العنوان جواز سفر للكلب البريطاني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 106
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
حملت الأنباء خبراً طريفاً حول اعتزام الحكومة البريطانية، إصدار جوازات سفر للحيوانات الأليفة، كالكلاب والقطط، بهدف تخفيف المعاناة التي قد تلقاها في الموانئ الدولية، بالإضافة إلى تشجيع السياحة، أثار الخبر دهشة كثير من المراقبين، لأنه في الوقت الذي تضيق فيه بريطانيا الخناق على اللاجئين ذوي الظروف الإنسانية الخاصة فوق أراضيها إذا بها تتوسع في صلاحية جواز السفر ليشمل الكلاب، ومعروف أن أول جواز سفر بريطاني فعلي صدر في عام ۱۹۲۱م مكتوب عليه« باسم جلالة الملكة لكل من يهمه الأمر السماح لمن يحمل الجواز بالمرور دون عوائق وأن تقدم لحامله كل مساعدة وحماية قد يحتاجها»، وكان الجواز البريطاني يمنح - أول الأمر - للمواطنين والأجانب على السواء، ثم اقتصر الأمر على البريطانيين والأجانب ذوي الظروف الخاصة الشاهد على ضوء هذا الخبر، إن ذوي الظروف الخاصة من اللاجئين يواجهون الآن - لا في بريطانيا فحسب، بل في كل دول الاتحاد الأوروبي - تضييقاً ومطاردة تجعل البعض منهم يغبط الكلاب البريطانية التي حظيت بجوازات سفر تحمل أمر الملكة المسؤولي الخارجية في حكومة بريطانيا بتسهيل الأمور لها دون عوائق، وتوفير الحماية والمساعدة لها، ومعروف - على مر التاريخ - أن قوة جواز السفر تستمد من قوة الدولة التي تصدره، فإذا كانت تلك الدولة ذات ثقل عسكري واقتصادي، أصبح لجواز سفرها الثقل نفسه وإلا فإن ذلك الجواز يصبح عديم الفائدة ويشكل مشكلة لحامله، وعقبة كؤود في المطارات الدولية، ويُقال إن الإمبراطور الروماني قيصر، منح مواطناً فيلسوفاً يدعى «بوتامون» جوازاً أو صك أمان مكتوباً عليه عبارة تحذيرية تقول: إلى كل من يتعرض لبوتامون بالمضايقة في البر أو البحر عليه أن يعرف مدى قوته على خوض حرب مع القيصر»، هذا الجواز الذي منحه القيصر في القديم، يشبه في عصرنا الجواز الذي تمنحه دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، أو الذي تصدره دول الاتحاد الأوروبي ويا ويل دولة تتعرض لمن يحمل جواز سفر من هؤلاء!!
أما البشر من دول العالم الثالث، وبخاصة بعض التعساء من عالمنا الإسلامي، فجواز السفر معهم بمثابة دليل اتهام بالإرهاب والتطرف، إن الأمور تصاب بالعدوى، فمادامت كرامة المواطن تسحق في بلده، فلا يحق له أن يطالب الدول الأخرى باحترام كرامته، فوقفة واحدة مع جواز سفر في بعض البلدان، نرى المأساة.. فهناك عشرات الإجراءات دونها خرط القتاد، للحصول على هذا الصك المهين، فالمرء متهم في دوائر أمن الدولة حتى تثبت براءته وهو متهرب من التجنيد حتى يمنح شهادة بعكس ذلك، ومتهرب من الضرائب، حتى يدفع ما عليه، وعليه أن يراجع الداخلية للتأكد من خلو صحيفته الجنائية من السوابق، والمضحك في بعض الدول - أن عليه أن يراجع وزارة التموين، حتى يسقط حصته من المواد التموينية المدعومة، وأخيراً يدفع الرسوم الباهظة، فإذا ما حالفه الحظ وحصل على الجواز، فهناك دول مسموح له بالسفر إليها، ودول غير مسموح وعليه أن يحول جزءاً من راتبه بالعملة الصعبة وهكذا دواليك، وعليه فإن مثل هذا المواطن . بالتأكيد - يغبط الكلب البريطاني، لأن جواز سفره لا يستلزم كل هذه الإجراءات، ولربما يحمل مثل هذا الكلب جواز سفر دبلوماسي إذا ما كان صاحبه وزيراً أو سفيراً.. وقاتل الله الحروب التي اضطرت البشر إلى ابتداع هذا القيد، فقبل الحرب العالمية الأولى، لم تكن هناك جوازات سفر أو وثائق جنسية، لكن جاء هذا القيد بعد الحرب العالمية الأولى، وازداد تعسفاً بعد الحرب العالمية الثانية، وأفرز لنا في عالمنا الافاً من اللاجئين من الفلسطينيين يعانون آلام التشرد بسبب عدم امتلاكهم الجوازات سفر رغم أنه كانت هناك جوازات سفر تمنحها المنظمات الدولية لأمثال هؤلاء، تمكنهم من السفر من أجل الدراسة أو العمل.. وتجمد هذا الحال، وتجمد معه حال هؤلاء اللاجئين، والذين يطلق عليهم حملة الوثائق، وبقيت مشكلتهم دون حل، ويعجب المرء حين يرى الدولة البريطانية، التي كانت سبباً في نكبة هؤلاء تمنح الكلاب جوازات سفر، بينما تتحرج معظم دول العالم من المساهمة في حل مشكلتهم لأنهم أولاً فلسطينيون، وهذا إثم في الشرق الأوسط ولأنهم عرب مسلمون ثانياً، وهذه وصمة إرهاب عالمية.