العنوان جولة تنصيرية سادسة للبابا في أفريقيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1990
مشاهدات 83
نشر في العدد 953
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 06-فبراير-1990
البابا يستغل التخوف من تحول المساعدات إلى شرق أوروبا للظهور بدور المنقذ.
هذه الزيارة حلقة في سلسلة الزيارات التي تمثل بعدًا خطيرًا على مستقبل الإسلام في المنطقة.
يبدو الخبر في الوهلة الأولى بسيطًا وعاديًّا لا ينطوي على أي عنصر يثير دهشة أو استغرابًا؛ إذ مفاده أن يوحنا بولس الثاني يقوم بزيارة رسمية من 25 يناير إلى 1 فبراير 1990 لـ 5 دول أفريقية واقعة بمنطقة "الساحل".
فالبابا شأنه شأن سائر المنصرين يسعى من أجل استثمار ظروف اقتصادية واجتماعية متأزمة ومتردية لتلك الأقطار بهدف بسط النفوذ الصليبي عليها، وهي مناطق ذات أغلبية إسلامية ساحقة. قامت الحركة الصليبية بإعداد هذه الجولة إعدادًا جيدًا بوضع خطة مدروسة كفيلة بإحداث ثلمة في جسم الإسلام في المنطقة، وقد تم اختيار زمان ومكان مناسبين لذلك.
1. الزمان: لم يتم اختيار توقيت الزيارة هذه عفويًّا، بل اختارت الجهات الكنسية زمنها بعناية فائقة واضعة نصب عينها الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحرجة التي تجتازها منطقة "الساحل".
وبالفعل يتخوف الأفارقة مسلمون ومسيحيون من مغبة تناقص اهتمام دول أوروبا الغربية بقضاياهم لاحتمال انشغالها بتحسين صلاتها بأقطار شرق أوروبا.. ومن هنا برز البابا أمام بعض الأفارقة كشخصية دينية سياسية هامة مستعدة للتوسط بينهم وبين أوروبا حتى لا تقدم على تقليص استثماراتها في أفريقيا.
وقد يكون لهذا الأمل شيء من الأساس إذا وضعنا في عين الاعتبار الوزن السياسي الذي أصبح لرئيس الكنيسة الكاثوليكية بعد انهيار النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية. وتتزامن جولة البابا السادسة لأفريقيا هذه مع اقتراب نهاية خطة كانت الكنيسة قد وضعتها وتهدف إلى جعل أفريقيا قارة مسيحية قبل حلول القرن الـ 21 حيث يشكل المسيحيون أغلبية تحكم وتفرض إرادتها على المسلمين. لا شك أن هذا الهدف بعيد المنال غير أن مجرد التفكير فيه والشروع في تهيئة الظروف له يعد خطرًا حقيقيًّا يهدد مستقبل الإسلام في القارة الأفريقية خصوصًا أن الدوائر المسيحية لن تتوانى في استغلال الوسائل المادية المتوفرة لديها.
2. المكان: ومن حيث المكان فقد تم اختيار 5 دول تسكنها أغلبية إسلامية عدا جمهورية الرأس الأخضر وهذه الأقطار هي غينيا بيساو ومالي وبوركينا فاسو وتشاد. ويلاحظ أن هذه الدول تعد من أفقر أقطار العالم: قلة المصادر، انخفاض مستوى النمو، تدني دخل الفرد، عجز مزمن في الميزانيات.. فضلًا عن ذلك فهي بلدان عانت من الجفاف قرابة 10 سنين والذي لم تزل آثاره ماثلة إلى يومنا هذا. وهي لذلك أقطار تسير فيها عملية التصحر بخطى تنذر بكارثة حقيقية.
