العنوان جوارحك أيها الإنسان ما لها وما عليها (5) الشهود
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 14-أكتوبر-2006
مشاهدات 69
نشر في العدد 1723
نشر في الصفحة 58
السبت 14-أكتوبر-2006
حين تمسك يداك بكتاب الله -عز وجل- لتقرأ كلامه وتتلوه، وحين تنظر؛ إلى حروفه يظهر فيها الجمال، وينبعث منها النور؛ تتعجب من تلك الأيدي الماهرة التي خطت تلك الحروف، وحظيت بكتابة هذا القرآن العظيم، ففاز أصحابها الكرام بلقب (كتاب الوحي) الذي يحمل أعلى وسام، ونالوا شرفًا ما بعده شرف، ورفعة تطاول عنان السماء، فسبحان من خلق تلك الأنامل، ويسر لها الحركة، ورزقها الأقلام، وسخر لها الحبر والمداد، وعندما تتأمل وتتساءل كيف وصلك هذا القرآن محفوظًا كما نزل منذ أكثر من أربعة عشر
قرنًا من الزمان، وما زالت حروفه -بحفظ الله- كما هي دون زيادة أو نقصان؟ فإنك ستغبط تلك الأيدي التي أمسكت بهذه الأقلام، وتلك الأرجل التي سعت لتجمع خير الكلام من الصحف والرقاع، ومن صدور الناس في شتى البقاع، فكانوا بحق أصدق الرجال، وكانت بصدق خير الأيدي الكاتبة، وأفضل الأرجل الساعية، وذلك لشرف المهمة وعلو الهمة.
فجزى الله الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- خيرًا وعلى رأسهم جامع القرآن وكاتب الوحي سيدنا زيد بن ثابت -رضي الله عنه- ترى لو تحدثت هذه الأيدي، ونطقت تلك الأرجل فماذا ستقول؟ وهل ستكون شاهدة لهم أم عليهم؟
كفى بنفسك عليك شهيدًا:
إن يديك ورجليك أيها الإنسان من الوسائل المعينة لك على عبادة الله -عز وجل- ومن السبل الميسرة لطلب رضاه- كبيرة وعظيمة، ينبغي أن يقابلها شكر منك، واستخدام لها فيما خلقت له، وإلا فستشهد عليك في يوم آت لا ريب فيه، وتكشف سترك أمام جميع الخلائق، ألم يقل -سبحانه وتعالى- ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة يس: 65) فهي الشاهدة أمام الله، الحافظة لما تعمل، الناطقة بغير لسان.
حق اليدين عليك عظيم:
إن قيمة يديك ورجليك تكون بقدر ما تقوم به من أعمال تنفعك في دنياك وأخراك، وتنفع من حولك؛ لذا فإن عليك أن تعرف حقها عليك وما لها عندك، إن حقها عليك عظيم، فهذه اليد التي تتوضأ كل يوم خمس مرات، ونرفعها بالتكبير عند الصلوات هي يد مكرمة بلا شك؛ إذ إننا نسجد على كفيها كل يوم أكثر من ثلاثين مرة لله الواحد الجبار، وهي يد نرفعها كل وقت بدعائه، ونحرك أصابعها بتسبيحه، وحري بنا ألا نظلمها بعمل المعاصي؛ لذا فإن من حقها علينا:
-أن نباركها بحمل كتاب الله -عز وجل- لتلاوته، ونستخدمها في كتابة العلم والإمساك بالقلم: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (سورة القلم: 1)
-أن نتقن بها العمل ونحسنه: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». (البيهقي).
-أن نكسب بها الرزق الحلال: وقد كان النبي ﷺ يقول: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود -عليه السلام- كان يأكل من عمل يده» (البخاري). «من أمسى كالًا (متعبًا) من عمل يديه؛ أمسى مغفورًا له»، (الطبراني).
-أن نمدها بالعطاء للفقراء والمحتاجين: قال ﷺ: «اليد العليا خير من اليد السفلى» (متفق عليه). وقال: «نعم المال الصالح الرجل الصالح» (أحمد).
-أن نستخدم قوتها في مساعدة الناس: «وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة» (أحمد).
-أن نمسح بها على رأس اليتيم نكرمه، وفي الحديث: «ارحم اليتيم، امسح رأسه وأطعمه من طعامك يلين لبك وتدرك حاجتك (الطبراني). «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه» (ابن ماجة).
- أن نخرج بها الصدقة الخفية: لنكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله في يوم لا ظلل إلا ظله، ومنهم: «ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (متفق عليه).
- أن ننشر بها المحبة في الأسرة: قال رسول الله ﷺ واصفًا النساء من أهل الجنة الودود الولود العؤود على زوجها، التي إذا غضبت جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها، وتقول: لا أذوق غمضًا حتى ترضى (النسائي) وقال: «إن الرجل إذا نظر إلى امرأته ونظرت إليه نظر الله -تعالى- إليهما نظرة رحمة، فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما من خلال أصابعهما»، (رواه ميسرة بن علي ورمز له السيوطي بالصحة».
- أن نغير بها المنكر دون إحداث مفسدة أكبر منه: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (مسلم).
- ألا نتعاطى بها الخبائث والمحرمات من دخان وحشيش وخمور ومخدرات: قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (ابن ماجة).
- ألا نسليها حلاوة الإيمان بالسرقة: «لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» (متفق عليه).
- ألا نتعاطى بها الرشوة أو المال حرام: قال -سبحانه وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾
(سورة النساء: 29). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لعن رسول له الراشي والمرتشي» (البزار). وقال ﷺ: «إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به» (الترمذي).
-ألا نعرضها للعنة الله: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه» (الترمذي).
-أن نحفظ بها الحقوق، قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ﴾ (سورة البقرة: 282).
- أن نعدل بها عند كتابة الوصية: روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الرجل والمرأة ليعملان بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار» ثم قرأ أبو هريرة: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (سورة النساء: 12).
حق الرجلين:
أما رجلاك أيها المسلم فلهما مثل ما ليديك من حق وإكرام، فإن فضلهما عليك عظيم، وهما نعمة مسخرة لسعادتك في الدنيا والآخرة، كما نجد في أحاديث رسول الله ﷺ:
-بهما تتودد إلى الله -تعالى- قال ﷺ «أحب الناس إلى الله أنفعهم»، وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل- سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف شهرًا».
ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه ملأ الله قلبه رضًا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله -تعالى- قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل (الطبراني).
-بهما تحصل على أجر المجاهد أو القائم الصائم بالسعي على الأرامل «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار» (متفق عليه).
-بهما تحرم عليك النار بالجهاد في سبيل الله: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار» (البخاري).
-بهما تزور المرضى «من عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا»، (الترمذي).
-وبهما تسلك طريق العلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة» (الترمذي).
بهما يؤتيك الله نورًا حين تمشي إلى المساجد: «من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نورًا يوم القيامة» (ابن حيان).
-بهما تضاعف حسناتك بصلاة الجماعة: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة» (مسلم).
-بهما تنال الشرف بقيام الليل، كما قال جبريل -عليه السلام- لرسول الله ﷺ: «واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل».
-وأخيرًا علينا أن نكرم أيدينا وأرجلنا بكثرة السجود لله خالقها وموجدها لترفع درجتها في الجنة، قال ﷺ: «اعلم أنك لا تسجد لله سجدة إلا رفع الله لك بها درجة وحط عنك بها خطيئة» (الطبراني). وألا نسعى بها إلى أماكن اللهو والفساد، كما أن علينا ألا ننسى أداء زكاتها، وإخراج صدقتها يصبح التي جاءت في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «على كل سلامى «مفصل» من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان. تركعهما من الضحى (مسلم).
المراجع:
1-تفسير الصابوني- مختصر ابن كثير للشيخ الصابوني.
2-المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي.
٣-إحياء علوم الدين جـ ٣ للإمام الغزالي، صفقات رابحة للدكتور خالد أبو شادي.
٤-تزكية النفوس وتربيتها كما يقرره علماء السلف للدكتور أحمد فريد.
٥-الحلال والحرام في الإسلام للدكتور يوسف القرضاوي.
٦-الفقه الواضح للشيخ محمد بكر إسماعيل، فقه السنة للشيخ سيد سابق.
٧-موسوعة الأسرة المسلمة (الأخلاق)، سلسلة نعم الله (أطفالنا).
٨-الموسوعة الذهبية في إعجاز القرآن الكريم.
٩-والسنة النبوية للدكتور أحمد مصطفى متولي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل