; جولة حية في عالم التيه والضياع- «١١» | مجلة المجتمع

العنوان جولة حية في عالم التيه والضياع- «١١»

الكاتب د. نجيب الرفاعي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1980

مشاهدات 72

نشر في العدد 486

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 24-يونيو-1980

مهاريشي

  • لقد صار الهندي يخدع الأمريكي! تلك هي فلسفة المهاريشي!
  • قطعة كاملة من الخبز مجانًا إذا لم يبتسم البائع لك!
  • هذه الفلسفة تدعو إلى تطوير العالم وتغييره.
  • ما أبعد المسافة بين ابتسامة مرتبطة بالله وأخرى مرتبطة بقطعة من الخبز!!
  • علم الذكاء الخلاق أو التأمل التجاوزي يدعى: تطوير القوى الكامنة عن طريق المعرفة والتجربة.

ما كادت الساعة تدق الحادية عشرة قبيل الظهر حتى وضع كل طالب من قسم الجيولوجيا التابع لجامعة أوهايو مطرقته ومذكرته وقلمه وأخرج من حقيبته طعام الغداء، وذهب يبحث عن مكان ظليل يستظل به من وهج الشمس التي نشرت أشعتها الحارة في كل مكان، وبعد نصف ساعه أسند «جاك» رأسه إلى إحدى الصخرات وبصورة غير طبيعية ذهب في نوم عميق، ثم بعد خمس دقائق أفاق من نومه وكأنه قد نام لعدة ساعات، وقد أدهشني وأثار استغرابي طريقته تلك في جلب النوم الذي بالكاد يأتي لأحدنا بهذه السرعة، فسألته: «جاك، كيف استطعت النوم في هذا الجو الحار وبهذه السرعة غير الطبيعية؟». فقال جاك: «إن وراء ذلك سرًا ودروسًا خاصة كلفتني ما يقارب من الخمسة والسبعين دولارًا». قلت: «وكيف ذلك؟». قال: «بإمكانك أن تعرف ذلك إذا ما دفعت الثمن لمندوب المهاريشي في جامعتنا، حيث يعطيك دروسًا خصوصية للتحكم في العقل، ودروسًا أخرى لجلب السعادة إلى النفس والروح والانتقال بها من عالم القلق والتعب اليومي إلى عالم آخر تحفه السعادة والسرور من كل جانب!».

عزيزي القارئ، هل تعرف من يكون المهاريشي؟ وما هو «مذهب التحالف من أجل المعرفة» أو علم الذكاء الخلاق؟ إذا كنت لم تسمع بهذا الاسم من قبل فتعالى معي لنتعرف على هذا الهندي الذي خدع الأمريكان وسبحان مقلب الأحوال! تصور هنديًا يخدع أمريكيًّا!

مهاريشي ماهيش يوجي -وهذا هو اسمه الثلاثي- رجل هندي عاش في أمريكا، اخترع مذهبًا أطلق عليه اسم «علم الذكاء الخلاق» أو «التأمل التجاوزي»، وظل في الولايات المتحدة الأمريكية يدعو لمذهبه ثلاثة عشر عامًا، حتى جمع حوله عددًا كبيرًا من الأتباع والمريدين ثم خطا خطوة أخرى لنشر تعاليمه في العالم. في عام ۱۹۷۱م أنشأ جامعة كبيرة في كاليفورنيا في أمريكا وسماها «جامعة المهاريشي العالمية» ويقول: (۱) إنه أقدم على تأسيس الجامعة بعد أن أحس بتأثير وتقبل مذهبه في أكثر من ٦٠٠ كلية وجامعة في أنحاء العالم، ويقول: إن جامعة المهاريشي بدأت تحقق نمطًا مثاليًّا للحياة، وهو النمط الذي بحثت عنه كل المؤسسات التعليمية عبر العصور. وإن كل إنسان بغض النظر عن اهتماماته وقدراته وخلفياته يستطيع تطوير كل القوى الكامنة في الحياة عن طريق المعرفة والتجربة التي يزوده بها «علم الذكاء الخلاق»، والمهاريشي لديه خطة لتطوير العالم وتغييره ولديه وسائل لتحقيق تلك الخطة: 

  • أما الخطة ذات الأهداف السبعة فهي: 
  1. على مستوى الفرد: تطوير كل إمكانات الفرد.
  2. على مستوى الحكومة: تحسين الإنجازات الحكومية.
  3. على المستوى التعليمي: تحقيق أعلى مستوى للتعليم المثالي.
  4. على المستوى الاجتماعي: التخلص من كل المشكلات القديمة للجريمة والشر، وكل سلوك يؤدي إلى تعاسة الأسرة الإنسانية.
  5. على مستوى البيئة: زيادة الاستغلال الذكي للبيئة إلى الحد الأعلى.
  6. على المستوى الاقتصادي: تحقيق كل طموحات الفرد والمجتمع الاقتصادية.
  7. على المستوى الروحي: إحراز هدف روحي للإنسانية في هذا الجيل. 
  • أما وسائل تحقيق الخطة أو الأهداف:
  1. أكاديميات: ستنشأ أكاديميات في المدن والأرياف؛ وذلك لتحقيق الشروط التالية:
  2.  كورسات «دورات» تدريب مدرس «علم الذكاء الخلاق».
  3. برامج الحصول على درجة جامعة المهاريشي.