لهذه الأسباب مجتمعة تعتبر زيارة البابا لمنطقة "الساحل" حدثًا ذا أبعاد خطيرة لمستقبل الإسلام في تلك الأقطار، ومن ثمة تكمن أهمية متابعتها عن كثب لمعرفة النتائج التي ستتمخض عنها. فحسب البرنامج المعد لهذه الجولة سيستقبل البابا في كل من مالي وبوركينا فاسو وتشاد زعماء المسلمين وهو عمل لا غبار عليه من حيث المبدأ؛ فالإسلام دين سماحة لا يرى غضاضة في أن يجامل أعضاؤه طوائف دينية أخرى في الشؤون الدنيوية، سيما أن رجال الكنيسة منذ بعض الوقت يدعون أنهم يتطلعون إلى مد خط اتصال بينهم وبين المسلمين بغية التوصل إلى تفاهم معهم. فهذه الفكرة لو صدرت حقًّا عن قناعة وحسن طوية فلن يكون عليها مأخذ، بيد أن الحقيقة خلاف ذلك، إذ كيف يتحقق حوار جدي وإيجابي ينتج عنه تعاون أو تفاهم إذا ظل الطرف المسيحي يراوغ في موضوع الاعتراف برسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وبدون هذا الاعتراف يصبح موضوع الحوار بين الجانبين غير ذي جدوى. لكي يثمر اللقاء الإسلامي المسيحي في أي بقعة من المعمورة لا بد من أن ينطلق من أرضية صلبة حيث تكون الصراحة لحمته والاحترام المتبادل سداه. لا ينبغي أن تخفي الهالة التي أُحيطت بها زيارة البابا لمنطقة "الساحل" الهدف الأساسي منها ألا وهو تنصير الأفارقة بكل الوسائل الممكنة. على أن مما يثلج الفؤاد بهذا الصدد أن الزيارة البابوية لا تشمل بلدًا يقع في نفس المنطقة الجغرافية وظل محل اهتمام خاص من طرف الجهات التنصيرية لكونه الباب الأمامي للتغلغل المسيحي نحو عمق القارة الأفريقية. وهذا البلد هو السنغال الذي سبق للبابا أن أرجأ زيارته له قبل سنتين أثناء تجواله في أفريقيا، وكان توقفه هناك يحتل محل الصدارة في خطة رحلته. لكن بفضل الله وبفضل تضافر جهود زعماء الإسلام نجحت مساعي الطائفة الإسلامية في إلغاء الزيارة؛ فعوضًا عن نزول البابا بداكار عاصمة السنغال توقف في الدار البيضاء بالمملكة المغربية حيث أحيا قداسًا. ويعود سبب إرجاء تلك الزيارة إلى احتمال وقوع قلاقل واضطرابات لا تحمد عقباها وقد تكون وبالًا على المسيحية في ذلك البلد. فتخلي البابا للمرة الثانية عن زيارة السنغال يعتبر في جميع الوجوه انتصارًا للإسلام، سيما إذا علمنا بالإمكانات الهائلة التي تملكها الكنيسة بهذا البلد مما ستُعبأ بهذه المناسبة للتأثير على المسلمين والتي كانت دائمًا وسيلة للتشكيك في عقيدة الإسلام. فزيارة البابا لمنطقة "الساحل" ذات الأغلبية المسلمة تعد بمثابة تحدٍّ سافر للمسلمين في تلك الأقطار المهددين فعلًا في عقيدتهم الإسلامية. فهذه الدعاية المكثفة من قبل الكنيسة تشكل خطورة كبيرة لمستقبل الإسلام في المنطقة حيث يستشعر المسلم فراغًا هائلًا نتيجة انعدام حضور إسلامي متواصل كفيل بالتصدي للأعداء وبسبب فقدان نشاط إسلامي هادف يتجاوب مع متطلبات العصر الحديث ومعطيات الزمان والمكان الأفريقيين. في حين نجد للمسيحيين قلة كانوا أو أكثرية، حضورًا ملموسًا لدى مختلف نواحي الحياة في مواطنهم، وعلى سبيل المثال لا تتجاوز نسبة المسيحيين 1% من مجموع سكان غينيا بيساو مقابل 45% من المسلمين، لكن المسيحيين يستولون على كافة المناصب القيادية للبلاد سواء كانت سياسية أو غيرها. وحتى في الأقطار التي بها كثافة إسلامية ساحقة (السنغال ومالي) نجحت فيها الطائفة المسيحية في التغلغل إلى المرافق الحيوية هناك. لا شك أن أفريقيا توجس خيفة من عواقب تقلبات وتغيرات حدثت في أوروبا الشرقية قد تفضي إلى تقلص عون الغرب لها، كما أن تخوف دول الساحل من عودة الجفاف إليها وما يواكبه من جفاف ومجاعة وتصحر وبؤس وأوبئة تأتي على الأخضر واليابس حقيقة واقعية، فإن من واجب الأمة الإسلامية أن تقوم بمبادرة تهدف إلى تلافي ارتماء هؤلاء وأولئك في أحضان الكنيسة وتسعى من أجل إحباط الخطة الهادفة إلى جعل أفريقيا قارة مسيحية محضة. على أنه مهما كانت هواجس القلق قوية من نتيجة الحملة المسيحية الشرسة في أفريقيا بحكم وسائط الإغراء المتوفرة بيدها فإن المسلم الأفريقي عوّدنا دائمًا بصلابته وتمسكه بإيمانه الراسخ بالله، نعم المولى ونعم النصير.
ع. م. س
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل