العنوان جهاد الغرباء والراية المقدسة (٢-٤)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1995
مشاهدات 94
نشر في العدد 1143
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 28-مارس-1995
بعد ما عشت في صغري فترة الأمة المغيبة تمامًا
عن كل شيء والعقول المهزومة والشباب العابث والهوية الضائعة، والثقافة الغريبة،
واليأس القاتل، عاصرت في صباي تكوين اللبنات المتقدمة التي يراد لها أن تحمل
الدعوة إلى الله، وواكبت تأسيس السواعد الفتية التي يطلب منها حمل الرسالة إلى
المعمورة، وشاهدتها وهي تخوض غمار الدعوة في بحور العبث والاستسلام، وظلمات
الجهالة والعماية، مجاهدة جهاد الغرباء، مكافحة كفاح الشرفاء في أوقات عجيبة،
وظروف غريبة، وأوضاع محيرة، ولكنهم قد أنار الله بصيرتهم بالوحي، وصان سمعهم
بالهدى وزكَّى لسانهم بالمعروف والصدق، إذا تكلم أحدهم فعن مشكاة النبوة، وإذا خطب
فكأنه صِدِّيق، وإذا تحدث فكأنه ملهم، فقابل ريهم عطش الناس، وصادفت دعوتهم عشق
الجماهير، وسمع نداءهم موات الأمة، وفقه حديثهم رمم العقول، ولكن الباطل بخبثه لم
يقف مكتوف الأيدي، والضلال بحقده لم ينظر إلى ذلك نظر المتفرج، فاجتمع على الدعاة
غربان النحس وبوم الخراب وسيوف الظلم، وسلك الرجال سبيل أصحاب الدعوات ولكن الصحب
المؤمن كان على علم بخطوات الطريق الطويل، وعقبات الجهاد الشاق تعلموا ذلك من
رائدهم الفذ، وقائدهم المحنك ومدربهم الرباني حين قال لهم ما حفظوه عن ظهر قلب،
ووعوه بعمق فكر من أول الطريق: «أحب أن أصارحكم أن دعوتكم ما زالت مجهولة عند كثير
من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقَى منهم خصومة شديدة،
وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي
هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، أما الآن فما زلتم
مجهولين وما زلتم تمهدون للدعوة، وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد، سيقف جهل
الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين
من يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء
والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل
حكومة أن تحدَّ من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم، وسيتذرع الغرب والشرق بكل
طريق لمناهضتكم، وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق
الفاسدة، والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع
حول دعوتكم غبار الشبهات، وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن
يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدّين بأموالهم
ونفوذهم ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ
مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8)، وستدخلون بذلك ولا شك في
دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون، وتشردون وتصادر مصالحكم، وتعطل
أعمالكم، وتفتش بيوتكم وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ
يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2) ولكن
الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين، ومثوبة العاملين ﴿فَأَيَّدْنَا
الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (الصف: 14) فهل
أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله».
عشت معركة المصحف ومذبحة الحريات وملحمة
الدكتاتورية، وغزو القوانين الاستثنائية، وسيطرة الهمجية وسطوة الفرعونية، إلى أن:
تعودت مس
الضر حتى ألفته وأحوجني
طول البلاء إلى الصبر
وقطعت
أطماعي من النذل آيسًا لعلمي
بصنع الله من حيث لا أدري
رأيت زمن الإرهاب وعهد المؤامرات، حتى كان
الرجل يمسي فيظن أنه لا يصبح، ويصبح فلا يتأكد أنه يمسي، وليس لأحد كبر أم صغر،
جَلَّ أم حقر، قيمة أو إنسانية، أو حرية، أو كرامة، يروي الأستاذ أحمد أبو الفتح
الوفدي رئيس جريدة المصري، فيقول: كان الأستاذ حسن الهضيبي قد تم الإفراج عنه بعد
سجنه الطويل ويقيم في منزله إقامة جبرية، فأراد سليمان بك ثابت أن يزور زميله في
القضاء المستشار حسن الهضيبي، وكان الأستاذ قد عمل بالقضاء قبل توليته منصب المرشد
العام، طلب سليمان بك ثابت الإذن بالزيارة كي يتم السماح له بالدخول إلى مسكن
الأستاذ الهضيبي الذي كانت تحرسه قوة لتطبق عليه الإقامة الجبرية فوافقت الجهة
المختصة، وذهب سليمان بك إلى منزل المستشار الهضيبي، وكانت الزيارة عاطفية بعد
عناق طويل لغياب الصديقين بعضهما عن بعض طويلًا، وانصرف من مسكن الأستاذ الهضيبي،
ولكنه لم يعد إلى منزله، وسألت الأسرة سائق سيارته الذي أوصله إلى منزل الأستاذ
الهضيبي، وكان ينتظره أن يرجعه إلى منزله، فقال: كنت واقفًا إلى جوار السيارة أمام
الباب فجاءني رجل لا أعرفه يخبرني أن سليمان بك يبلغه بأن يعود إلى المنزل وهو
سيعود مع صديق له موجود معه، وبعد ثلاثة أيام نشرت الصحف عن رجل توفي أثناء ركوبه
الأتوبيس ولم يعثر معه على شيء يثبت شخصيته، وتم دفنه في مقابر الفقراء بالمحمدي،
وكان المجهول هو سليمان بك ثابت، لأنه قضى في قضية لم تعجب السلطة! ثم روى قصة
أخرى عن محمد بك سليمان الذي قبض عليه عند نزوله من الطائرة وأخذ إلى السجن
الحربي، فأخذه حمزة البسيوني ليحقق معه بعد أن حفر له حفرة في الصحراء وأوقفه على
حافتها وسأله أسئلة لم تَرُق له إجابته عليه فضربه بالرصاص فوقع في الحفرة فأهالوا
عليه التراب، وذلك لأنه قابل أحمد أبو الفتح صدفة في جنيف فسلم عليه وانصرف.
رأيت العدالة كم بكت.. ورأيت الحرية كم وئدت..
ورأيت الكرامة كم ديست.. ورأيت الإنسانية كم عُبِّدت.. ورأيت الأيام كم اسودت..
ورأيت السجون قد امتلأت، والمشانق قد علقت، والمآتم قد نصبت.. ولكن هل منع ذلك نور
الدعوة إلى الله، وأطفأ اشتعالها أم زادها توهُّجًا وأكسبها أتباعًا، وورّثها أنصارًا،
وذهب الظالمون وبقي أنصار الحق المبين، وبقيت فلول الهالكين تنتظر الفتح للراية
المقدسة يحملها المسلمون القادمون الراكعون الساجدون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل