العنوان جولة إسماعيل هنية... مشاورات الساعات الأخيرة
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 09-ديسمبر-2006
مشاهدات 75
نشر في العدد 1730
نشر في الصفحة 18
السبت 09-ديسمبر-2006
دخان يتصاعد عن طبخة لإبعاد حماس عن السلطة بالضغوط الخارجية دون مراعاة الأعراف الدستورية أو قوانين الدولة الفلسطينية.
ما يجري التخطيط له في الحكومة الجديدة.. إعطاء «السلطة» حرية التفاوض «عبر الخارجية» واستلام أموال «عبر المالية » وردع معارضي أي اتفاق مقبل «عبر الداخلية»!
شهدت القاهرة على مدار شهر نوفمبر الماضي، زيارات للعديد من المسؤولين الفلسطينيين، خصوصًا من حركة حماس، إضافة إلى الرئيس محمود عباس واتصالات دبلوماسية أخرى، في سياق الجهود التي تبذل للتوصل لتشكيل حكومة وحدة وطنية تقبلها أمريكا وأوروبا والكيان الصهيوني، والتي يعد تشكيلها وإبعاد حماس عن رئاستها أو التأثير عليها، شرطًا غربيًا رئيسًا لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، حسبما أكد وزراء من حركة حماس زاروا مصر.
تأتي أهمية المشاورات التي أجرها كل من خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ثم إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني، ومن قبله الرئيس أبو مازن مع كبار المسؤولين المصريين، وفق مصادر فلسطينية لـ المجتمع من منطلق أنها استهدفت التغلب على عقبات تشكيل هذه الحكومة الوطنية، وإنجاز اتفاقية تبادل الأسرى «١٤٠٠ أسير فلسطيني مقابل الجندي الصهيوني» تمهيدًا للعودة لاستئناف مفاوضات التسوية السلمية، وسط توقعات بأن تكون التحركات الأمريكية المساندة لهذه الجهود للعودة لطاولة التفاوض «بعد التخلص من حكومة حماس» تستهدف سرعة التوصل لاتفاق فلسطيني- صهيوني، يسهم في حث الأصدقاء العرب على التدخل في العراق لإخراج واشنطن من ورطتها فيه.
أجندات مختلفة
ففي حين أكد مسئولو حركة حماس ووزراؤها الذين حضروا إلى مصر أن أجندة الحركة ترتكز على بحث كيفية تنفيذ قرارات وزراء الخارجية العرب، بشأن رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، وترجمتها إلى واقع ملموس خصوصًا أن البنوك العربية لاتزال ترفض تحويل أي تبرعات للشعب الفلسطيني منذ تلويح البنوك الأمريكية والأوروبية بعقوبات مالية قاسية ومصادرة أموالها في فروعها، إضافة إلى مسألة تشكيل حكومة وطنية تكشف أن أجندة الأطراف الأخرى في حركة فتح وعواصم عربية أخرى ترتكز على إبعاد حماس تمامًا عن السلطة بشكل واضح، وتأكيد أنه فور حدوث هذا سيرفع الحصار من تلقاء نفسه.
أيضًا ظهر من الأجندات التي طرحها كل فريق في مصر، إضافة إلى التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي، وكذا رئيس الوزراء الصهيوني أولمرت، عن حوافز لإعادة استئناف التفاوض في حالة تبادل الأسري، أن المطلوب بشكل أساسي هو إبعاد حماس عن السلطة الفعلية، كي يسهل لخلفائها إبرام اتفاق على غرار أوسلو مع الصهاينة يتضمن تنازلات جديدة، وأنه لا يكفي ما قررته حماس من تنازلها عن رئاسة مجلس الوزراء ووزارة الخارجية وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وأن المطلوب هو تنازلها عن كل الوزارات السيادية الخارجية والمالية والداخلية.
ويؤكد مصدر فلسطيني مسؤول من حركة حماس أن الهدف من وراء هذه المطالب التي تأتي ضمن ضغوط أمريكية مكثفة على السلطة الفلسطينية وحكومات عربية كشروط لاستئناف التسوية ورفع الحصار هو إعطاء مسؤولي السلطة الفلسطينية حرية التفاوض «عبر الخارجية» واستلام أموال «عبر المالية» وردع معارضي أي اتفاق مقبل «عبر الداخلية» على غرار ما كان موجودًا أثناء توقيع اتفاق أوسلو.
وربما لهذا أكد رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية بوضوح ودًا على سؤال لـ المجتمع خلال زيارته القاهرة بشأن أسباب إصرار حركة حماس على التمسك بوزارة الداخلية الفلسطينية في التشكيل الجديد، وما إذا كانت تخشى البطش بها في حالة التوصل لاتفاق تسوية كما حدث في أوسلو، أكد أن القضية ليست قضية وزارة أو أخرى، ولكنها قضية أعراف ومعايير دستورية بصفتنا الكتلة النيابية الأكبر المفترض أن تمثل في الوزارات السيادية، ولذلك ترغب في أن نؤسس لهذه الأعراف والمعايير وأن نثبتها، وأكد أنه «ليس كل شيء هو المنصب أو المقعد». بيد أن خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس كشف بوضوح، ردًا على أسئلة الصحفيين في القاهرة عن مسألة وجود ضمانات ينفي وجودها، قائلًا بوضوح: «عدم وضوح الضمانات الدولية لرفع الحصار يتسبب في تعطيل حكومة الوحدة».
«الضغوط الخارجية» أهم من «المعايير الدستورية»!
