; جهود لا تضيع | مجلة المجتمع

العنوان جهود لا تضيع

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 3

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 27-أبريل-1999


نقوش على جدار الدعوة


«الذهب يزيد بريقًا كلما طرق، فلا ترضخ لما يعتريك من مصاعب، فكل من سار على الدرب وصل، وفي نهاية المسار ستتذوق الرضا والنجاح، إن المصاعب خير معين لك إذا استخدمتها لتجديد العزم والثبات على الطريق الذي اخترته». «فن الدراسة والإيصال» ص ٦٦.

التراجع عن الطريق- أمام المصاعب التي تبدو فيه- خذلان وضعف وتأخر، ومحاولة السير وسط الأشواك تعلم الإنسان كيف يتقبلها، وكيف يتحمل بعضها إن أصابه، فيقوى على السير من غير خوف، ويأمن الوقوع فيها في المستقبل.

إن بعض الأمراض الخطيرة التي يخشى الإنسان من فتكها وانتشارها يحاول الأطباء أن يحقنوا الناس بشيء منها ليأخذ الجسم طابع المقاومة وهيئة الاستنفار، حتى إذا ما أصيب بها كان مستعدًا لملاقاتها، قادرًا على التغلب عليها.

وهكذا يجب أن يتلقى الناس المصاعب ويواجهونها، عالمين أنهم لا مهرب لهم منها ولا مفر من ملاقاتها، لأنها بعض الابتلاء الذي يبتلي الله به عباده، ليعلم الشاكرين ويعلم الصابرين.

وطريق الدعوة ليس مفروشًا بالورود، وليس بحمد الله مملوءًا بالأشواك، وإنما فيه من هذا وذاك، واليسر فيه لا يخدعنا عما يمكن أن يصيبنا من مشاق، والعسر فيه لا يقعدنا، والشدة لا تزيد المخلصين إلا عملًا وجهدًا وتحملًا وبذلًا.

وإذا كان بعض أصحاب المشروع الإسلامي يلقون الأذى في بعض البلاد، فإنهم يتحملون ذلك راضين، لأنه يسيرون على خُطَى الأنبياء، والأنبياء أشد الناس بلاء، ومن سنن الله في كونه أن التمكين لا يكون إلا بعد التمحيص والابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ , وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. (العنكبوت: 2).

وقد كان من مهمة الأنبياء أن يعملوا على أن يُثَبِّتُوا أتباعهم ويدعوا أناسًا جددًا للانضمام إليهم، وتكثير عددهم حتى يكون أهل الحق قادرين على تحدي الباطل ومواجهته.

وأصحاب المشروع الإسلامي عليهم أن يقوموا بالأمرين معًا: تثبيت الأتباع وتكثير الأشياع، وألَّا يتكاسلوا أو يتوانوا في هذين الأمرين، وقد كان رسول الله ﷺ وهو القدوة والأسوة يلقى التثبيت من ربه حينًا وراء حين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (الفرقان: 32).
فكان بعض الحكمة في نزول القرآن منجمًا تثبيت فؤاد الرسول ﷺ، وهل التثبيت يكون إلا حيث يكون الأذى والتعب والمشقة ومكابدة الأعداء، والصبر على البلاء وغير ذلك من ألوان الشدائد والمصاعب؟ فكل من سار في طريق الدعوة محتاج إلى التثبيت سواء أكان مسؤولًا أم غير مسؤول، ثم يبقى واجب هؤلاء أن ينقلوا الدعوة إلى الآخرين، وأن ينشروا نور الله في العالمين.

والهمة في هذا الطريق لا غنى عنها، فبغيرها يكون الكسل صاحبًا، والعجز صديقًا، وهي التي تحول بينهما، وتمنع وصولهما للإنسان، فيظل نشيطًا طيب النفس يجود على غيره بما أعطاه الله من سعة الوقت وبسطة الرزق، وفهم للعلم وعمل بالدين، الهمة إذن والعمل المتواصل سبيلان واضحان للوصول إلى التثبيت المطلوب الذي إن طال أمده أو قصر أجله، سيصل إلى الغاية التي نسعى نحوها، ونريد تحقيقها وهي إقامة شرع الله في الأرض، وإظهار دين الله على الدين كله ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ.

على أن العاملين لا ينظرون إلى هذا الهدف على أنه الغاية الكبرى التي يسعون نحوها فهم ليسوا طلاب دنيا، ولم يكن عملهم لدنيا يصيبونها أو نساء يتزوجونها وإنما غايتهم وهدفهم ابتغاء مرضاة الله وطلب مثوبته، فإن حققوا ذلك فليس يعنيهم شيء بعده، وفي هذا عزاء للعاملين، الذين لا يرون ثمرة جهودهم كاملة أمامهم في حياتهم الدنيا، وهو عزاء غير موجود عند أي دعاة آخرين يولون ظهورهم للإسلام، ويقبلون على المناهج الأرضية الأخرى، فهؤلاء إن لم يروا ثمرة عملهم في دنياهم فأين يرونها؟ إن معظم هؤلاء من الذين عُجِّلَت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولذا فهم يتحولون من الشرق إلى الغرب ويتبدلون ويغيرون اتجاهاتهم، وقد يأخذون مناهج غير مناهجهم لأنها تدر عليهم ربحًا دنيويًا، فإن ضاع هذا الربح الدنيوي من بين أيديهم أو لم يظفروا به فقد خسروا خسرانًا مبينًا.

فكيف يكون لهؤلاء ثبات على مبدأ أو منهج؟ والأمر مختلف عند دعاة المسلمين الذين يعلمون يقينًا أنهم إن فاتهم حظ الدنيا فلن يفوتهم حظ الآخرة، ولذا فهم لا يتحولون ولا يتغيرون، ولا تغرهم الحياة الدنيا ولا يغرهم بالله الغرور.



الرابط المختصر :