العنوان جهاد مسلمي أفغانستان.. حديد يناصر الكتاب.. فهل نوفر لهم الحديد؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-سبتمبر-1979
مشاهدات 73
نشر في العدد 455
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 04-سبتمبر-1979
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾( الحديد: 25)
الرسالة الربانية واحدة في جوهرها جاء بها الرسل ومعهم البينات عليها، ومعظمهم جاء بالمعجزات الخوارق، وبعضهم أنزل عليه كتاب ككتاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..
و«الميزان».. مع الكتاب؛ فكل الرسالات جاءت لتقر في الأرض وفي حياة الناس ميزانًا ثابتًا ترجع إليه البشرية لتقويم الأعمال والأحداث، الأشياء والرجال، وتقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأفرجة وتصادم المصالح والمنافع، ميزانًا لا يحابي أحدًا لأنه يزن بالحق الإلهي للجميع، ولا يحيف على أحد لأن الله رب الجميع و.. ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
وأنزل الله الحديد «فيه بأس شديد» ليناصر الكتاب وليقوم بمهمة الإصلاح إذا ما انحرفت نفوس البشر عن فطرتها وأرادت استبدال منهج الله بمنهج بشري.. أو أرادت الانقضاض على كتاب الله أو أتباع كتاب الله..
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾.
- ماذا يعني لنا جهاد مسلمي أفغانستان:
أولاً: إنه ترسيخ لمنهج «الحديد» في مناصرة الكتاب، وتجسيد عملي حازم للموقف الذي ينبغي أن يقفه المسلم من كل حركة فكرية أو نظام سياسي يريد الانقضاض على كتاب الله أو أتباعه.
ثانيًا: إنه فرصة سياسية نادرة تستطيع بها الدول الإسلامية أن تفرض وجودها وتعزز من قوتها الدولية في مواجهة الابتزاز الاستعماري الذي تمارسه الدول الكبرى.
فدعم الثورة ماديًّا ومعنويًّا ومساعدتها في الوصول إلى هدفها من إنشاء دولة إسلامية تكون سدًّا منيعًا ضد الانسياح الشيوعي على منابع الطاقة في دولنا الإسلامية، وتستطيع أن تلعب دورًا سياسيًّا بحكم موقعها الإستراتيجي الحساس المتوسط بين أربعة دول لها وزنها السياسي ودورها الذي لا يستهان به، خصوصًا وأن المعالم السياسية للحكومة الإسلامية التي ستقدم إن شاء الله في أفغانستان ستكون واضحة محددة الأهداف يسهل التعامل معها وفق معايير إسلامية بعيدة عن «الميكانيكية» والخداع السياسي.
دعم هذا الثورة لاستخلاص هذه المنجزات يعد فرصة سياسية نادرة... قلما تتكرر.
- وفي معرض الحديث عن الثورة الإسلامية في أفغانستان نرى لزاما علينا أن نعرج على ما تواجهه الثورة من مشاكل خارجية وداخلية قبل أن نقول رأينا بينما يجب علينا حكومات وشعوبًا تجاهها. فمعرفة المشكلة.. بداية الحل.
المشاكل الخارجية:
- المؤشرات السياسية أوحت للمراقبين السياسيين أن إحدى أخطر نقاط اتفاقية «سالت ۲» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.. اتفاق الطرفين على عدم السماح للثورة الإسلامية في أفغانستان بمواصلة السعي لتحقيق هدفها وذلك عن طريق محاولة إیجاد بدیل سیاسی متفق عليه بين الشرق والغرب لنظام تراقي الشيوعي لامتصاص النقمة الشعبية لدى الشعب الأفغاني المسلم في خطوة سياسية مدروسة لثنيه عن إصراره على تكوين حكومة إسلامية تحكم بأمر الله..
هذا الاتفاق قد ينعكس قريبًا إن لم يكن قد بدأ بالانعكاس على الساحة الأفغانية ويعطي فرصة أكبر لنظام تراقي بالمقاومة وبجعل الشعب أكثر تهيؤًا لمجيء النظام المتفق عليه.
أحد المسؤولين في إحدى الدول الإسلامية ذات الوفرة البترولية حين قال لمندوب الثورة الإسلامية..
«عندما نسمع بياناتكم من إذاعة (بي. بي. سي) البريطانية فسوف نقدم لكم المساعدة لأن هذا يعني أن هناك ثورة حقيقية!»..