والأكثر أهمية في حديث إسماعيل هنية، أنه فضح ضمنًا وبدبلوماسية ما يجري طبخه بالتعاون بين السلطة الفلسطينية وأمريكا وبعض الحكومات العربية؛ لإبعاد حماس عن السلطة بالضغوط الخارجية المختلفة، دون الاهتمام أو مراعاة الأعراف الدستورية أو قوانين الدولة الفلسطينية! فالدستور والبرلمان كما شرح هنية يقول إن رئيس الوزراء يشكل الحكومة «ولكن إذا خيرنا بين الأمرين «السلطة أو مصلحة» الشعب تركنا رئاسة الوزراء لمصلحة الشعب» لأن المنصب ليس كل شيء، بل إنه طرح ضمنًا حلًا توفيقيًا حينما رفضت السلطة فكرة بقاء وزارة الداخلية في أيدي حماس يقوم على إسنادها لرئيس الوزراء «المقبل» بشكل مؤقت لحين الخروج من الوضع الراهن، ومع هذا رفض اقتراحه، ما يؤكد النية لإبعاد حماس عن الوزارة وباقي وزارات السيادية وإعادتها لمسؤولي حركة فتح الذين تقبل واشنطن وتل أبيب التعامل معهم.
وروى هنية أسباب الخلافات الحقيقية الدائرة في أجواء تشكيل الحكومة قائلًا: «إننا اتفقنا على أسس لهذه الحكومة الوطنية منها: الكفاءة والنزاهة واستبعاد موز والقيادات الأولى، وأن الغرض من حكومة هو رفع الحصار وتعزيز الوحدة الوطنية، ولكن الشيء المهم الذي اتفقنا عليه يجري تشكيلها على أساس نتائج الانتخابات الفلسطينية، وأن الهدف منها ليس الانقلاب على الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني». وأضاف: «لابد للكتلة الفائزة في الانتخابات أن تكون موجودة في الوزارات السيادية.. ولكن هنا في هذه المحطة الأخيرة التفاوض، حينما بدأ الحديث عن ضرورة احترام العرف الدستوري، حول مراعاة حق كتلة الفائزة انتخابيًا في التمثيل في المناصب السيادية في حكومة الوحدة الوطنية، ظهر التباين والتعارض «مع فتح».
مشغل يدشن موقفًا تاريخيًا لحماس
وربما كانت مشاورات وتصريحات خالد مشعل في القاهرة أكثر وضوحًا، فمشعل قدم بدوره، تنازلات فيما يخص مسألة تبادل الأسرى، وقبل بالضمانات المصرية لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، كما أعلن القبول بإقامة دولة فلسطينية على حدود عام ١٩٦٧ خلال 6 أشهر، وقد فسر ضمنًا مشعل وقفه الجديد بالقول: «إن حركة حماس حريصة على حسم المواقف في الساحة الفلسطينية لصالح تعزيز الجبهة الداخلية، وإنهاء التأزيم ورفع الحصار وحشد الطاقة الفلسطينية والتفاهم مع المحيط العربي والإقليمي والدولي لتنطلق بعد ذلك إلى ملفاتنا الوطنية الكبرى». وأوضح أن هذه الملفات هي «القدس وحق العودة ومواجهة الاستيطان والجدار وقضية الأسرى والتخلص من الاحتلال والرد على العدوان وإدارة المقاومة من أجل فتح الأفق السياسي الحقيقي الذي يبلغنا إلى التحرير والحرية والسيادة الحقيقية والدولة الفلسطينية التي تنشدها».
«معركة ثلاثية».. وحماس خرجت فائزة
وقد سعى بدوره إسماعيل هنية لتوضيح الصورة أكثر عما يجري في فلسطين، فتحدث عما أسماء «معركة ثلاثية الاتجاهات» تم شنها ضد الشعب الفلسطيني، وحكومته تحولت غزة بموجبها خلال السنة أشهر الأخيرة إلى سجن كبير. وحرص هنية على تأكيد أن الغرض من هذه الحرب «ثلاثية الاتجاهات» كان إجبار الفلسطينيين على التخلي عن الثوابت، ولكنها فشلت، كما أن الحصار فشل في تحقيق أهدافه لأن الحركة لم تتأثر.
وحدد أبعاد هذه المعركة الثلاثية التي قال إن غرضها هو دفع الشعب الفلسطيني لتقديم تنازلات تمس الحقوق الفلسطينية وتركيع الشعب وعقابه على خياره الديمقراطي بمعركة «الحصار المالي الخانق» ومعركة «العزل والحصار السياسي» لحكومة حماس بحرمانها من تمثيل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية، إضافة للمعركة الثالثة، وهي «التصعيد العسكري الإسرائيلي» الذي قفز فوق كل الحدود لحد قتل عائلات بأكملها.
التحركات العاجلة التي جرت في مصر والاتصالات عبر عدة عواصم عربية وأجنبية ومع أمريكا وتل أبيب تلخصت بالتالي في طرح أجندتين متعارضتين: واحدة طرحتها حماس «الحركة والحكومة» تقوم على السعي لاستخلاص الحقوق الفلسطينية دون تنازلات بالتعاون مع القوى العربية الكبرى كقوة ضغط مع السعي للاستفادة من ضعف الدورين الأمريكي والصهيوني، والثانية طرحتها أطراف فلسطينية أخرى وعربية وتبنتها تل أبيب وأمريكا وتصر على استبعاد حماس عن السلطة تمامًا، كي يسهل التفاوض حول الملفات العالقة.
والمشكلة الآن أن حماس تصر -وهذا حقها- على احترام قرار الشعب في الفلسطيني في الانتخابات واحترام حق الأغلبية البرلمانية، وبالمقابل تضغط السلطة الفلسطينية بوقف مفاوضات تشكيل الحكومة، والسعي للتلويح بالخيارات الأخرى مرة ثانية، وهي حل الحكومة أو حل البرلمان، وكلاهما غير شرعي ويعرض الوحدة الوطنية للخطر.