغرفة التجارية، وعلى مقربة من محلات الذهب والصاغة.. حيث لا ينقطع الرواد من الأجانب والمواطنين والأجانب؛ بصفة خاصة الذين يشهدون هذا المنظر الذي يصم الشرقيين دائمًا بوصمة الإهمال وعدم الرعاية لضرورات حياتهم الجسمانية..

النظرة الأولى تدهشك القذارة في الشارع، والناس غادون، ورائحون، وواقفون على الفضلات، وأوراق الخضراوات الملقاة على الأرض، والتي تعجز رجل النظافة أن يلاحقها بمكنسته وعربته..!!

وأشد من ذلك أن تجد بعض الباعة «غير المرخصين» يفترشون الأرض بمعروضاتهم، وعيونهم ترقب رجال البلدية؛ حتى لا يلاحقوهم.. ومن ثم يدفعون الغرامات..!!

وعلى مرتفعات خشبية يجلس الباعة وسط أكوام من الخضراوات والفاكهة المعرضة للجو بأتربته وغباره «وطوزه» الذي شهدته الكويت في الأيام الماضية.. والذي يحط رحاله على معروضاتهم بكل ما حمل من ميكروبات وجراثيم؛ ناهيك بالذباب الذي يجد في المعروضات من الفاكهة أمثال البلح والتمر وغيره مكانًا جميلًا له ومأوى هادئًا يحط أحماله عليه.. فضلًا عن الأيدي المتنوعة للناس.. مرضى وغير مرضى.. التي تلمس، وتفحص بأيديها الأصناف لتختار منها ما تشاء في زحمة الراحة للبائع الذي لا يشغل وقته إلا بالميزان وقبض الأثمان..!!

كيف لا تنتقل العدوى إذن؟!

وكيف لا يصاب الآكلون بأمراض المعدة ونزلات الأمعاء؟!

 

منظر متكرر

ولا تعدم أن ترى مشتريًا أو مشترية يصحبون أولادهم حتى إذا ما اشتروا سرعان ما قدموا لأولادهم فاكهتهم دون غسيل أو طهي، بل كثيرًا ما يشارك الصغار في هذا الطعام على قارعة الطريق..!!

 

أكوام النفايات «والزبالة»

وعلى حافة السوق تجد أكوام الزبالة تلالًا من الصناديق المكسرة، وتالف الفاكهة والخضراوات.

وسألت رجال البلدية الواقفين بجوارها:

- متى تأتي سيارة البلدية لحمل «الزبالة»؟

- كل يوم في العاشرة صباحًا تقريبًا.

- كم مرة تحضر في اليوم؟

- مرة واحدة..!!

- وهل تكفي مرة واحدة؟

- نكوّمها، وتبيت في مكانها حتى يأتي الموعد.

 

وزارة الصحة

- قلت لهم:

هل يحضر رجال الصحة لرش هذا المكان بالمبيدات الحشرية؟

قالوا: نعم.

- متى يحضرون؟

- كل كام شهر..!! ليس لهم موعد!!

مع الباعة

وسألت أحد الباعة:

- هل تراجعون وزارة الصحة؟

- نعم.

- متى تراجعونها؟

نحن –المرخصين- نراجعها كلَّ ستة أشهر؛ لنحقن بالأمصال الواقية، ويتم الكشف علينا!!

- هل يوجد فيكم غير مرخصين؟

- .. نعم، مثل «الحمالين»!

 

استغلال بشع!

قلت له: هل أنت مستأجر لهذا المكان؟

قال: نعم.. أدفع للبلدية خمسة دنانير، ولصاحب الملك الكفيل خمسة وتسعين دينارًا شهريًّا.

قلت له وقد علتني الدهشة والاستغراب:

ماهي المساحة التي تشغلها بتجارتك؟

- مائة وثمانون سنتيمترًا مربعًا...!!!

§ وانصرفت من عنده لآخر:

ماهي المساحة التي تتاجر فيها؟

مائة وخمسون سنتيمترًا مربعًا!

كم تدفع للكفيل؟

٥ دينار للبلدية، ويشاركني المالك بالنصف؛ أي حوالي ٦٥ دينارًا شهريًّا..!!

§ وذهبت إلى تاجر «البقدونس والفجل» الذي يفترش الأرض:

هل أنت مستأجر لهذا المكان؟

وأجاب باستغراب: طبعًا.

كم تدفع؟

٥ دينار للبلدية، ٤٥ دينارًا لصاحب الملك!! شهريًا..!!

 

قراريط في الجنة!

§ وبدأت الخروج من هذا المكان؛ كي لا يحصل على ممشاي صاحب الملك ضريبة أو يبيعني سنتيمترات..!! ولا غرابة بعد ذلك أن يوجد أناس من البشر يستغلون الحاجة والضعف والعوز ليبيعوهم قراريط في الجنة.

§ ومن هنا أدركت سر الغلاء الذي يمتص دخول المساكين من المواطنين، وأدركت أيضًا سر الزحام على المستوصفات...

وأدركت أيضًا سر الطبقية الفاحشة في الأسواق الحرة التي لا تتميز إلا بأخلاق النهم والجشع..!!

 

فقدان الأمل!

وأدركت أيضًا عدم الجدوى من الحديث معهم عن نظافة البدن ونظافة الملبس، وعن تغطية الخضراوات والفاكهة، وعن غسلها وتنظيفها، وعن حفظها وعدم إتلافها، وعن حسن عرضها وعدم امتداد الأيدي لها.. لأن فاقد الإمكانيات معذور لا يطالب بشيء.

 

علاج المشكلة

واستعرضت مع بعض المختصين ممن يهمهم الأمر، ويسيئهم الوضع.. المشكلة بجوانبها المتعددة.. فكان خلاصة أفكارنا:

من الأساس

أولًا: لابد من إزالة السوق من هذا الشارع، ورصد ميزانية للبلدية، أو وزارة التجارة والصناعة؛ لتوكل إلى وزارة الأشغال العمومية بناء سوق بمحلات تقوم على مواصفات صحية حديثة..!

ثانيًا: أن تقوم بتأجيرها مباشرة دون وساطة للذين يستغلونها بأنفسهم، مع تحريم التأجير من الباطن، والتفتيش على ذلك باستمرار.. فليس من العدل في شيء أن يجلس رجل في بيته أو مكتبه، وتأتيه الأموال من عرق المواطنين، ومن أثمان أغذيتهم ليثرى ويكنز.!

ثالثًا: أن تباشر وزارة الصحة مهمتها ورسالتها بوضع المواصفات اللازمة لطريقة حفظ الخضراوات والفاكهة وعرضها.. وأن تهتم بالرعاية الصحية للباعة والحمالين ونظافتهم وحسن هندامهم.

رابعًا: أن تقوم وزارة الداخلية بمطاردة الباعة غير المرخصين ومباشرة سلطاتها في هذا الشأن.

□□ بهذا نستطيع أن الجشع والاستغلال الذي...

 

 

الرابط المختصر :