- تقصير الإعلام العربي في تغطية أحداث الثورة وإعطائها الدرجة الثانية بالاهتمام، يساعد على ذلك ويرادفه أن وسائل الإعلام الغربية ووكالات أنبائها تحاول استغلال الثورة لتحقيق المتطلبات السياسية للدول الغربية، فلم تنل الثورة الإسلامية من الاهتمام إلا بالقدر الذي يحقق هذا الهدف.
مما ساعد على غياب كثير من التفاصيل الهامة من الفرد المسلم فيما يتعلق بالثورة الأفغانية.
المشاكل الداخلية:
- تطور الوضع من مجابهة ثورية لحكومة مدنية إلى ما يشبه وجود حكومتين. حكومة ثورية تقاتل ضد حكومة مدنية، جعل الثوار ملزمين بتوفير الطعام والكساء لأعداد ضخمة من مسلمي أفغانستان الذين هاجروا من بيوتهم في المناطق التي تسيطر عليها حكومة تراقي إلى المناطق التي يسيطر عليها الثوار المسلمون. والأخبار الواردة من أفغانستان تؤكد أن الكثير من المهاجرين والمقاتلين يجدون عنتًا في الحصول على إعاشتهم اليومية.
- المواجهة الطويلة الأمد بين الثوار وحكومة تراقي التي فرضتها عليهم طبيعة القبال، جعلت الثوار بأمس الحاجة لمزيد من الأعتدة والذخائر لمواصلة الضغط وإحراز المزيد من التقدم، خصوصا إذا علمنا أن تكتيك المواجهة التي يتبعها الثوار ضد حكومة تراقي يقتضي الآن من الثوار عدم التوقف أو إعطاء الخصم فرصة لالتقاط أنفاسه.
ولقد قدرت الدوائر المسؤولة في القيادة العسكرية للثوار حاجة الثورة إلى ما يقارب نصف مليون دولار يوميًّا لتتمكن الثورة من الصمود لحين الإطاحة بنظام تراقي.
- ازدياد عدد المهاجرين واتساع نطاق القتال وانضمام كثير من أفراد الجيش والمهندسين والأطباء وأساتذة الجامعات في صفوف الثورة الإسلامية جعل الحاجة ماسة إلى مزيد من التنظيم الإداري مما يضيف المزيد من الأعباء المادية على قيادة الثورة.
هذا هو مفهومنا للثورة الإسلامية في أفغانستان وهذه هي مشاكلها، وقد آن أن نقول رأينا فيما يجب على حكومات الشعوب الإسلامية وعامة المسلمين تجاه هذه الثورة.
فحكومات الشعوب الإسلامية يجب أن تعي أن منهج «الحديد» الذي يسلكه ثوار أفغانستان هو المنهج الإسلامي الحق لنصرة الإسلام والدفاع عن قضاياه.
وأن تدعم الخط الأصيل في منهج إنكار المنكر الذي اختطه الثوار المسلمون في أفغانستان وأن تنتهج الظرف السياسي المواتي في أفغانستان لإيجاد ثقل سياسي إسلامي في عالمنا المتصارع.. على قتلنا وتدمير حضارتنا التي استغرقت قرونًا على التدمير.
وإن المساعدات التي قدمتها «بعض» حكومات الشعوب الإسلامية الغنية مشكورة للثورة الأفغانية لن تشفع لها أمام الملايين من الدولارات المستثمرة في الغرب الصليبي أو الشرق الملحد أو أمام أطنان الأسلحة والذخائر التي قدمتها لحكومة تراقي لضرب المسلمين فيما هي تستجدي الإسلام اليوم ليحفظ لها كراسيها في الحكم
أما الشعوب الإسلامية فأمام واقعنا المر الذي نعيشه وغياب المنهج الإسلامي في الحكم والتشريع فإننا لا نملك إلا استجاشة الحس الإسلامي في أفراد المسلمين ليقوموا بواجب إنكار المنكر ونصرة المسلم وتحقيق منهج «الحديد» بعد أن عجزت حكوماتنا عن ذلك، ويمدوا يد العون المادي والمعنوي لإخوانهم مسلمي أفغانستان، مستشعرين تحذیر الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، مسارعين لطلب الأجر من الله في تجهيز المقاتلين في سبيل الله؛ فمن جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا.
هذا هو منهج المجاهدين في أفغانستان.. حديد يناصر الكتاب؛ فهل نوفر لهم الحديد.. حكومات و أفرادًا؟؟