جـ-  الوصول للنقاء وما يتصل بأثر التدريس في كل الأوقات.

(۲) كورسات «علم الذكاء الخلاق»: الجامعة المهاريشية قد أعدت كورسات في هذا العلم، في سبعة مجالات من اهتمام الإنسان، فردية وحكومية وتعليمية... إلخ؛ والهدف من هذه الكورسات هو تحقيق الأهداف السبعة في خطة تغيير العالم وحل جميع المشكلات القديمة للإنسانية، ووضع أسس قوية للحياة تكفل السعادة والهناء للأجيال القادمة.

(۳) تلفزيون عالمي ملون:

ويقول المهاريشي أن لديه وسيلة أخرى تسهم في تحقيق أهدافه، وهي أنه سينشئ محطات تلفزيونية ملونة تبث تعاليمه في كل بيت وتخاطب الإنسان وهو جالس في غرفته ويفسر مفردات مذهبه:

  • علم: تعني البحث المنهجي عن طريق التجارب المتعددة للحصول على معلومات مفيدة.
  • الذكاء: الصفة الأساسية للوجود ويتثمل في هدف ونظام التغيير.
  • الخلاق: يعنى الوسائل الخلاقة التي تحتوي وتعرض القوة الخلاقة، وهذه القوة هي السبب في تغيير الحاضر في كل زمان ومكان.

وعندما تكون هذه القوة فعالة، فهي تولد التغييرات الجديدة التي تفني الحياة والتطور والنمو في الطبيعة.

أما التأمل التجاوزي فإنه يستخدم نزوع العقل للتقدم والذهاب فيما وراء الحدود والحصول على إدراك غير محدود! (۱)

هذا ما احتواه –بتصرف واختصار- كتاب «الاتحاد والتحالف من أجل المعرفة» وتقرير عن نشاط المهاريشي في الفترة ما بين مايو وديسمبر سنة ١٩٧٥م.

وهكذا يحاول الأمريكيون أن يعيدوا التوازن الروحي مع العالم المادي الغارقين فيه، ولكن أنى لهم ذلك وقد ضلوا الطريق وابتعدوا عن منهج الله الذي تفضل الله به على المسلمين.

فحياتهم المادية حياة خانقة مؤذية، تجعل الإنسان كآلة صماء أو كمبيوتر قد أعد له برنامجه فهو يسير عليه من دون عاطفة أو إحساس أو وجدان. وأضرب لذلك مثلًا بسيطًا شاهدته حين افتتاح أكبر مخزن في المدينة للمواد الغذائية، فقد كتب في معظم ردهاته وجوانبه لافته بلون مميز: «ابتسامة أو قطعة كاملة من الخبز؟ عزيزي المشتري إذا طلبت شيئًا من أحد البائعين في هذا المحل وأجاب على طلبك دون أي ابتسامة، فقط أخبرنا باسمه ورقم هويته وسنعطيك مجانًا قطعة كبيرة من الخبز». وفعلًا يجد المشتري في هذا المحل الضخم كل الموظفين مبتسمين ابتسامة المغصوب خشية العقاب. 

وأذكر أنني لما وصلت إلى الصندوق لأدفع ثمن مشترياتي كان أمين الصندوق يحاسبني وهو يضحك ويلقي على مسامعي أخبارًا سارة! وما نموذج الابتسامة المغصوبة في هذا المحل إلا مثل بسيط للمعاملات اللاإنسانية الميكانيكية الآلية في هذا المجتمع المادي. «وقد افتتن الناس دائمًا بالقيم المادية وحسبوها قوام الحياة، القدماء في ذلك والمحدثون سواء. وحين تنطمس بصائر الناس عن منابع الخير وتنحسر نفوسهم عن حقيقة الكون الواسعة فإنهم لا يرون إلا القيم المادية ولا يدركون ما تدركه الحواس» (۲). 

أما المسلم فإنه يبتسم متمثلًا في ذلك حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، فإن هذه الابتسامة «تستطيع وحدها أن تفتح مغالق النفوس وتنفذ إلى الأعماق، تنفذ إلى القلب! إلى الطاقة المكنونة في الكيان البشري فتربط بينها وبينك برباط الجاذبية! حينئذ تصير قطعة من الكون الأعظم دائرة معه في فلكه الفسيح لأنك تلتقي بفطرتك الصحيحة مع فطرته الحقة» (۳).

فشتان ما بين ابتسامة مرتبطة بالله وابتسامة مرتبطة بقطعة من الخبز!

(۱) مجلة المجتمع/ العدد (286)/ 10/ 2/ 76

(۲) قبسات من الرسول/ محمد قطب ص ۱۲۳

(3) المصدر السابق ص ۱۲۹

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

141

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

لعقلك وقلبك  - العدد 22

نشر في العدد 30

146

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

إلى الأبناء..صرخة ألم

نشر في العدد 47

123

الثلاثاء 16-فبراير-1971

الأسرة (47)